في الطريق إلى وعي المستقبل

 

 

 

بقلم :جمال سلطان

                    

جمعتني بهم جلسة ود وحوار فكري لا يخلو من مجاملة كما لم يخل من صرامة، هم بعض الشباب الإسلامي لهم تصور سياسي للدور المستقبلي للحركة الإسلاميّة في عالم اليوم، الحوار في مبتدئه ومنتهاه كان متمحورًا حول قضية الخلافة، حيث تشغل هذه القضية المساحة الأوسع من هموم وخيالات هذا الفريق من الشباب، شاركتهم الشوق النفسي والفكري للخلافة وأيام عزّها وعزّ الإسلام والمسلمين ومجدهم، ولكني طرحت عليهم بعضًا من التساؤلات المستجدة حول المسألة، فما هي صيغة الخلافة الإسلاميّة التي يبحثون عنها في عالم اليوم؟ وما هي الطريقة الشرعيّة والعمليّة لتنصيب الخليفة؟ وكيف نجمع الدول والإمارات والممالك على قلب رجل واحد؟ ثم هل الخلافة ستصبح رجلاً واحدًا أم مؤسسة؟ وكيف يمكن أن ندير الخلاف السياسي أو المعارضة السياسيّة داخل دولة الخلافة؟ وما هي الضمانات المؤسسيّة التي تحمي استقلاليّة القضاء وكذلك المؤسسات الرقابيّة كالبرلمانات بصيغتها المعاصرة وهي التي تمثل ـ أساسًا ـ رقابة الأمة على السلطة التنفيذيّة، بحيث نضمن محاصرة الفساد وضمان الحقوق والإدارة الصالحة؟ ثم كيف نحقق تداول السلطة في دولة الخلافة بصورة آمنة وسلمية؟ ثم ما هي الصيغة العصريّة لأهل الحل والعقد؟ ومن يختارهم؟ ثم ما هو الدور السياسي لدولة الخلافة في العلاقات الدولية اليوم؟ وأسئلة كثيرة من هذه الشاكلة لم أعد أذكرها، وقد لاحظت أنّ أصحاب الجلسة لا تكتمل في أذهانهم صورة واضحة عن هذه التساؤلات، بل إنّهم خلال الجلسة انقسموا إلى ثلاثة أقسام تقريبًا في تنوع وجهات النظر في الجواب على التساؤلات، ورغم تقديري لإخلاصهم الشديد لذكرى الخلافة وحماسهم لعودة المجد السياسيّ للأمة المسلمة، إلا أني خرجت من الحوار بانطباع حزين على تشوش صورة المستقبل وغياب "ميناء الوصول" كما قلت في المقدمة السابقة.

على الجانب المقابل لما سبق كان الأمر مذهلاً لي عندما أطلعني بعض الأصدقاء على جدل وخلاف إسلامي / إسلامي حول قضيّة ما يسمى "فقه الواقع" وهو تعبير لطيف قصد منه أصحابه التعبير عن أهميّة رصد الواقع المعاصر ودراسته ومتابعة تطوراته لكي يمكن التعامل معه بكفاءة وفاعليّة، وهو خطاب بديهي، وإذا ذكر في جلسة أو محاضرة فإنّ السامع لا يتوقّف أمامه كثيرًا ولا قليلاً لأنّه تحصيل حاصل، بيد أنّ الأمر عند الإسلاميّين لم يكن كذلك بل كان "مقصلة فكريّة" كُتبت فيها مقالات، وظهرت فيها أشرطة تسجيل، ودُوّنت فيها كتب بكاملها معظمها لكي ينفي هذا "الابتداع" الجديد المسمى "فقه الواقع"، والتحذير من هذه الفتنة التي ستحول الشباب من قراءة كتاب الله، وسنّة نبيّه الكريم إلى قراءة الصحف والاستماع إلى الإذاعات. لم أكن أصدق هذا الذي عُرض عليّ ثم تابعته بذهول بعد ذلك لمراقبة الخريطة الفكريّة للحالة الإسلاميّة، وأيقنت وقتها أنّ "الفراغ" والترف الفكريّ، والدعويّ، وغياب الإحساس بالمسؤوليّة، وفقدان أي صورة للمستقبل فضلاً عن العمل له هو المسؤول الأساس عن هذا الجدل العقيم والعجيب.

