المتشائلون

 

 

 

بقلم : د. فيصل القاسم

 

يتخذ المتفائلون من الوضعين الفلسطيني والعراقي منطلقاً لتفائلهم، فهم يرون أنه "في الوقت الذي جعل فيه العراقيون القوات الأمريكية الغازية تتعثر في مستنقعات العراق وأوحاله وتنسى مشاريعها الشرق أوسطية "العظمى" ، ها هم الفلسطينيون يجعلون الدولة الأقوى في المنطقة ترتعد خوفاً وهلعاً إلى حد أنها تخلت تماماً عن فكرة المشروع الصهيوني العتيد الممتد من الفرات إلى النيل وراحت تتقوقع على ذاتها وتحيط نفسها باسوار اسمنتية شاهقة تكلفها مئات الملايين من الدولارات لعلها تحمي سكانها المذعورين من كوابيس المقاومة". ولم نعد نسمع، برأيهم، كلاماً كذاك الذي تشدقت بع غولدا مائير عندما قالت ذات مرة إن "حدود إسرائيل هي حيث تصل اقدام الجنود الإسرائيليين". ولا داعي إلى سرد تأثيرات الانتفاضة وقواها المقاومة على المجتمع الإسرائيلي سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وعسكرياً، فقد غدت معروفة للكثيرين بفعل وقعها الهائل. وإذا كان لا بد من التذكير يلجأ أنصار المقاومة إلى سرد ما قاله أحد الكتاب الإسرائيليين قبل اسابيع بمناسبة مرور الذكرى السادسة والخمسين لتأسيس الدولة العبرية, فقد علق احد الكتّاب الدائمين في صحيفة "يديعوت أحرونوت", وهو المحلل المعروف سيفر بلوتسكر على الحدث قائلاً: "على رغم بلوغ اسرائيل سن (56 عاماً), ما زال ينقصها سمات بلوغ سياسية. فهي ما زالت بلا حدود نهائية. ما زالت من دون عاصمة يعترف العالم بها. ما زالت بلا دستور. وفي الأصل ما زال سكانها لا يملكون الهدوء والاستقرار" . ويضيف قائلاً: "إليكم تناقض اسرائيل في السنة 56 لاستقلالها: دولة يحبها مواطنوها الى درجة الموت, ولكن كل مواطن ثان يعتقد بأنها تمضي في الاتجاه غير الصحيح, و70 من كل 100 يقولون إن لا مستقبل لأولادهم فيها". ويرى الكاتب الفلسطيني ياسر الزعاتره في السياق نفسه أنه "قبل سنوات وتحديداً في العام 1993 عشية توقيع اتفاق أوسلو قيل لنا ان هيمنة الدولة العبرية على المنطقة قد غدت مسألة وقت, ولم تمض سبع سنوات حتى كانت تخرج مهزومة من جنوب لبنان, ثم تدخل بعد خمسة شهور في معمعان أسوأ تهديد لوجودها ممثلاً في انتفاضة الاقصى التي لم تتوقف بعد, فيما لم يجد اصحاب مشاريع التمدد والهيمنة سوى نصب جدار بينهم وبين الفلسطينيين كعنوان هزيمة, الى جانب قرار الفرار من قطاع غزة. ويضيف متسائلاً: "هل يدل ذلك الى هزيمة الامة امام المشروع الصهيوني, ام انه يبشر بتراجع مستمر لذلك المشروع امام ارادة الامة التي يمثلها او ينوب عنها في الصراع الشعب الفلسطيني من دون ان يعني ذلك تقاعس الآخرين, بقدر ما يشير الى عدم قدرتهم على الدخول المباشر في المعركة, الامر الذي تتمناه الجحافل من ابنائها لولا الحدود وتعقيدات الصراع؟ وعلى رغم الخلل الرهيب في ميزان القوى بيننا وبين هاتين القوتين، فلا الدولة العبرية فرضت علينا ما تريد خلال سنوات طويلة من الصراع, ولا الولايات المتحدة حققت ما تريد من خلال غزوها العراق".

 

ويذهب آخرون إلى التذكير بالساحة اللبنانية قائلين:" يجب علينا أن لا نقلل أبداً من أهمية النصر التاريخي الذي حققته المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، فقد استطاعت أن تتفوق على القوة الصهيونية العاتية عسكرياً ومعنوياً وما زالت شوكةً في حلق الصهاينة إقليمياً ودولياً، هذا في الوقت الذي تتحكم فيه القوى الصهيونية بأمريكا وأوروبا وغيرهما وتجعل زعماء تلك الدول وأحزابها وشركاتها تأتمر بأوامرها كما لو كانت مجرد خدم عندها. وهنا تبرز الحيوية والتحدي العربي للقوى المسيطرة على العالم في أنصع أشكاله".

