نبل المقاومة العراقية ودناءة الأعداء والعملاء
بقلم : محمد
زيدان
لقد أظهرت الأيام
وضروب العدوان المتتالية على العراق ما يتمتع به شعبنا العراقي من نبل وشهامة
وأخلاق عالية، وما يتصف به الأعداء والعملاء والطامعون من خسة ودناءة. وهذا طبيعي في
منطقة عريقة في تاريخها المجيد على مر العصور، ومهدا لأعظم الحضارات؛ فلقد تبين أن
القيادة العراقية الوطنية كانت صادقة في تعاملها مع المجتمع الدولي وملتزمة
بالمواثيق والأعراف الدولية رغم جورها على عكس ما يتصف به الأعداء وعملاؤهم في
المنطقة العربية من خبث ودناءة وسوء نية وسقوط أخلاقي. و أثبتت المقاومة العراقية
في كل الحالات الالتزام بقيم أمتها الخالدة وأصبحت تمثلها في أرقى وأنقى صورها،
وباءت كل محاولات الأعداء وفلول العملاء بالفشل، ولم تستطع النيل من نبل وشهامة
أبطال المقاومة. وحاولت قوى الردة والعمالة والخيانة في الوطن العربي من خلال
ترسانتها الإعلامية البائسة التعتيم على اقتدار مجاهدينا في المقاومة العراقية
ونبلهم وشرفهم وعظمتهم الأسطورية في تصديهم لقوى الظلم والطغيان وأتباعهم من قوى
الانحطاط والسقوط والخيانة.
ومن باب التذكير فإن
مجاهدي المقاومة أطلقوا سراح الكثير من العمال الأجانب المغرر بهم في نقل المؤونة
لجنود الاحتلال، مع أن مثل هذا العمل الإجرامي هو ارتزاق و مشاركة إجرامية في
العمل العسكري لإيذاء شعبنا في العراق، وليس، كما يزعمون، إعمار للعراق. إن سواعد
أبناء شعبنا العراقي المخلصين لوطنهم قادرة على إعادة بناء ما دمرته آلة الإجرام
بوتائر قياسية ووفق معايير الجودة والإتقان. أما طوابير الطامعين والمغتصبين من
مصاصي الدماء فهمهم الوحيد هو النهب والسلب وليس الإعمار كما يزعمون.
و أهم ما يشد
الانتباه هو تمادي الأعداء في ارتكاب الجرائم البشعة ضد المدنيين بشتى الطرق سواء
ما ظهر منها كما حدث في سجن أبي غريب وغير أبي غريب، وما خفي أكبر بكثير، ولقد
أشار الأمريكان إلى الحرب الخفية التي يشنونها ويقصدون بها الجرائم التي يقترفونها
ضد الإنسانية تحت جنح الظلام سواء في العراق أو أفغانستان وفي مناطق أخرى بحجة
محاربة الإرهاب.
