حول ما جرى في سجن جويدة
بقلم :ياسر
الزعاترة
ما جرى حتى الآن
بالنسبة لواقعة التعذيب في سجن جويدة يعد معقولاً إلى حد ما، لا لشيء إلا لأن
الحادثة كان يمكن أن تمر من دون أدنى ضجيج لولا تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان
الذي كسب هو الآخر من تسليطه الضوء على الواقعة.
كان من الطبيعي أن
تحاول الدوائر الحكومية التقليل من شأن ما جرى في البداية، لكن قدراً من الاعتراف
بالمشكلة بعد ذلك ومن ثم فتح باب التحقيق يعد أمراً جيداً، ليس لأننا نتوقع نتيجة
منصفة بالكامل، بفرض أن الإنصاف سيعيد للقتيل روحه وللمصابين حقوقهم وكرامتهم، بل
لما ينطوي عليه ذلك من دفاع عن الآخرين، أكانوا ممن يتواجدون حالياً في السجون أم
ممن يمكن أن يمروا بها لاحقاً لسبب أو لآخر.
لكن الأهم من ذلك كله
في نظرنا هو ما يمكن أن تحدثه قضايا من هذا النوع من تأثيرات على صعيد الوعي
الجمعي بمسألة الحقوق وكرامة الإنسان في بلادنا، ذلك أن من العبث القول إن ما جرى
في سجن جويدة كان حدثاً فريداً، أكان في السجون أم مراكز التوقيف المختلفة هنا
وهناك، لكن أحداً لم يكن ليجرؤ على فتح الملف، وتحديداً المواطن صاحب القضية، سيما
إذا كان من الناس الغلابى الذين لا يجدون سنداً من أحد، والذين غالباً ما يردد
لسان حالهم، بل ومقالهم أيضاً تلك المقولة المعروفة «اللي غريمه القاضي لمين يشكي».
من المؤكد أن ما جرى
سيكون له ما بعده إذا ثبت أن التحقيق في حيثياته سيكون جدياً، بل إن تكرار الشكاوى
سيزيد في جرأة المواطن على المطالبة بحقه والشعور بالقوة في مواجهة المواقف
المشابهة. ولا شك أن تلك قضية على درجة كبيرة من الأهمية، وهي جزء لا يتجزأ من
تعزيز مشاعر الولاء التي لا يمكن أن تتعزز بالمحاضرات والمناشدات وبعض الممارسات
البروتوكولية.
من جانب آخر، فإن ما
جرى قد يكون نوعاً من الاعتراف بأن أي قطاع مهما كان لا يمكن أن يكون منزهاً عن
الأخطاء، أكان سياسياً أم حرفياً أم أمنياً، أم أي قطاع آخر له تعامله مع جمهور
الناس. ولا شك أن من حق أي قطاع أن يحظى بآلية تفرز الصالح منه عن الطالح حتى لا
تصيب أخطاء الأقلية سمعة الأكثرية.
بقي أن نشير إلى أن
ما جرى لا بد أن يفتح الأعين على واقع السجون وما تفرزه من تشوهات في النفس
والمجتمع، أكان من طبيعتها كسجون، أم من بعض آليات إدارتها. ونتذكر هنا تلك
الإفرازات الرهيبة لواقع السجون في الولايات المتحدة وعالم الغاب الذي تتحرك
خلاله، على رغم ما يقال عن تسهيلات كثيرة يحصل عليها المساجين.
من المؤكد أن قضية
كهذه لا بد أن تكون موضع اهتمام الباحثين الاجتماعيين الجادين ممن يمكن أن يدرسوا
ويتعمقوا في واقع السجون والسبل الأفضل لتحويلها إلى مراكز إصلاح حقيقية لا مراكز
لتخريج المزيد من المجرمين المحترفين أو أصحاب العاهات النفسية التي تترك آثارها
الخطيرة على المجتمع.
خلاصة القول هي أن ما
جرى يمكن أن يتحول إلى محطة نحو نمط جديد من التعامل مع قضية حقوق الإنسان عموماً،
حتى لا تتواصل لعبة طرح الشعارات من دون مضمون حقيقي.