هل سيختلف كيري عن بوش في الموقف من القضايا العربية ؟؟

 

 

 

بقلم :د. علاء أبو عامر

 

من الملاحظ أن قضايا الشرق الأوسط بشكل عام والعراق بشكل خاص قد تحولت  ومنذ بدأ الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة إلى موضوع رئيس  في هذه الانتخابات حيث برزت القضيتان العراقية والفلسطينية بقوة في التصريحات التي أدلى بها كل من المرشحين كيري وبوش ونحن سنركز في مقالتنا هذه على مواقف المرشح جون كيري تحديداً إذ أن مواقف بوش باتت معروفة من هاتين القضيتين وغيرها من القضايا العربية بالفعل لا بالقول ويمكننا رصد مواقف جون كيري من خلال تتبع تصريحاته العلنية إذ أن الرجل ما زال خارج البيت الأبيض لذلك لا مواقف عملية له إلا تلك التي أتخذها أثناء عضويته في الكونغرس وعليه فإن ما سوف نحسبه عليه من آراء هي تلك التي عبر عنها في أكثر من مناسبة أثناء الحملة الانتخابية وهذه الآراء ربما لا تكون مواقف نهائية للرجل وفريقه بل قابلة للتغيير في أي وقت حيث أن المرشح في كثير من الأحيان يتأثر برأي الشارع ويحاول أن يكون قريباً منه في المواقف والغاية من ذلك هو كسب وده و يميل تدريجياً لصالحه إلى اللحظة التي تجري فيها الانتخابات  .

 

وقد أدلى كيري منذ بدأ السباق على الترشح للرئاسة عن الحزب الديمقراطي بالعديد من المواقف تجاه القضايا العربية  يمكننا أن نوجزها على النحو التالي :

 

فيما يخص العراق صوت جون كيري عندما كان عضواً في الكونغرس لصالح الغزو و دعا في حينه إلى إرسال مزيد من القوات إلى هناك .بعد ذلك عبر كيري عن نيته تقليص حجم القوات الأمريكية في العراق  لكنه عاد في 6  سبتمبر 2004  وأعلن بشكل صريح أنه سيعمل على إخراج القوات الأمريكية من العراق فور انتصاره في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، التي من المقرر أن تجري في شهر نوفمبر المقبل.

كما قال المرشح الديمقراطي في تصريحاته: " إن الحرب على العراق لم تكن صحيحة وجاءت في وقت غير مناسب ومكان غير مناسب ".

وقال 'كيري' خلال لقاء مع مؤيدين له في بنسلفانيا: إنه ينوي إخراج القوات الأمريكية من العراق، وإعادتها إلى أرض الوطن مع بداية توليه منصب رئيس الولايات المتحدة.

هذه التصريحات يعتقد البعض  أنها غير جدية ويعزي أقوال 'كيري' هذه إلى رغبته في مداعبة المشاعر التي يعبر عنها بشكل متزايد الكثير من الأمريكيين على ضوء ما تنقله وسائل الأعلام المرئية والمكتوبة من صور و مشاهد  للآليات الأمريكية المحترقة و للتوابيت الأمريكية التي تتطاير من العراق إلى المطارات الأمريكية بصورة يومية.

 

جون كيري لا يريد سوى الفوز في الانتخابات الرئاسية القادمة، و تصريحه بأنه ينوي إخراج القوات الأمريكية من العراق، يدل على أن ذلك بات مطلبًا شعبيًا متزايدًا من الشعب الأمريكي إذ أن أمير الحرب رامسفيلد ذاته أشار في اليوم التالي تقريباً إلى أن مسألة  تقليص حجم القوات الأمريكية في العراق وسحبها التدريجي ممكن حتى قبل أن يحل الأمن والاستقرار هناك ... من هنا فإن هذه المسألة أي سحب القوات الأمريكية من العراق لا تعبر عن موقفً مبدئي  لكيري في معادة الحرب بقدر ما هي حاجة ملحة تتدارسها مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة تزايد عدد الضحايا في صفوف القوات الأمريكية وحلفائها وقد يبدأ الانسحاب فعلياً من الحرب عقب فوز كيري ولكن قد تتغير الظروف ولا يتم ذلك في القريب  بحجة الدواعي الأمنية والإستراتيجية ومصلحة إسرائيل والنفط والإرهاب وغيرها من المبررات التي لن تعجز ماكينة الدعاية من تحويلها إلى فزاعات مخيفة خصوصاً إذا أقدمت الإدارة الحالية على استغلال تفجيرات محتملة قد تقع خلال الفترة التي تسبق الانتخابات مباشرةً حيث سيتم الإدعاء حينها أنها من فعل تنظيم القاعدة وهنا قد نشهد تحولاً كاملاً في مزاج الرأي العام الأمريكي لصالح الحرب على العرب والمسلمين مما سيحبط أي خطط لأي انسحاب من العراق.