ومن بين ما أدانه
شرفاء العالم وقتها ما تعرضت له الذاكرة العراقية والعربية من تدمير مبرمج؛ فنهبت
الآثار وأحرقت المخطوطات العربية والإسلامية، ولا يشبه هذه الظاهرة في التاريخ سوى
ما أحدثه المغول من تخريب ودمار لكل ما يمت للحضارة بصلة في بغداد عاصمة الخلافة
الإسلامية؛ لكن والحق يقال، ما يميز المغول عن هؤلاء المجرمين أنهم كانوا بدوا
متوحشين لا يعرفون قيمة ما دمروه، ولهذا فعلوا ما فعلوه عن جهل والدليل أنهم
اعتنقوا الإسلام وقيمه السمحة وكفروا عن ذنوبهم من خلال ما قدموه من خدمات جليلة
للحضارة العربية والإسلامية. وهذا ما لا يفعله همج العصر والضمير المدنس لأنهم
ارتكبوا جرائمهم عن وعي وسبق إصرار، وفي عصر يقولون عنه أنه عصر العولمة وحقوق
الإنسان وحرية المرأة وغيرها من مزاعمهم التي لا تنتهي. ومن الغباء أن نظن أن ذالك
لم يحضر له في الخفاء ولم يكن مبرمجا له من زمان لتحقيق غايات معينة ولعل أهمها
قمع كل إرادة في التقدم والرقي واستعادة مجد الأمة. ولا نستغرب أن يشارك خبراء
علوم النفس والاجتماع والإناسة وغيرها لإحداث حالة من الفوضى المقصودة والتحكم
فيها في الاتجاه الذي يخدم مصالح المحتل الاستراتيجية. ولتوضيح الأساليب التي
يستعملها الأعداء نذكر تجربة مشهورة في علم النفس الاجتماعي أجريت في الحرب
العالمية الثانية على الشعب الأمريكي لتغيير عاداته الغذائية والاستفادة من أحشاء
المواشي لأنه لم يكن من عادتهم أكلها في أمريكا. إذ فتح الخبراء مطعما في شارع
مشهور لتحضير وجبات من أحشاء المواشي مثل الأمعاء والمعدة والقلب، وكلفوا أشخاصا
للتظاهر بالتدافع للفوز بالوجبات الشهية. وتذكرنا هذه التجربة بجريمة الفوضى
المدبرة في العراق أثناء الغزو لكنها لغرض شرير، فلقد قال حينها شهود عيان في
الموصل وفي بغداد وغيرها من مدن العراق أن أشخاصا غرباء قاموا بإحداث الفوضى، ومن
غير المستعد أن يكون بعضهم من كاظمة المغتصبة( الكويت في عرف الأنظمة العربية
الخائنة والمتآمرة) ، ومن دول عربية مجاورة معروفة بولائها للمحتل وانصياعها
لأوامره، ولا نستثني فلول العملاء المحليين الذين جاؤوا على ظهور دبابات المحتل. إن
الخائن عكس المقاوم الشهم لا يؤمن بتراث الأمة ولا بتاريخها ولا يؤمن بمستقبلها
لأن لا مستقبل له، كما تذكرنا هذه التجربة الشهيرة بتشكيل العدو لطوابير من أشخاص
يتظاهرون بالتطوع أمام مقرات ما يسميه العدو بالشرطة العراقية أو بالجيش العراقي
أو الحرس الوطني، التي هي في واقع الأمر ترمز لقمة الخيانة والعمالة في صالح
المشروع الصهيوني الأمريكي المعادي لقيم الأمتين العربية والإسلامية ولكل القيم
الإنسانية النبيلة، ويكتشف المواطن العراقي المعايش لجرائم الاحتلال الكثير من هذه
الألاعيب التي يشارك الإعلام العربي بقسط كبير في الترويج لها وقلب الحقائق وتزييف
الوقائع كفضائية العربية الملتزمة بتوجيهات عملاء المحتل في المنطقة العربية، وإلا
لماذا لا تمييز فيما بين العراقي الشهم أو المدني الآمن والعميل الذي اختار أن
يموت مكان عدو لدود يضمر له الاحتقار، كل الاحتقار؟ ولقد عبرت قوات الاحتلال
البريطنية عن احتقارها للمتدربين لديها من العملاء ، إذ وصفتهم بالجهل والغباء،
وعهدنا تحت حكم الدولة الوطنية ورغم الهموم والمحن أن العراقيين أبعد ما يكونون عن
الجهل والأمية، والدليل على ذلك اعتراف
الأمم المتحدة بما حققوه من انتصار باهر على الأمية. وسوف نشير إلى بعض ما رصدناه
من أساليب إجرامية لتركيع الشعب العراقي.