 

ويضيف أحد المتفائلين: "كلنا يعرف مدى النفوذ الصهيوني وسطوته في أمريكا وأوروبا إلى حد أن كل من يجرؤ على الكلام ضده يصبح في خبر كان أو من المغضوب عليهم إلى يوم الدين. لا أحد يتجرأ على مجرد الـتأفف من النفوذ اليهودي، فما بالك أن يواجهه. فقد شاهدنا ما حدث لمفكرين أوروبيين وأمريكيين كبار لمجرد فضحهم للأساطير والأكاذيب الصهيونية. وقد وصل الأمر برئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي قبل فترة إلى تكذيب استطلاع للرأي أجراه الاتحاد الأوروبي يقول إن إسرائيل تشكل أكبر خطر على العالم. لا بل إن زعماء الاتحاد الأوروبي تبرءوا من نتائج الاستطلاع تحت ضغط وإرهاب اللوبي الصهيوني خوفاً وذعراً. ويستشهد أحد المتفائلين على هذا الرعب الأوروبي من الصهاينة بسرده لحادثة وقعت له شخصياً إذ يقول: "كم حزنت ذات مرة عندما كنت أتجاذب أطراف الحديث مع كاتب أوروبي يعتبر من المعادين للنفوذ الصهيوني في أوروبا. فقد كان الرجل يتلفت إلى اليمين والشمال وهو يتحدث عن الإرهاب الصهيوني للأوروبيين. لقد بدا مذعوراً جداً خشية أن يصل الكلام إلى الدوائر الصهيونية التي تقف بالمرصاد لكل من يحاول أن يمسها ولو بالكلام فيصبح اتوماتيكياً معادياً للسامية تلك التهمة التي يبتزون بها العالم منذ عقود. لقد قال لي الكاتب:  "إننا نحسدكم كثيراً على شجاعتكم وقدرتكم الفائقة في التصدي للغول الصهيوني عسكرياً وإعلامياً". وأضاف: "أنتم لا تقدّرون مدى عظمة الفعل الذي تقومون به في فضح الصهيونية ومجابهتاها. نحن كما ترى نخاف هنا في أوروبا من مجرد ذكر اسمها فما بالك أن ننتقدها. أما أنتم فتمرغون أنفها بالتراب قولاً وفعلاً. لا تتصورون كم ننظر إليكم هنا بإعجاب على عنفوانكم في وجه الحركة الصهيونية. فوسائل الإعلام العربية حتى الرسمية منها قد تكاد تكون الوحيدة في العالم التي تفضح الأساطير الصهيونية وتتصدى لهذه الحركة التي ترهب الدنيا. فبالرغم من توقيع بعض الدول العربية معاهدات سلام مع إسرائيل إلا أنها ما زالت تغض الطرف عن الصحف والأقلام التي تهاجم الصهيونية. وهذا بحد ذاته عمل بطولي بمقاييس اليوم. ربما نجح الصهاينة في تخفيف الهجمة عليهم عربياً من خلال الضغط على بعض الحكومات كي تحذف بعض الآيات التي تحض على مقاومة اليهود وإلغاء استخدامها في وسائل الإعلام، إلا أن المزاج الإعلامي العربي العام ما زال صامداً في وجه الصهيونية لا بل يزداد صلابة".

 

ولعل تلفزيون المنار الذي يديره حزب الله ، كما يراه المتصدون للهيمنة الأمريكية والصهيونية، مثال ساطع على البطولة الإعلامية العربية في زمن لا يستطيع فيه الصحفيون والكتاب الأمريكيون والأوروبيون أن يلمحوا مجرد التلميح إلى الصهيونية. ويدلل أحد المتفائلين  على ذلك بقوله: "قابلت ذات مرة صحفياً أمريكياً عائداً من فلسطين، فسألته عن الوضع في الأراضي المحتلة فقال لي إنه وضع كارثي بكل المقاييس، فسألته إذا كان سيكتب في صحيفته عما رآه  فأجابني بضحكة صفراء: "لو أنني استخدمت عبارة "الاحتلال الإسرائيلي" لطرت من عملي على الفور، فما بالك أن أصف الوضع في فلسطين كما شاهدته".

