تركيا.. سراب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي
بقلم :شعبان
عبدالرحمن
منذ تقدمت تركيا
بطلبها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قبل ثلاثة عقود، وهي تواجَه بالمماطلات
والمماحكات والمطالب التعجيزية. وقد استندت تلك المماطلات إلى مطالبة تركيا
بالالتزام بما يسمى «معايير كوبنهاجن»، التي صاغتها قمة الاتحاد الأوروبي في
الدانمارك في 21 و22 يونيو من عام 1993. وهي تتعلق بإصلاحات في مجال الحريات
والاقتصاد والتنمية، وتوجب على دول الاتحاد أو الراغبين في الانضمام إليه صوغ
تشريعاتها وضبط قوانينها لتتلاءم مع هذه المعايير. ورغم أن تركيا قطعت شوطاً
كبيراً في ضبط قوانينها خاصة ما يتعلق بحقوق الأقليات والحريات إلا أن باب الاتحاد
الأوروبي ظل موصداً أمامها، رغم أنه فتح لدول عديدة أقل التزاماً بمعايير كوبنهاجن.
وطوال مسيرة تركيا
الطويلة ومحاولاتها الدؤوبة وإلحاحها في الرغبة للانضمام للاتحاد تبين أن العقبة
الأولى أمام موافقة أوروبا على طلبها ليست أبداً الالتزام بمعايير كوبنهاجن وإنما
لكون شعبها مسلماً. ورغم أن أنظمة الحكم العلمانية المتعاقبة على تركيا منذ سيطرة
مصطفى كمال على الحكم في عشرينيات القرن الماضي قد صبت كل خططها على سلخ تركيا من
هويتها الإسلامية وطاردت الإسلام في كل مجال وميدان، حيث ألغت كل القوانين
الإسلامية وحظرت الحجاب في المدارس والجامعات ودواوين العمل، وأشاعت الربا والخمر
وأحلت الزنى وحظرت اللغة العربية وجعلت المطالبة بتطبيق الإسلام بالعبارة أو
الإشارة جريمة يعاقب علها القانون، وقلصت المدارس الدينية وأفرغت مناهجها من
محتواها الإسلامي، رغم كل هذا العداء للإسلام من أنظمة الحكم التركية إلا أن
الاتحاد الأوروبي لم يرض عنها ولم يرُق له فتح بابه الموصد أمام انضمامها وظل
يناور وما زال يناورها لا لشيء إلا أنها محسوبة على العالم الإسلامي، ولأن شعبها
ما زال مسلماً رغم عداء أنظمته المتعاقبة للإسلام، وكأن المطلوب من تركيا أن تعلن
التخلي عن البقية الباقية من شعائر الإسلام حتى يتم الرضا عنها وينعموا عليها
بقبولها في الاتحاد الأوروبي. وصدق الله العظيم إذ يقول: «ولن ترضى عنك اليهود ولا
النصارى حتى تتبع ملتهم»(البقرة:120).
ومنذ سنوات لم يخف
قادة أوروبا السياسيون والدينيون موقفهم الرافض لانضمام تركيا إلى الاتحاد
الأوروبي بحجة أن شعبها مسلم، ففي السادس عشر من يناير عام 2000م نشرت صحيفة
أفينيير التي تملكها الكنيسة الإيطالية مقالاً عارض انضام تركيا للاتحاد الأوروبي
لأنه سيتسبب في «خسارة أوروبا لشخصيتها بل واسمها». وفي منتصف عام 2003م قال
الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان المسؤول عن صياغة دستور الاتحاد
الأوروبي الجديد: «إن انضمام تركيا إلى الاتحاد يعني نهاية أوروبا». وفي نفس الوقت
وجه بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني كلمة إلى دول الاتحاد الأوروبي دعاهم فيها
إلى «عدم نسيان إرثهم الديني» عند وضع دستورهم الجديد. وقد كان الكاردينال جوزيف
راتزينجر -رئيس مجلس العقائد الدينية في الفاتيكان- أكثر صراحة في الكشف عن حقيقة
النفسية الأوروبية تجاه الإسلام والمسلمين إذ أعلن رفضه انضمام تركيا للاتحاد
الأوروبي «حماية لميراث أوروبا المسيحي»، ودعا تركيا إلى «البحث عن مستقبلها داخل
منظمة إسلامية بدلاً من أوروبا نصرانية الجذور». وقال: «إن اندماج القارتين سيكون
خطأ يؤدي إلى ضياع الثقافة الأوروبية، وليس من الواجب التضحية بالميراث الثقافي في
سبيل ثراء اقتصادي».
وفي الأسبوع الماضي
احتجت أوروبا بشدة على اعتزام الحكومة التركية سن قانون يجرم الزنى ويقرر عقوبة
بالحبس ثلاث سنوات لمرتكبيه، ولوحت بأن ذلك سيضع عقبة جديدة أمام انضمام تركيا
للاتحاد الأوروبي. وقد تسببت الضغوط الأوروبية على تركيا في العدول عن سن القانون
لتبقى جريمة الزنى من المباحات إرضاءً لأوروبا!
فأي ثقافة.. وأي
حضارة تلك التي جعلت الأعراض كالسائبة؟! هكذا بدت تخوفات قادة أوروبا السياسيين
والدينيين من انضمام تركيا لاتحادهم وهي تتمحور حول الخوف من انضمام تركيا ذات
الشعب المسلم للاتحاد الأوروبي، وهو ما جعل الطيب أردوغان رئيس الوزراء التركي
يحذر من أن «انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي لن يكون خيارها الوحيد»، وقوله: «إن
المسلمين قد تنتابهم الشكوك في أن الاتحاد الأوروبي لا يقبل في عضويته سوى
المسيحيين. ولا شك في أن ذلك يضع الأوروبيين أمام تحدًّ أخلاقي». وبعد أن توصل
الطيب أردوغان إلى هذه القناعة يبقى على حكومته أن تتخذ قراراً تاريخياً يوقف هذه
المهزلة ويوقف الركض خلف السراب الأوروبي وأن يتجه صوب أرضه وشعبه وثروات بلاده،
فهي كفيلة بتحقيق نهضة ورفاهية الشعب التركي، يومها لن يرى من الصعب عليه ـ وهو
الرجل المسلم ـ أن يتجه إلى العالم الإسلامي فإن فيه من الثروات والإمكانات
والخبرات ما يكفل وضع نواة نهضة إسلامية كبرى.