وكما أشرنا فإن ما
ارتكبه المحتلون من جرائم فظيعة في حق المساجين في مختلف سجون العراق لم يكن عملا
فرديا قامت به هذه المجندة أو تلك أو هذا المجند أو ذاك، فمعلوماتنا عن الدراسات
النفسية خلال الحرب العالمية الثانية تدلنا على أن ما يقوم به المعتدون ليس محض
صدفة وإنما هو عمل إجرامي مبني على أسس علمية ودراسات نفسية وثقافية لتحقيق أهداف
عسكرية. إن جرائم بحجم فضائع أبي غريب لا يكون إلا عملا منظما ومقصودا وهادفا وجاء
بعد بحث وتفكير وتدبير، ولا نستبعد أن يكشف الغطاء يوما عن تلك الدراسات ونتائج
تطبيقاتها الميدانية على أرضنا العربية. إن من استخدم الأسلحة النووية في إبادة
سكان ناغزاكي و هيروشيما في اليابان المتحالف معه حاليا وبعدها الاعتداء بقذائف
اليورانيوم المنضب على شعبنا في العراق لن يتورع عن التمثيل بالمساجين وتطبيق آخر
ما توصلت إليه عبقرية المجرمين عليهم وعلى غيرهم لتحقيق أهداف عسكرية واستراتيجية.
ويجب أن نعترف بان العدو الصهيوني الأمريكي لا يتعامل مع الواقع بطريقة عشوائية
ولكن كل ما يقوم به محسوب مسبقا ويعتمد على نظريات وأساليب علمية سواء كانت رياضية
كنظرية المباريات ونظرية البيانات وغيرها أو كانت نفسية اجتماعية وانثروبولوجية و
إتنولوجية. وإن عدوانا بحجم العدوان على العراق لا يمكن إلا أن تستثمر فيه نتائج
آخر ما وصلت إليه عبقرية الإنسان من أفكار لخدمة الأهداف الشريرة للمشروع الصهيوني
الأمريكي. إن العدو لا يفكر بالطريقة التي يفكر بها النظام العربي الرسمي الذي
يتصور بأنه من الذكاء والشطارة في ظل اختلال التوازن الاستراتيجي تملق المعتدين
والانبطاح لهم ولعق أحذيتهم والتنكيل بشرفاء الأمة لتجنب سخطهم. و في المقابل أثبت
التاريخ أن لدى الأمة مخزونا حضاريا وعبقرية خالدة كانت سباقة إلى إخراج الإنسان
من ظلمات الكهوف إلى نور الحضارة والتمدن، وتثبت المقاومة العربية في فلسطين
والعراق أن أمتنا سوف تخرج البشرية من كهوف الظلم والإجرام الصهيوني الأمريكي الذي
تتخبط فيه إلى فضاء رحب، فالعبقرية العربية في العراق المقرونة بالإيمان والتضحية
هي وحدها القادرة على دحر المعتدين وإبطال مشروعهم. ولهذا فالمواجهة المفتوحة في
العراق هي بين العبقرية العراقية التي توظفها المقاومة العربية في العراق باقتدار
وحنكة والمقرونة بالإيمان العميق والأخلاق العالية من جهة، ومن جهة أخرى قوى شريرة
وطامعة بلا مبادئ ولا أخلا ق توظف آخر ما توصل إليه العلم والتقانة لتحقيق أهدافها
الإجرامية. وأثبتت المقاومة العربية في العراق دقة حساباتها وذكائها وتخطيطها
المحكم ونتمنى لها المزيد من توظيف عبقريتها في إذلال المحتل المتغطرس وإذلال رؤوس
الخيانة والردة سواء في كاظمة أو في غير كاظمة. إن شر المعتدين محسوب ومعقلن،
وجهاد مقاومتنا العربية الباسلة في العراق أدق وأذكى، وأثبت أن عبقريتها حية
متوثبة ومرتبطة بالميدان، بينما يعتمد المحتلون على آخر ما توصلت إليه العبقرية من
آلة دمار عمياء، وشتان بين الحالتين. إن جرائم المحتل ودناءته وحساباته لن تفلح في
النيل من المقاومة، ولا من إرادة وصبر شعبنا العربي المجاهد في أرض الرافدين.