وفي مشروعات العمل الإسلامي لاحظت أن الإسلاميين يميلون عادة إلى "المُطْلقات" في تصوّر العمل، فكل سلوك دعوي أو سياسي أو جهادي فهو منتظم عند هذا الفريق أو خصومه في " تصوّرات ذهنيّة مُطْلقة " ومعزولة عن الواقع، ولا تمثّل خصوصيّة الزمان والمكان أية قيمة في معادلات الرؤية، فعلى سبيل المثال إذا طرحت قضية المشاركة في العمل السياسيّ والبرلمان مثلاً، في البلاد التي تجيز هذا النوع من النشاط السياسيّ تجد هناك من يحرم المشاركة في البرلمانات والانتخابات والأحزاب والعمل السياسيّ، وإذا سألت عن هذه الحرمة في أي بلد أو واقع أو بيئة أو زمان لا تجد أية إجابة، هي باطل بإطلاق وحرام بشكل عام، ثم هي بلا قيمة أو طائل أو معنى، ورغم أن هذه المعاني الأخيرة متصلة بدراسة الواقع السياسي للمنطقة التي تحكم عليها إلا أن شيئًا من هذه الدراسات والتأملات غير مطروح بالمرة، وتعجب أن دولاً كبيرة مثل بريطانيا أو الولايات المتحدة أو غيرها إذا أرادت أن تتخذ موقفًا سياسيًا أو إنسانيًا أو غير ذلك، تشكل لجانًا لدراسة الحالة، وتلجأ لمراكز أبحاث متخصّصة وضخمة، وتبعث مبعوثين لاستطلاع واستكمال جوانب أخرى، هذا بالإضافة إلى مؤسساتها الرسميّة المعنيّة مباشرة بالموضوع وغير ذلك من الجهود، ثم تتخذ موقفها بعد ذلك على ضوء هذا الجهد العلميّ والتحليليّ والواقعيّ، بينما نحن هنا نستطيع أن نصدر "الفتوى" التي تخصّ واقع المسلمين في منطقة ما من أفريقيا أو آسيا دون أن يدري مَنْ أصدرها حتى مكان وجود هؤلاء البشر على الخريطة الجغرافيّة أصلاً ! ومثال آخر على هذه الحالة فيمن ينزع إلى مشروعيّة الدفاع بالسلاح في قضايا الأمة، ومن يمنع من ذلك، فالذي يبيح والذي يمنع كلاهما يعطي لك قواعد مطلقة يستوي فيها الواقع في فلسطين المحتلة بالواقع في القاهرة مثلاً، أو تستوي فيها (جروزني) بالدار البيضاء، دون أن تكون هناك أية خصوصيّات شرعيّة وواقعيّة وتاريخيّة وسياسيّة تميّز الحكم الشرعيّ المناسب هنا أو هناك، أبدًا، فالحكم واحد ومطلق، وقد وصل الحال ببعضهم إلى تحريم الجهاد في فلسطين المحتلة؛ لأنه لم ينتصب من خلال إمام مطاع !

