هل انسدت آفاق العمل المقاوم؟

 

 

بقلم :د.ابراهيم علوش

 

مسكينٌ رئيس الأركان «الإسرائيلي» موشيه يعلون! فقد تبجح في مقابلة نشرتها معه «يديعوت احرونوت» يوم 16/9/2004 بأن «حقيقة صد الإرهاب»، أي زعم تمكن «إسرائيل» من إحباط العمل العسكري الفلسطيني، أدت إلى «نقاش داخلي فلسطيني حول الطريق الذي يتوجب سلكه». فهو يظن، مثل بعض العرب، أن الآفاق انسدت نهائياً أمام العمل العسكري، وأن الوقت حان، بالتالي، لترهات «النضال السلمي».

 

يظهر التساوق جلياً هنا بين السببية الهشة في فرضية يعلون عن «إحباط العمل المسلح» وبروز الخيار السلمي، ومجموعة الطروحات المشبوهة بالاتجاه نفسه في الصحافة العربية والفلسطينية... وذلك أن المتضررة مصالحُهم ومواقعُهم من نبوغ المقاومة المسلحة لا ينحصرون باليهود في فلسطين فحسب، أو بالطرف الأمريكي-الصهيوني!

 

وفي يوم 22/9/ 2004، أي بعد أقل من أسبوع من تفوه يعلون بخرافاته، تألقت زينب أبو سالم من كتائب شهداء الأقصى في لوحة استشهادية في بيت المقدس، فأخذت معها حفنة من حرس الحدود الصهيوني رغماً عنهم لملاقاة رب المعمورة. وكانت زينب البطلة من مخيم عسكر قرب نابلس الشابة الفلسطينية العاشرة التي تنطلق في عملية استشهادية منذ رأس السنة العبرية 5765، الموافق في 16/9/2004، أما التسعة الأخريات فقد القي القبض عليهن. والدرس هنا: قد نتعثر، ولكن في النهاية نصل. وأيضاً: مصممون على التحرير، المرأة قبل الرجل.

 

وفي فجر يوم 23/ 9/ 2004، نفذ ثلاثة مقاتلين عملية جريئة تحت عباءة الضباب في مغتصبة «موراج» في قطاع غزة استشهد اثنان منهم خلالها وثالثهم بعدها، ولكنهم اخذوا معهم حفنة من الغزاة الصهاينة رغماً عنهم لملاقاة رب المعمورة، وكان الثلاثة من ثلاثة أطياف سياسية مختلفة: الجهاد الإسلامي، ولجان المقاومة الشعبية، وكتائب الشهيد أبو الريش التابعة لحركة فتح. والدرس هنا: الوحدة الوطنية تكون في ميادين القتال، المفتوحة دائماً لمن يحب الوطن.

 

وفي الساحة الفلسطينية بالمناسبة تنظيماتٌ كثيرة، ولكن تميز فيها ثلاثة تيارات سياسية واضحة المعالم: 1) تيار المقاومة، تيار الأغلبية دون منازع، وهو تيار القسام وسرايا القدس والأقصى والعودة وأبو علي مصطفى وكل المتمسكين بعروبة فلسطين والعمل المسلح، 2) تيار القوى والشخصيات التي تبوأت مواقعها بعد أوسلو، وهو تيار التنسيق الأمني مع العدو والتفريط والفساد و«الواقعية»، و3) تيار صغير يتأرجح بينهما، وهو تيار غير متمازج فيه بعض كوادر وبقايا التشكيلات «اليسارية» ونخب التمويل الأجنبي ودعاة «الإصلاح» على النمط الأمريكي، ومنه تصدر، أكثر ما تصدر، دعوات «المقاومة السلمية» و«مقاطعة إسرائيل» بالتعاون مع «اليهود التقدميين»!

 

المهم، تمكن التيار المقاوم يوم 24/ 9/ 2004 من اصطياد مستعمِرة في مغتصبة «نيفي ديكاليم» بقذيفة هاون في جنوب القطاع، فذهبت على الرغم من انفها لملاقاة رب المعمورة، وما زالت سحب القذائف والصواريخ القسامية والجهادية وغيرها تصب صباً على رأس المستعمرين. والدرس هنا: لا تقولوا إنكم تخرجون طوعاً من غزة، واسمه تحريرٌ ولو عزيتم أنفسكم بالأماني.

 

ولولا عملية بئر السبع البطولية المزدوجة في أول أيلول التي نفذها أبطال القسام، والتي ذهب فيها حوالي ستة عشر مستعمِراً رغماً عن أنفهم لملاقاة رب المعمورة، لفهمنا كيف يشطح موشيه يعلون أن المقاومة المسلحة وصلت إلى أفقٍ مسدود، وأن الفلسطينيين يبحثون عن بدائل. ولكنها أضغاث أحلامٍ من الطبيعي أن يروجوا لها، والعيب على من يصدقها.

 

بل حمل العدو رسمياً قيادة حماس في الخارج وسوريا مسؤولية تلك العملية، وفي 22/9/2004 نقلت صحف عربية عن مصادر ديبلوماسية أوروبية في بيروت أن الصهاينة يعتزمون تصفية قيادات فلسطينية في لبنان وسوريا رداً على عملية بئر السبع. وفي 26/9/2004 اغتال الصهاينة عز الدين الشيخ خليل، أحد قيادات حماس في دمشق، وهو ما يمثل رسالة سياسية للقيادة السورية لا تنفصل عن التطورات الإقليمية في لبنان والعراق. وكان الصهاينة قد لوحوا بعمليات في سوريا من قبل، ولكن عملية اغتيال الشهيد عز الدين الشيخ خليل تقدم أيضاً دليلاً على تصاعد المقاومة وخطورتها على العدو، وتمدد خيوطها باتجاه الخارج. وإذا كانت ادعاءات العدو صحيحة عن ضلوع مراكز إقليمية في العمليات بالداخل، فإن ذلك يعني أن أزمته الأمنية أعقد، لا أن المقاومة في خفوت.

 

وها هو شهيدٌ جديدٌ يلتحق بالقافلة ليصبح زاداً لمسيرة التحرير... ولكن المقاومة تستمر.