لا غرابة أن تتنوع
أساليب العدو الصهيوني الأمريكي ومكائده المحسوبة، ومن بينها أن يقصف المدنيين
الآمنين من أطفال وشيوخ ونساء ويدمر البيوت على الرؤوس مدعيا كل مرة بأن بداخلها
الزرقاوي وجماعة الزرقاوي، ويكرر هذه المزاعم بكل نذالة وخسة على الفضائيات
العربية والعالمية وكأنه بصدد الترويج لسلعة استهلاكية على شاكلة "كوكاكولا"
و" بيبسي كولا"، وأصبحت دماؤنا، واحسرتاه، تسفك وتسيل بغزارة، في
الفلوجة وسامراء والكوفة وتلعفر وغيرها من أرضنا المغتصبة في العراق وفلسطين، وأمة
عربية لا يتحرك لها ضمير، ويبدو أن ضمائر مشايخها ومثقفيها تصحو بعض الوقت عندما
تأسر المقاومة أحد المرتزقة المتعاونين مع المحتل أو تقتص من أحد المجرمين، أو
يختفي أحد المغامرين. إن المقاومة العراقية شريفة ولا تريد إيذاء أيا كان بما فيهم
الأمريكان ولكنها تدافع عن أرضها ومن حقها أن تمارس حقها في إبادة أرتال المحتلين
والمتعاونين معهم؛ فمجاهدو المقاومة لم يفكروا في مغادرة قرى العراق ومدنه الصامدة
لترويع مدن المحتلين. والعدو لم يستأذن أحدا عندما قرر العدوان على العراق، وهؤلاء
الذين يتباكى عليهم الضمير العربي البائس لم يطلبوا التأشيرة من المقاومة التي
تمثل وبحق الدولة العراقية والسيادة العراقية والشرف العربي، ولقد نبهت هؤلاء
وحذرتهم من مغبة وسوء ما يقدمون عليه، إذا فكروا في دعم قوات الاحتلال، ومن حق
المقاومة أن لا ترحم أحدا منهم بما فيهم العرب المتعاونين مع المحتل، بل من حقها
أن تكون أشد مع العرب قبل غيرهم، لأن المكان الطبيعي للعربي هو الوقوف بجانب أخيه
العربي المقاوم، وليس بجانب المحتل. أما التذرع بالبحث عن لقمة العيش كما يزعم
البعض "فليأكل ويتجرع هؤلاء السم الذي يمزق أحشاءهم ومصارينهم" كما يقال
في المغرب العربي. وأما التظاهر بالتدين والزعم بأن النذل الذي تأسره المقاومة
متدين وله أطفال أبرياء وله عائلة تتعاطف مع المقاومة فلن يجدي نفعا لأن مثل هذه
المسرحيات الغبية لن تمر على أحد فما بالك بالمقاومة التي نعرف ذكاءها وحنكتها. إن
تحرير هؤلاء الأنذال كما حدث في كل مرة لا يدخل في استراتيجية المقاومة العراقية
فحسب لتضييق الخناق على المعتدين ومرتزقتهم وصنائعهم، وإنما هو قبل كل شيء يعبر
عما تتمتع به من نبل وطهارة وعزة. إنها ترحم حتى المجرم المعتدي سواء كان عربيا أو
غير عربي، بينما يرتكب المحتلون أبشع
الجرائم في وضح النهار وبآخر ما توصلت إليه التكنولوجيا في حق الأطفال والشيوخ
والنساء وبكل خسة ودناءة.