 

ويتساءل متفائل آخر: "ألا يحق لنا في ضوء ذلك ان نقول بملء الفم: كفانا هجاءً وتيئيساً لأنفسنا؟ إنه، برأيهم، "تاريخ جديد يكتب في هذه المنطقة, ليس على صعيد رحلة التراجع لأكبر قوة في التاريخ البشري, وإنما لمصير الدولة الاكثر دلالاً ونفيراً في العالم أجمع". لكن قد يقول قائل إن هذا الكلام لا يسمن ولا يغني من جوع، وهو يدخل في إطار العنتريات العربية المعهودة التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من عجز وهوان وذل. ألم يبشرنا أحمد سعيد مذيع إذاعة صوت العرب الشهير في الستينات من القرن الماضي بأننا سحقنا الاستعمار ودمرنا إسرائيل وأننا حققنا المعجزات، بينما كنا نتقهقر أمام آلة الحرب الإسرائيلية؟ نعم. لقد قال سعيد هذا وأكثر وطبل وزمر لانتصارات فارغة لا أساس لها من الصحة. لكن أكاذيب أحمد سعيد، برأي المتفائلين الجدد، لم تعد ممكنة في عصر السموات المفتوحة، فعصرنا لا تسيطر عليه إذاعة (صوت العرب) التي لم يستمع العرب وقتها إلا لها حيث كانت مصدر معلوماتهم الوحيد. بعبارة أخرى فإن الحديث عن انتصارات وهمية لم يعد ممكناً أبداً وقد غدا الإنسان العربي قادراً أن يتحقق بيسر وسهولة مما إذا العرب اليوم يشكلون شوكة حقيقية في حلق القوى المسيطرة عالمياً أم لا وفيما إذا كان المتحدثون عن العنفوان العربي يهرفون بما لا يعرفون. لماذا اصبح كل من يتفوه بكلمة تفائل يتيمة عن الوضع العربي يوصف فوراً على أنه أحمد سعيد جديد، يتساءلون؟ ألا يكفينا تيئيساً لبعضنا البعض؟ ثم ألا يدل هذا الصراع المحتدم بين العرب وقوى الهيمنة والتسلط العالمية على أننا ما زلنا نقاتل من أجل تحررنا من الاستعمار وأننا لم نتمكن بعد من خوض معارك التنمية والتطور الداخلية الحقيقية؟ وإذا كان لهذه المنطقة الموبوئة بالاستعمار والتدخلات الخارجية منذ مئات السنين أن تخرج من كبوتها فلا بد أن تـُترك وشأنها على أقل تقدير قبل أن نتهمها بأنها مصابة بأعرض التخلف السرمدي. صحيح أن تقارير التمنية الدولية أظهرتنا كما قلت في مؤخرة العالم اقتصاديا وحضاريا وثقافيا وسياسيا، لكنها عادت واعترفت في تقرير عام ألفين وثلاثة لتؤكد أن سبب تخبط العالم العربي حتى الآن راجع أيضاً إلى العوامل الاستعمارية والدور الإسرائيلي تحديداً. وهذا الاستنتاج يعطي مصداقية لكلام المتفائلين بحيوية العرب وتصديهم الفعال لقوى الاستعمار الجديدة من أمريكية وصهيوينة. لا بل يدحض تخرصات الذين يعزفون دائماً على وتر التيئيس والتذكير ببطولات أحمد سعيد الوهمية.

 

وبعد، يتساءل أصحاب الرأي المتفائل: "هل نحن إذن جيفة متفسخة تتكاثر فوقها الطيور الجارحة بهدف التهامها أم نمر شرس يحاول الكثيرون ترويضه منذ عقود دون جدوى؟ هل نحن جثث هامدة لا تقوى على شيء أم شعب متأهب لمقاومة الاستعمارين الداخلي والخارجي على حد سواء وأن تخلفه عن الركب الحضاري حتى الآن ليس عائداً إلى خلل فيه بل إلى رزوحه إلى هذه اللحظة تحت نير القهر والقمع الداخلي والخارجي على حد سواء،  وهو يحاول جاهداً كسر ذلك النير؟"

 

 ما هو رأي القارئ بعد قرائته للرأيين المتشائم ومن ثم المتفائل؟ أيهما أكثر واقعية؟ أيهما على صواب؟ هل أنت مع الذين يقولون:" سجـّل أنا عربي" أم مع الذين يعتقدون أن الوضع العربي ينحدر من حضيض إلى آخر وأن حاضرنا البائس قد يكون أفضل بكثير من مستقبلنا الذي قد يكون أكثر بؤساً؟ أترك لكم الخيار!