 

أما فيما يخص القضية الفلسطينية فقد عين المرشح الديمقراطي جون كيري, يهوديًا من أشد المدافعين عن الاحتلال الصهيوني في الكونجرس سابقًا, مستشارًا رئيسًا لشؤون 'الشرق الأوسط', مما لاقى ترحيبًا واسعًا من جانب المنظمات اليهودية الأمريكية وكان ميل ليفين عضوًا في مجلس أمناء لجنة 'إسرائيل' الأمريكية للعلاقات العامة [إيباك] التي تعتبر أقوى مجموعة ضغط صهيونية في الإدارة الأمريكية، لكنه جمد نشاطه في المجموعة, بعدما أصبح رئيسًا للجنة العلاقات في 'الاتحاد اليهودي للوس أنجلوس,  أما في المواقف العملية فقد وافق جون كيري على خارطة الطريق وفق التصور الإسرائيلي لها , وهو لا يعترف بالرئيس  ياسر عرفات رئيساً شرعيًا منتخبًا للفلسطينيين, ويطالب بتنحيته وتهميشه بوصفه عقبة أمام السلام حسب زعمه  وهو بذلك لا يختلف كثيراً عن جورج بوش الابن و يرى كيري ضرورة الدفاع عن إسرائيل والحفاظ على أمنها واستقرارها باعتبارها أقرب الأصدقاء والحلفاء للولايات المتحدة الأمريكية, وعندما لم يكن قد أصبح مرشحًا رسميًا للحزب الديمقراطي اعتبر الجدار العازل خطوة إسرائيلية شرعية!! وعندما أصبح مرشحًا للفوز بالرئاسة عارض إحالة الموضوع إلى محكمة العدل الدولية.واستمر في موقفه هذا عندما صدر القرار عن المحكمة فقد أدانه كيري بشدة . 

 

أما فيما يتعلق بالعرب عموماً فمواقف كيري تبدو في كثير من الأحيان غير مفهومة فقد شن هجوماً لاذعاً على المملكة العربية السعودية وطالب بوقف الاعتماد على النفط العربي بقوله: 'عندما يكون 65% من مخزون النفط العالمي في الخليج و 3% فقط في الولايات المتحدة فإنه لا يمكننا أن نكون مستقلين'. وأضاف : 'يجب ألا يبقى الأمريكي رهينة لاعتماد الولايات المتحدة على نفط منطقة الشرق الأوسط, فخطتي تهدف لجعل أمريكا مستقلة كليًّا عن الاعتماد على نفط الشرق الأوسط في غضون عشر سنوات'.

 

العرب والمسلمون في أمريكا يؤيدون وبشدة المرشح الديمقراطي جون كيري رغبة منهم في التغيير فقد كشف أحدث استطلاع لأراء مسلمي أمريكا السياسية عن تراجع ملحوظ في تأييد مسلمي أمريكا للرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش الابن الذي حصد غالبية أصواتهم في انتخابات عام 2000 الرئاسية، وذكر الاستطلاع الذي أجرته وكالة زغبي إنترناشيونال لاستطلاعات الرأي بتكليف من مشروع دراسة دور المسلمين في الساحات العامة الأمريكية (Project MAPS) التابع لجامعة جورج تاون الأمريكية أن 68 % من مسلمي أمريكا يميلون للتصويت لمرشح الحزب الديمقراطي جون كيري، في مقابل 7 % فقط يميلون للتصويت لصالح المرشح الجمهوري جورج بوش الابن ، كما أعرب 11 % من المشاركين في الاستطلاع عن ميلهم للتصويت لصالح المرشح المستقل رالف نادر.أمل العرب الأمريكيين في جون كيري قد يخيب كما خاب أملهم من قبل في جورج بوش الابن ولكن يبقى كيري أسوء الخيارين بالنسبة للعرب والمسلمين في العالم العربي وخارجه .

 

لا أريد هنا أن استبق الأحداث واقفز إلى القول بأن جون كيري لن يختلف تماماً عن جورج بوش في السياسة الخارجية تجاه منطقة الشرق الأوسط في حال نجاحه في الانتخابات حيث من المعروف أن الاختلاف في مواقف الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري من قضايا الشرق الأوسط هي أشبه ما تكون بالخلاف بين حزبي العمل والليكود في (إسرائيل)  فلا يوجد خلاف بين الحزبين في الجوهر ولكن الخلاف يكمن في التكتيك  .

 

سيكون هناك اختلاف جوهري بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على صعيد السياسة الداخلية وهذا ما يميزهما عن بعضهما البعض أما على صعيد السياسة الخارجية فهناك توافق شبه تام كون السياسة الخارجية " هي عملية تقوم بتنفيذها الدول من أجل الدفاع عن مصالحها الوطنية ومن أجل بلوغ هدف محدد سلفاً " وهي مجمل التوجهات العامة التي يتم إعدادها في بداية فترة تاريخية معينة أو بعبارة أكثر بساطة ، التوجهات التي يتم إعدادها عند مجيء حكومة جديدة إلى السلطة " .

 

ربما ستسحب الولايات المتحدة قواتها من العراق خلال العام القادم ولكن ذلك مهما حصل ليس له علاقة مباشرة بمواقف أي من المرشحين بل مرتبط بالوضع العسكري على الأرض ولكن فيما يخص قضية العرب الأولى أي القضية الفلسطينية تبقى إسرائيل مصلحة إستراتيجية دينية للولايات المتحدة الأمريكية لذا لا يتوقع أن يكون هناك تغييراً يذكر في المواقف والسياسات ، وبما أن العامل الديني قد برز كعامل أساسي في الصراع الدولي في بداية هذا القرن و هو في مرحلة انتعاش على الصعيد العالمي بسبب السياسة الرعناء للإدارة الأمريكية الحالية التي يقف ورائها المحافظين الجدد واليمين المسيحي الصهيوني المتطرف فإن الأمل في تغيير جذري في السياسة الخارجية المستقبلية للولايات المتحدة  يبقى أمل قد لا يتحقق إذ أن لدى كيري أيضاً ديمقراطييه الجدد الذين هم ليسوا بأقل عدوانية وتطرف من محافظي بوش الجمهوريين الذين تخرج أغلبهم في السابق من مدرسة الحزب الديمقراطي الأمريكي ...