ومن بين ما يلفقه
المحتل من مكائد أن يقصف الدور القريبة من مقرات المتعاونين معه لإيهام العالم أن
المقاومة فعلت ذلك ثم يأتي دور الإعلام الغربي والإعلام العربي العميل ليقوم
بدوره، ومثلها زعمهم بسقوط قذيفة أو صاروخ مجهول المصدر على سوق في حين يعلم الكل
بأن مصدرها قوات الاحتلال لزرع البلبلة وتشويش الأذهان. و نحن متأكدون بأن الكثير
من العبوات الناسفة بل و بعض السيارات المفخخة التي تصيب الأبرياء في الطرقات هي
من تدبير المحتل، فالمقاومة التي عرفت كيف تدمر دبابات العدو المستعصية و تفجر
آلياته لا يمكن أبدا أن ترتكب مثل هذه الأخطاء التي غالبا ما يرتكبها الهواة. بل
إن المحتل قادر على إبادة المتعاونين معه إذا رأى في ذلك نفعا. إن جرائم المحتل
السرية مكشوفة للعيان مهما حاول إخفاءها
ولا ننسى أن نذكر
استهداف المحتل للمشايخ ولدور العبادة كما حدث في الكوفة، بل إن إصابة مرقد الإمام
علي كرم الله وجهه كان مدروسا ومخططا له، وله أهدافه منها ما خفي ومنها ما هو
مكشوف، وضروب المكر والخديعة متعددة لدى المحتل ولا تنتهي، ولهذا إذا لمسنا جرما
يرتكب في العراق فمن ورائه حتما يد المحتل أو عملاؤه من رؤوس الخيانة والغدر.
هذه بعض الأمثلة التي
تعبر عن ممارسة العدو الإجرامية اليومية في حق شعبنا العزيز علينا في العراق، أما
عن الأكاذيب التي يروج لها في المنطقة فلا حصر لها والتي تبرهن على خسته ودناءته
رغم تفوقه التكنولوجي. ومنها ما يروج له الإعلام العربي العميل أن المقاومة
العراقية عبارة عن عرب ينتمون للقاعدة تسللوا إلى العراق للثأر من الأمريكان، أو أنها
عبارة عن مجموعات إسلامية متطرفة كما يزعمون تقوم بأعمال إرهابية، وكأن مقاومة
المحتل عبارة عن تطرف والعمالة له عبارة عن اعتدال، وسواء كان المقاومون إسلاميون
أو غير إسلاميين، فالأسماء لم تعد تهم، فإنهم يجاهدون لتحرير الأرض والأمة من دنس
المحتل. إن الكثير ممن يحملون أسماء براقة تدل على الالتزام بالدين أو الوطن
أصبحوا يمثلون رمزا للخيانة والعمالة والمروق عما يلزمنا به الدين أو الوطنية
ومثال ذلك المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وحزب الدعوة والحزب الإسلامي
العراقي. بينما ظهر للعيان أن ما كان يظهره البعض من تنافر فيما بين القومي العربي
والإسلامي بالمعنى الصحيح أصبح يرمز لحالة جهادية واحدة متطلعة للمستقبل وتكافح من
أجل مستقبل أفضل للعرب والمسلمين. فاتضحت الصورة؛ إذ وجد البعثي في الإسلامي وجهه
الآخر ووجد الإسلامي في البعثي وجهه الآخر، فهما وجهان لعملة واحدة. إن الشعارات
لا معنى لها ما لم يبرهن عليها الميدان.