التشتت في صورة المستقبل ومسارات العمل لدى الإسلاميين لا يتوقف عند التصورات النظريّة أو القواعد والمنهج، وإنما السلوك السياسيّ والدعويّ أيضًا فيه العجائب، فالواحد منا يندهش من خصوبة أحاديث الإسلاميين عن الاستعمار أو الاستكبار الأمريكيّ والمخططات الغربيّة ضد الإسلام والعالم الإسلامي ونهب ثروات الشعوب، ونحو ذلك من خطاب شائع في أدبياتنا، ثم تُفاجَأ ببعض أصحاب هذا الخطاب وهم يمتطون ظهور الدبابات الأمريكيّة وهي تغزو أوطانهم وبلاد المسلمين، مثلما حدث في أفغانستان، ومثلما حدث في العراق، ويبيح له ضميره الدينيّ أو الإنسانيّ أن يكون جزءًا من " جيش الغزو " أو شريكًا في "حكومة الاحتلال"، والأمر لا تتوقف كارثـيّـته عند من يقومون بهذه الأخطاء التاريخيّة فقط، وإنما الذي يوجع قلبك أن يسكت عن ذلك حلفاؤهم وإخوانهم في العالم كله، ويتحرجون من انتقاد هذا السلوك علانية؛ لأن روح الحزبيّة البغيضة أصبحت أعلى من المبادئ التي نتربّى عليها، ونربّ أن أقول: وأهم من مصالح الأمة ذاتها وأمنها القوميّ. ي عليها الأجيال، ومصالح الحزب أو الجماعة تصبح أهم من الموقف الأخلاقي، وأخشى

على نفس الوتيرة السابقة هناك المعاناة الكبيرة التي عانتها الحركات الإسلاميّة من الحكومات العسكريّة وبطشها وجبروتها وغياب الحريات في النظم التي تخضع لها وشيوع انتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع وبشع، ومن ثم كان من أدبيّات الحركة الإسلاميّة انتقاد النظم العسكريّة، والمطالبة بالحريّة والحكومات الدستورية ونحو ذلك، ولكنّك تُفاجَأ بعد ذلك بقطاعات من الحركة الإسلاميّة في مفاصل تاريخيّة معينة تتحالف مع النظم العسكريّة الفاسدة، وتدعمها وتؤيدها وتبارك انقلابها على الحرية وعلى كرامة الشعوب، بل تعجب أن يعلن بعض الحركات الإسلامية دعمه للعسكر وآلة البطش والجبروت التي يعملونها في رقاب الناس وكرامتهم، أقول: تعلن بعض الحركات الإسلاميّة عن دعمهم في ذلك ضد خصومهم من الإسلاميين الآخرين، مباركين التنكيل بالشباب الإسلاميّ، ومباركين خطوات العسكر في حرمان الإسلاميين " الآخرين " من أي دور سياسيّ أو دعوي، وهذه المأساة عشتها أنا بنفسي من خلال حوارات قمت بها مع قيادات إسلاميّة وسمعت منهم بنفسي ما يقشعرّ منه البدن، كما أن المواقف العلنيّة هي أشهر من أن نذكر للقارئ أسماء أصحابها، خاصة ونحن نتحدث عن " الفكرة " وعن المستقبل، ولا نقصد أبدًا هذا الطرف أو ذاك بالنقد، فكلنا في الهمّ سواء.

تجارب أخرى للعمل السياسيّ والدعويّ الإسلاميّ بدأت بالعمل الدعويّ والتربويّ والتثقيفيّ ثم تحوّلت ـ حسب الريح والحالة النفسيّة ـ إلى المزاج العنيف، ثم تأسست لها مناهج تبيح قتال الحكومات وتصفها بأنها " طائفة ممتنعة عن الشرائع " ثم سالت الدماء، ووقعت المعارك، وتمزقت أسر، وضاعت أعمار أجيال خلف السجون، ودخل العمل الإسلاميّ في محنة كبيرة وليل طويل، ثم بعد ذلك عاد أصحاب التجربة إلى التأكيد على أن مشروعهم الحقيقيّ هو الدعوة والتربية والتثقيف، وأن أفكار العنف والغلوّ والقتال ونحو ذلك كانت خطأ واندفاعًا غير مؤسس على علم حقيقيّ، ثم ظهرت كتابات جديدة اعتبرها البعض تزيدًا في المراجعة؛ لأنها تمثل دفاعًا عن الأحزاب الحاكمة بدون أي مسوّغ شرعيّ ولا سياسيّ، والمراجعة في حد ذاتها شيء طيب، وأمانة من أصحابها مع أنفسهم وواقعهم، ولكنّ الشاهد أن هذه التجربة التي امتدت قرابة العشرين عامًا، خلّفت آلاف القتلى وآلاف الجرحى، وعشرات آلاف المغيبين في ظلمات السجون والمعتقلات، ودمار اجتماعيّ وأخلاقيّ واسع النطاق، ثم عدنا بعد كل هذه التضحيات والكوارث لنبدأ من نقطة الصفر، ومع الأسف حتى مع البدايات الجديدة يصعب أن تجد أي معلم يدلك على رؤية المستقبل الجديد، وإن كنت أرجو من الله تعالى أن يوفق هؤلاء الإخوة في تدارك هذا الأمر، والتأمل في المستقبل بنفس القدر الذي بذلوه في مراجعة الماضي.

