اهانة لسورية اولا واخيرا

 

 

 

بقلم :عبد الباري عطوان

 

جريمة اغتيال عز الدين الشيخ خليل احد قيادات حركة المقاومة الاسلامية حماس في قلب العاصمة السورية، اهانة بالغة للحكومة السورية، واختراق كبير لاجهزتها الامنية التي طالما جري اعتبارها الاقوي والاشرس والاكثر يقظة بين اقرانها العربيات.

الحكومة الاسرائيلية تتحرش بسورية وتحاول تصدير ازمتها الداخلية، وفشلها في تحقيق الامن لمستوطنيها الي الخارج، وافتعال معركة مع سورية، وهذا مفهوم ومتوقع، ولكن ما هو غير متوقع وغير مفهوم، هذا الصمت السوري، الذي يصل الي درجة الهوان .

الصمت السوري الرسمي علي الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة علي اهداف سورية سواء في لبنان، او في عين الصاحب قرب دمشق، هو الذي شجع عملاء الموساد الاسرائيلي علي التجرؤ علي سورية، والذهاب خطوة ابعد، تتمثل في استخدام السيارات المفخخة بهذه الطريقة الخطيرة.

ندرك جيدا ان ميزان القوي ليس في صالح سورية، ويميل كثيرا لصالح اسرائيل، مثلما ندرك ان الموقف العربي في حال من الانهيار، ولكن هذا لا يعني الاستمرار في تلقي اللطمات الاسرائيلية بهذه الطريقة المخجلة، وادارة الخد الايسر في كل مرة يتعرض فيها الخد الايمن للطم.

سياسة ضبط النفس لم تؤد حتي الان الا الي المزيد من الاهانات لسورية علي يد اسرائيل وامريــكا، بل وبعض القوي الاقليمية المحتمية بهما، الامر الذي يتطلب مراجعة شاملة ومعمقة لمثل هذه السياسة، لانه ثبت حتي الان فشلها، فحصانة العاصمة السورية انهارت بالكامل وبشكل مخجل، والامن السوري اصيب في مقتل، ولم يعد مضرب المثل في الدقة والوطنية والدفاع عن ارض الوطن وكرامته.

حركة حماس لا تنفذ عمليات عسكرية انطلاقا من دمشق، ولا تملك قواعد تدريب عسكري لكوادرها في احيائها، ولم تنفذ اي هجوم عبر الحدود السورية او اللبنانية ضد المستوطنات الاسرائيلية، ليس لانها لا تريد، وانما لانه غير مسموح لها بذلك من قبل الحكومة السورية.

الحسابات السورية الدقيقة لم تعد دقيقة، وسياسة مسك العصا من الوسط لم تعد مجدية، بل اصبحت تؤدي الي نتائج عكسية تماما. والقول بان الحفاظ علي سورية بات هدفا استراتيجيا بعد استيعاب درس العراق، هذا القول بات غير منطقي، خاصة بعد ان اثبتت المقاومة العراقية كفاءتها وقوتها، وورطت الحكومة الامريكية في حرب استنزاف انهكتها ماليا وبشريا.

ان ما حمي سورية من الغزو الامريكي ليس سياسة ضبط النفس، وابتلاع الاهانات الاسرائيلية والامريكية، وانما المقاومة العراقية الباسلة والبطولية في العراق، فلولا هذه المقاومة لكانت السفارة الامريكية، وبعض عملائها هم الذين يحتلون قصر المهاجرين، ويحكمون سورية.

كنا نتمني لو ان الاعلان عن هذه الجريمة الاسرائيلية الارهابية التي وقعت في قلب عاصمة الامويين قد صدر اولا من سورية، وليس من تل ابيب، وكنا نأمل لو ان مسؤولا سوريا قد عقد مؤتمرا صحافيا ورد علي هذه الاهانة بالطريقة التي تعكس مكانة سورية وتجربتها التاريخية والحضارية، وطبيعة شعبها في مقاومة القوي الاستعمارية، ولكن هذا لم يحدث للأسف، وجري تسريب النبأ علي استحياء شديد وعبر الوكالة الرسمية، وبعد ست ساعات من وقوع الجريمة.

حماس هددت بالانتقام، وهي قطعا ستنتقم، والمسألة مسألة وقت وتوقيت، وانتقامها لن يكون لشهدائها فقط، وانما لكرامة سورية والعرب جميعا الذين اهينوا من جراء هذه الجريمة.

اسرائيل نقلت المعركة الي الخارج، ومارست الارهاب خارج حدود اللعبة، وهي بذلك تلعب بالنار، لانها ستكون الخاسر الاكبر اذا ما قررت قيادة حماس، والفصائل الفلسطينية الاخري التخلي عن ضبط النفس، ومهاجمة اهداف اسرائيلية في اوروبا وامريكا وافريقيا وآسيا وكل بقاع العالم.

فعندما كانت الاهداف الاسرائيلية هدفا لعمليات المقاومة في الخارج، تحولت شوارع اوروبا ومطاراتها الي حمامات للدماء، وربما يفيد التذكير بان من كانوا يقومون بتنفيذ هذه العمليات لم يتبنوا اسلوب الاحزمة الناسفة، وكانت هجماتهم بدائية بالمقارنة مع هجمات الاصوليين الاسلاميين.

الفصائل الفلسطينية توقفت عن مهاجمة الاهداف الاسرائيلية في الخارج، وفي اوروبا بالذات، لانها كانت تريد ان تنفي عن نفسها صفة الارهاب، وتبحث عن اعتراف دولي، ولكن حماس الان متهمة بالارهاب، وموضوعة علي اللوائح السوداء، وربما لن تخسر كثيرا اذا ما نقلت المعركة الي الخارج. فاسرائيل اعفتها من هذا الحرج عندما كانت هي البادئة بالخروج عن قواعد اللعبة باغتيال احد قيادييها في دمشق، والعديد من قيادييها في الداخل، ومواصلة نسف البيوت وقتل الابرياء بالآلاف في فلسطين المحتلة دون ان يتحرك احد في اوروبا وامريكا لوضع حد لارهاب الدولة هذا.

اوروبا ستكون اول الخاسرين اذا ما نفذت حماس تهديدها بنقل المعركة الي الخارج، لانها ستكون مسرحا للهجمات، مثلما كان عليه الحال في السبعينات. وهي مهدت لهذا التطور الخطير بخضوعها للضغوط الاسرائيلية والامريكية ووضع حماس علي قائمة الارهاب، دون ان تمارس عملية فدائية واحدة خارج حدود فلسطين.

علينا ان نتصور لو انشقت حركة حماس وتمرد الجناح العسكري فيها علي قيادتها السياسية، وقرر ان ينتقم بمهاجمة السفارات والطائرات الاسرائيلية في الخارج، فهل يستطيع العالم ان يتحمل هجمات القاعدة و حماس في الوقت نفسه؟

اسرائيل تهدد امن العالم واستقراره، وهي التي تهيء الارضية الصالحة للعنف والارهاب، وقتل الابرياء، فهي الخطر الحقيقي الذي يجب ان يتصدي العالم له ولارهابه، انها اخطر من القاعدة وعندما قال اكثر من ستين في المئة من الاوروبيين بأنها كذلك في استفتاء اجراه الاتحاد الاوروبي، فان علي قادة اوروبا ان يتحركوا ويتصدوا لهذا الخطر ليس دفاعا عن الفلسطينيين والعرب، وانما دفاعا عن مواطنيهم، وامن بلادهم.