ومن ضروب المكر
والخديعة الإعلامية أن لا تظهر بيانات المقاومة الرسمية، ويغيب حزب البعث الذي قدم
الكثير من التضحيات على الساحة، ولا يذكر إلا عندما يحاول الأعداء وأبواقهم في
المنطقة الترويج للأكاذيب في حقه وتعمد إخفاء المشروع النهضوي والتحرري الذي عمل
ويعمل من أجله بكل صلابة. وسواء اتفقنا أو اختلفنا معه فإنه يمثل مشروعا نهضويا
متكاملا يلتقي مع الشروع الإسلامي بالمعنى الصحيح، ويمثل معه حالة واحدة كما أثبتت
الأيام. إن تلاقي القومي العربي بالمعنى الصحيح والإسلامي بالمعنى الصحيح
واندماجهما في النضال والمقاومة والبناء والتشييد هو المخرج الوحيد للأمة من
محنتها التي تمر بها، ومن يتصور غير هذا فهو مخطئ أو متآمر. ولكم يزعجنا أن يتحامل بعض من يزعمون انتماءهم
للعروبة على بعض الأشخاص الذين يلتزمون بالإسلام بالمعنى الصحيح أو أن يتحامل بعض
الذين يزعمون انتماءهم للإسلام على شاكلة الحزب الإسلامي وحزب الدعوة على بعض رموز
الأمة من القوميين وقد ينخدع بعض الطيبين بهذه الأكاذيب والأباطيل فيروجونها،
فأتمنى الانتباه. إن العروبي الأصيل يفضل إسلاميا مغاليا، يقطع رأسه أو يذبحه بالسكين
ويجرجره في الساحات العمومية، لا قدر الله، على أن يقبل بمحتل مغتصب لأرضه وشرفه
لأن الإسلامي بالمعنى الصحيح في الوطن العربي ومهما يكن مغاليا يمثل الوجه الآخر
الذي سوف ينجب على الأقل من نسله عروبيين آخرين يتطلعون إلى أمة عربية واحدة
متناغمة مع محيطها الإسلامي أو موحدة معه على أن تحتفظ بلغتها وثقافتها وأمجادها. إن
المقارنة فيما بين النظام الوطني في العراق وما يمر به شعبنا العربي في العراق من
محن في ظل الاحتلال البغيض هو نوع من كيد المعتدين الذي روج له المحتل وعملاؤه منذ
زمان عبر الإعلام العربي العميل وردده البعض عن جهل أو سوء نية أو لأحقاد يكنها
لمسؤولين معينين. من الدين والوطنية وفي مثل هذه الظروف أن يكون الذي كانت بينا
وبينه عداوة وليا حميما، وأخا كريما، أما المتعاون مع المحتل فنحن برآء منه ولا
علاقة له بالعراق ولا بالأمة العربية ولا بالإسلام. ولهذا نتمنى أن يترفع بعض
الإخوة المخلصين عن الترويج لما يريده المحتل. إن قيمنا الإسلامية تمنعنا من ذكر
الناس بالسوء وخاصة إخواننا وإن تصورنا أنهم أساؤوا لنا أو أساؤوا لنا بالفعل، إن
العدو يوظف ما نحمله لبعضنا من أحقاد في خدمة الشروع الصهيوني الأمريكي، إن المرحلة لا تسمح لنا بأن نحمل لبعضنا البعض
الأحقاد والضغائن فالعدو يستثمرها للنيل منا جميعا، فلنحذر ثم نحذر.
ومن بين ضروب المكر
والخداع تقسيم العراقيين إلى سنة وشيعة، وتلاقي المشروعين الصهيوني الأمريكي
والإيراني على ذالك، الطامعين في التوسع على حساب المشروع العربي الطامح إلى وحدة
العرب والمسلمين، والزعم بأن في العراق أغلبية شيعية وأقلية سنية، أو العكس،
واختلاق أوجه الاختلاف بين أبناء الدم الواحد والدين الواحد. فما معنى أن يكون
للشيعة بيتا وللسنة بيتا؟ أليس وراء ما يسمى بالبيت الشيعي مخابرات المحتل
ومخابرات الجار الطامع في إيران. ويلاحظ المتتبع لأحوال شعبنا في العراق أن هناك
أنظمة عربية عميلة في المنطقة عملت وتعمل بإيحاء من المحتل على تشكيل بيت آخر سني.
ليعلم هؤلاء جميعا بأن العراق لا يتسع لأكثر من بيت واحد، وهو بيت المقاومة، ولا
بيت غيره، و يخضع لمرجعية واحدة هي مرجعية المقاومة، وغير ذالك تضليل وبهتان. بأي
حق يقسم شعبنا العربي في العراق إلى سنة وشيعة، و دينهم الإسلام؛ يعبدون الرب
الواحد الأحد ويؤمنون بكتبه ورسله أجمعين ويسري في عروقهم دم عربي واحد ويسكنون في
وطن واحد ليس ككل الأوطان؟ بأي حق تفرض على شعبنا مرجعيات تعيش في عصر الانحطاط
وتتآمر على ديننا وحاضرنا ومستقبلنا مع أقذر وأرذل المجرمين؟ الحق بين والباطل
بين، ولا تنفع المراوغات وضروب الخداع.