أيضًا يمكننا أن نرصد تجربة الهجرة التي قام بها بعض الشباب الإسلامي قسرًا، حيث كانت موجات اللّجوء إلى الغرب، وأصبح هناك وجود كبير ومهم للشباب الإسلاميّ، وكان من الممكن أن يتحول هذا الوجود إلى بوابة أو جسر إنسانيّ وسياسيّ ودعويّ رائع بين القوى الفاعلة في المجتمع الغربيّ وبين طموح الإحياء الإسلامي في العالم الإسلامي، خاصة وأن المجتمع الغربيّ معقد ومركب وفيه بالفعل تيارات متناقضة وكثير منها متعاطف أو مستعد إنسانيًا وأخلاقيًا للتعاطف مع قضايا العرب والمسلمين، ولكن الذي حدث هو أن من خرجوا إلى " الأجواء المفتوحة " في الغرب تعاملوا هناك بعقليّة التنظيمات السريّة في العالم العربي، حتى الخطاب الإعلامي هناك كان أشبه بالمنشورات السريّة في العالم العربيّ وخطابها المتشنج والسطحيّ والفج، كما أن هناك نماذج رأت أن دورها يمكن أن يكون " سينمائيًا " من خلال هوس الفضائيّات، وهوس الإعلام الغربيّ بكل ما هو غريب ومثير بين الإسلاميين، وهؤلاء أساؤوا كثيرًا إلى الحالة الإسلاميّة، وأهدروا طاقات ضخمة كان بالإمكان استثمارها لصالح العالم الإسلاميّ وقضاياه وفي القلب منها الطموحات المشروعة للحركات الإسلاميّة، ضاع كل ذلك هباء؛ لأن صورة المستقبل لم تكن حاضرة أبدًا، والعمل للمستقبل بالتالي لم يكن حاضرًا في ضمير وهمة هؤلاء، وتحوّلت الأمور إلى شغل وقت والبحث عن حضور إعلاميّ مؤقت، ومزّيف.

عندما شرعت في كتابة هذه الملاحظات وضعت إلى جواري ورقة فيها الكثير من النقاط، ولو رحت أستقصيها لطال الكلام بما لا يناسب ولا نحتاج إليه، ولذلك حسبي ما قدمت من إشارات، أعلم أنها قد تسبّب ضيقًا لبعض إخواني، أو غضبًا لدى آخرين، وأنا لا يحزنني أبدًا ردّات الفعل الغاضبة، فكلنا بشر، ولكن يحزنني أكثر أن تضيع الفكرة في ثورات الغضب، وتغيب الفائدة من خبرات تاريخنا المعاصر، فكل أملي أن تصل هذه الكلمات إلى هؤلاء الذين يغلب عقلهم على عاطفتهم، وأولئك الذين يبحثون بجد وأمانة وإحساسٍ عالٍ بالمسؤوليّة عن مستقبل أكثر رشدًا وفاعليّة وإثمارًا للعمل الإسلامي.