كلاب شارون تخرج للصيد..؟!

 

 

 

بقلم :  محمد أبو عزة

 

هذا ما يقولونه في "المؤسسة" عندما تخرج واحدة من "مجموعاتهم" لاقتراف جريمة اغتيال أو تجسس أو تخريب.. هنا أو هناك في عواصم الكرة الأرضية.

و"المؤسسة" هي "موساد لياليا بيت" التي تعرف اختصارا باسم "موساد"، -أحد الفروع الأساسية في وكالة الاستخبارت الصهيونية التي تضم مؤسسات  "شاباك" و"شين بيت" و"أمان"..-

وكلاب المؤسسة خرجت للصيد كثيرا منذ تأسست عام 1937 كجيش سري للهاغانا..

وارتكبت في الثلاثين سنة الأخيرة خصوصا عشرات الجرائم.

اغتالت "غسان كنفاني" –في تموز "يوليو" عام 1972- و"وائل زعيتر" –في تشرين الأول "أكتوبر" من السنة نفسها - و"كمال ناصر" و"كمال عدوان" و"محمد يوسف النجار" –في نيسان "أبريل 1973- و"محمود الهمشري" و"باسل الكبيسي" و"حسين أبو الخير" و"خليل الوزير"..إلخ.

القائمة طويلة، والذين اغتيلوا أو تعرضوا لمحاولات الاغتيال، أكثرهم لم يكونوا من المحاربين وإنما من الكتّاب والسياسيين .

لقد كان غسان كنفاني كاتبا وباحثا وروائيا مرموقا، وكانت بنيته نحيلة بسبب داء السكري الذي كان يفتك به، ولكنهم فجروا سيارته عندما كان يمتطيها مع ابنة شقيقته الطفلة .

وكان الدكتور أنيس صايغ مديرا لمعهد الأبحاث الفلسطينية، لم يحمل في أي يوم من أيام حياته أي سكين أو أداة جارحة، ناهيك عن البنادق أو الديناميت.. وأرسل له الموساد شحنة ناسفة أودت بأصابع كفه التي كان يمسك بها القلم، واقتلعت عينيه التي كان يجول بها بين الكتب والوثائق..

وحين سقط وائل زعيتر على بلاط الشارع في العاصمة الإيطالية، كان يتأبط شيئين اثنين فقط: رزمة من الكتب وربطة من الخبز..

 

لم يكن أيٌّ منهم محاربا، بل إن أكثرهم كان يعارض الحرب والاحتراب، وأخذوا على عاتقهم توضيح عدالة القضية الفلسطينية للرأي العام العالمي.

 

وباستثناء عقولهم والحجج المنطقية التي تزنّروا بها، لم يكن لدى أي واحد أية وسيلة للدفاع عن النفس ..

 

وتلك الاغتيالات وقعت في عقد السبعينات، وتواصلت في عقد الثمانينات قبل أن تحل طائرات الأباتشي والزنانة والجماعات المتنكرة بثياب العرب.. محل القتلة المدربين.

 

وخرجت الكلاب للصيد في التسعينيات، في شهر كهذا الشهر من عام 1997، حيث ترصدت الأستاذ خالد مشعل –رئيس المكتب السياسي لحركة حماس- في العاصمة الأردنية، وشاءت العناية الإلهية أن تكتب له النجاة في الظروف المعروفة، وأن تكون تلك المحاولة الفضيحة سببا لخروج الشيخ أحمد ياسين من السجن، ليلاقي وجه ربه عقب صلاة الفجر في الثاني والعشرين من آذار "مارس" الماضي شهيدا، وليلحق به شقيقه القلْبيّ الدكتور عبد العزيز الرنتيسي –في السابع عشر من نيسان "أبريل" على درب أخوّة ارتقوا إلى العلى في فترات سابقة، من بينهم القادة صلاح شحادة وإسماعيل أبو شنب والمهندس يحيى عياش وغيرهم من الشهداء البررة.

 

أرئيل شارون الذي طالما أمر عسكره: تحدثوا قليلا وافعلوا كثيرا..أعاد تفعيل المؤسسة –بعد فضيحة عمّان- عبر تعيين "مئير داغان" رئيسا للموساد، وكلفه بإعادة إيقاظ فرق الاغتيالات أو الخلايا النائمة.

 

والكائنات "الموسادية" التي تحمل الاسم الكودي "قيساريه" لا ينقصها الدعم المالي أو الوجستيكي، فثمة تجهيزات من أحدث ما انتجته الفبارك الأمريكية، وعندها إطارات في عديد من بلدان العالم.

 

ولم يكن ينقصهم أن يفتي الحاخام "دوف ليؤور" أنه يمكن التعامل مع المدنيين الفلسطينيين –غير المحاربين- كمسلحين، ويحذر من التفريق بين الجمهور والمقاومة، ويدعو الجيش الصهيوني إلى العمل وفق منهج "يفتاح الجلعادي" و"شاؤول" القائل بتحاشي انتظار المهاجم حتى يبدأ هجومه، بل استباقه وقتله!!

 

الحاخامون حشوا فتواهم بحجج وذرائع من الحرب الكونية الثانية، حين استخدم الأمريكان القنبلة الذرية لمسح "ناغازاكي" و"هيروشيما" عن وجه الأرض، وهو ما تكرره أمريكا في الفلوجة وغيرها من المدن العراقية في هذه الأيام.