إن بعض ضروب مكر
الأعداء تدعو إلى الضحك والسخرية، ومنها ما يسميه عملاء الاحتلال المقاومة
السلمية، ويقصدون بذلك تصيد المناصب واقتناص الفرص على حساب مصلحة شعبنا في العراق
وحريته، و الاكتفاء بتوزيع أكياس الطحين أمام كاميرا العربية أو الجزيرة، هنا وهناك، كما فعل " الحزب الإسلامي في
مدينة تلعفر الصامدة. إن المكر والخديعة لن يمرا أبدا على شعبنا. صحيح عرفت الجزائر خلال ثورة التحرير مقاومة
سلمية، ولكن كل أوجه المقاومة سواء كانت سلمية أو مسلحة كانت من تدبير جبهة
التحرير الوطني، فمن العبث أن نتبنى المقاومة السلمية بمعزل عن المقاومة المسلحة،
فالذي يدير المقاومة المسلحة هو الذي يدير المقاومة السلمية، وبالطريقة التي يراها
لتحقيق الأهداف الاستراتيجية القريبة والبعيدة المدى. ومثال ذالك أن يدعو مجلس
المقاومة في العراق إلى تنظيم إضراب عام وتسيير المظاهرات في كل مدن وقرى العراق
أثناء مسرحية الانتخابات المزمعة لإحباط مناورات العدو التي يصفق لها النظام
العربي المتخاذل والمتآمر، ولا يخجل من الترويج لها بعض المرتبطين بالمشروعين
الإيراني والأمريكي الصهيوني. إن تاريخ الجزائر يثبت بما لا يدع مجالا للشك أهمية
وحدة المقاومة سواء كانت مسلحة أو سلمية لدحر المحتل، فلو كانت المقاومة موحدة
وراء قيادة موحدة لما تمكن العدو الفرنسي من السيطرة على الجزائر لأكثر من قرن
كامل، ولو كانت المقاومة موحدة على مستوى المغرب العربي ككل لكان تاريخ الوطن
العربي مختلفا تماما عما هو عليه الآن. إن
وحدة القيادة هي التي حققت النصر للجزائر في ثورة نوفمبر. وسواء أعجبتنا هذه
القيادة أو تلك فإن المقاومة يجب أن تكون موحدة تحت مظلة واحدة وإن اختلفنا في
الرأي والتفكير. إن أسطورة المقاومة السلمية التي لا تخضع لنفس القيادة التي تقود
المقاومة المسلحة دجل وسفالة وتدخل في جملة ما يدبره المحتل من مكائد لا تنتهي
لتقسيم الصف والإيقاع بأبناء الشعب الواحد.
إن المقاومة العراقية التي تتمتع بالاقتدار والعبقرية والتضحية لا يمكن إلا
أن نقول عنها أنها تمثل الدولة العراقية بالمعنى الصحيح القائمة على أرض العراق
الشامخ، و يتبدى لنا يوما بعد يوم من تصريحات المعتدين أنفسهم أن الغزاة وعملاءهم
يختبئون كالجرذان في قواعدهم، وعندما يجبرون على الحركة تأتيهم المقاومة من حيث لا
يتوقعون. والحق أن قواعدهم أصبحت أشبه بملاجئ المجانين، وحتى تلك الملا جيء لم
تسلم من القصف اليومي، وتعبر الجرائم التي يرتكبها المحتل في حق الأطفال والنساء
والشيوخ في الفلوجة وتلعفر وبغداد وغيرها عما تعانيه قواته من انكسار وبؤس. وعندما
قلنا عن المقاومة العراقية أنها الدولة العراقية بالمعنى الصحيح فإن ذالك يعني بكل
وضوح أنها قادرة على القيام بواجبها بكل كفاءة واقتدار على كامل التراب العراقي
فور مغادرة المحتل لآخر شبر من الأرض، فالجيش العراقي موجود وقوات الأمن موجودة
وعناصرها، ما لم تكن قد استشهدت في ساحة الشرف، على أحر من الجمر للعودة إلى
مواقعها. أما هؤلاء الذين يذرفون دموع التماسيح على ما يمكن أن يحدث من حرب أهلية
فور فرار آخر جندي محتل فإن ذالك ما هو إلا إحدى حيل العدو التي يهدف من ورائها
إلى تمكين عملائه من خلال ما يسميه بالانتخابات من ناصية الشعب العراقي. إنه ورغم
كل المكائد لإشعال نار الفتنة لم يفلح وطوقت كل الحالات بفضل فطنة وذكاء
العراقيين، فهل يعقل والعدو مدحور أن يدخل العراقيون في حرب أهلية لا تبقي و لا
تذر؟ لا وألف لا، وحتى شيوخ العمالة من أمثال طالباني وبرزاني لن يستطيعوا فعل
أكثر مما فعلوه. وأما هؤلاء الذين جاؤوا على ظهور دبابات المحتل فهم أدرى بمصيرهم.
إن تصريحات العدو ومناداة فرنسا التي تعرف ما يجري على الساحة العراقية، (ليس
بالطبع من خلال ما تدبجه قناة العربية من تقارير)، بضرورة إشراك المقاومة العراقية
في أي مؤتمر دولي يدل دلالة قاطعة على بداية النهاية للخونة والمرتزقة، ولهذا على
كل من غررت به الطوابير المصطنعة لطلب الانتساب إلى ما يسمى زورا وبهتانا بالحرس
الوطني والشرطة العراقية أن يثوب إلى رشده ويتوب قبل فوات الأوان، لاسيما وأن
المقاومة العراقية تتميز بالصدق والنبل والشرف والرحمة، وأفضل ما يفعله أن يفعل ما
تريده منه المقاومة كما يفعله بعض زملائه، من غير المنتسبين للبشمرقة وفيلق غدر،
وإلا فمصير المتعاونين مع المحتل معروف، ونهايتهم قريبة بمشيئة الله. إن يد مجاهدي
المقاومة طويلة ولا يمكن أن يفلت من قبضتها الخونة أو "الحركى والبياعة"
بلهجة الجزائريين، وهي تزداد قوة وشدة مع مرور الأيام، لكنها في نفس الوقت ترحم
التائبين، خاصة إذا برهنوا على ولائهم لشعبهم وأمتهم من خلال توجيه ضربات موجعة
للعدو كما فعل بعض المجاهدين في الجزائر الذين كانوا ينتسبون لجيش الاستعمار
الفرنسي أثناء ثورة التحير، فإما مجد وإما شهادة. العدو راحل لا محالة وفيلق غدر
وغيرهم من الغرباء ممن يحملون جنسيات أجنبية و جاؤوا يتدافعون على ظهور دبابات
العدو لهم بيوتهم في غير العراق وأرزاقهم مضمونة ما لم يبدهم الله بيد المقاومة،
أما هؤلاء المغرر بهم من السذج فعليهم أن ينتبهوا أن لا بلد لهم غير العراق وأن لا
شعب لهم غير شعبنا في العراق الملتف باعتزاز حول أعظم وأنبل وأشرف مقاومة عرفها
القرن الواحد والعشرين، إنها مقاومة فريدة من نوعها تدشن لأهم مرحلة في تاريخ
العرب والمسلمين. وسوف يلاحق الخزي والعار المتآمرين والمتخاذلين في الوطن العربي
من الحكام والمحكومين، بما فيهم هؤلاء الذين تتلوى ألسنتهم في أفواههم كالأفاعي
على الفضائيات العربية العميلة للنيل من شعبنا المجاهد في العراق ومن مقاومتنا
البطلة.
وعاش مجاهدو المقاومة
وعاش العراق حرا
مستقلا
وعاشت الأمة العربة
والخزي والعار
للمتخاذلين والمتآمرين.
والنصر قريب بإذن
الله.