 

وقد حفظت جماعات القتلة من وحدة "قيسارية" وصايا "دوف ليؤور" و"عكيفا" و"افراهام فاسرمان" و"عوفاديا يوسف" وكل الحاخامات التي ظلت تنعب أو تنبح: اتبعوا جدول أوليات حتى بين الأصدقاء، فما بالك حين يكون المقصود من يسعى لقتلنا "!!"، التقاليد اليهودية والقانون الدولي ".." يقفون إلى جانب دولتنا..

 

ومن "سدوم" و"عامورا" أعلن القتلة: لايوجد سبب يمنعنا من تنفيذ ذلك في الخارج، ما من سبب يسمح لعبد الله ومحمد.. في دمشق وطهران بأن يناموا قريري العين وأفضل من أخوتهم في غزة..

لم يكفهم الجرائم الوحشية التي ارتكبوها في أحياء مدينة غزة ومخيمات القطاع والضفة، وفي رفح وخانيونس ونابلس وجنين، ولم تشبع نهمهم الدماء التي سالت في المجازر الجماعية والقصف العشوائي الذي أودى بحياة الأطفال والنساء والشيوخ، وآخرها المجزرة التي ارتكبت عن سابق تصميم وترصّد ضد بعض الأحداث والفتية المشاركين في مخيم صيفي في ملعب بحي الشجاعية ..

 

لقد امتلأ الملعب بأشلاء الضحايا ودمائهم، فثمة خمسة عشر شهيدا، أزهقت أرواحهم بدم بارد أمام أنظار العالم الذي يصبح أكثر إسراعا إلى إظهار السخط والغضب والاستنكار إذا تصادف أن لقي صهيوني مصرعه فوق أرض قام باغتصابها بكل الصلف والغرور والرعونة طالما هو في حماية الدبابات وطائرات الأباتشي!!

 

وانفجرت الفضيحة في نيوزيلاندا في شهر آذار "مارس" الماضي.

 

لقد تم اعتقال اثنين-اورئيل كالمان وايلي كسرا- من زلم "داغان". دخلا البلاد بجوازَي سفر كنديين، وتم الإمساك بهما وهما يحاولان الحصول على جواز سفر مواطن نيوزيلندي معاق، في الوقت الذي نجح الجاسوس الثالث "زئيف وليم باركان" بالفرار.

وقدمت الإذاعة الصهيونية معلومة مدهشة مفادها أن هناك جاسوسا رابعا ربما كان من الديبلوماسيين الصهاينة السابقين في سفارة فيينا.

وكان من الواضح أن القتلة الثلاثة أو الأربعة، كانوا بصدد التسلل تحت غطاء الجنسية النيوزيلندية إلى البلدان العربية بحجة السياحة أو تمثيل شركات تجارية وعلى رأسها الجاسوس الذي يتنكر بهيئة مُقعد.

 

وبارتكاب جريمة الاغتيال المدوية في واحد من أحياء العاصمة السورية الهادئة، ضد الرجل الذي قامت بإبعاده إلى مرج الزهور قبل ما يقرب من 13 عاما، ورفضت السماح له بالعودة، ولولا البادرة الإنسانية للقائد الكبير الرئيس حافظ الأسد –تغمده الله بواسع رحمته- لما لقي هذا المواطن الفلسطيني –الشهيد عز الدين الشيخ خليل- مكانا يأوي إليه بسلام مع أسرته الصغيرة ..

 

بارتكاب هذه الجريمة، تفتح حكومة شارون الباب أمام احتمالات العودة إلى "حرب الأشباح" التي تجنبت حركة حماس الإنجرار إليها منذ البداية.

ودولة الكيان الصهيوني تعرف أن سفاراتها وعناصر بعثاتها التي تعيث فسادا في عديد من عواصم العالم، تجسسا وتزويرا إلى آخر القائمة الطويلة من الفضائح التي انفجرت في غير نيوزيلاندا أيضا.. في لارنكا والكونغو كنشاسا وسويسرا وكندا.. وغيرها من الفضائح التي زكمت الأنوف في عقد التسعينات من القرن الماضي، مبلورة رسالة إلى كل من يعنيه أمر السلامة العامة للعلاقات بين الدول، مفادها أن "إسرائيل" كيان غير معني بحرمة أي بلد، وأي إنسان.

وليس بغائب عن الذهن عمليات القصف بالطائرات لمدرسة "بحر البقر" في مصر، ومدرسة "داعل" و"المزيريب" في سورية في أواخر الستينات وأوائل السبعينيات ، بهدف كسر إرادة الصمود، وتدمير الروح القتالية التي أثبتت أنها لم تتبخر في حرب حزيران 1967، حين ظل جرس الهاتف على طاولة "دايان" أكثر صمتا من أبي الهول..

وأظن أن مباني السفارات والبعثات الدبلوماسية الصهيونية ليست من الفولاذ المصفح.

وحتى لو كانت، فإن العبوات الناسفة قد استطاعت أن تمزق الدبابات التي طالما تباهى بها الصهيونيون قبل أن يثبت القساميون أنها أقل هشاشة من بيت العنكبوت حين يجد الجّد.

كما أن المجاهد الذي استطاع أن يصل إلى "أشدود" و"بير السبع"، يستطيع أيضا أن يمارس الصيد الحر في شوارع العالم .

ليس كصيد الكلاب التي خرجت بليل..