إسقاط حكم مبارك فريضة دينية

 

 

 

 

بقلم :مجدى أحمد حسين

magdyhussien@gawab.com

 

صدرت لى أخيرا دراسة "الاسلام و الحكم " و هى دراسة أجهدت فيها نفسى لأبرهن من القرآن الكريم أن الحاكم يجب أن يكون عادلا و صالحا و منتخبا من الشعب و أن هذا الأمر أصل فى العقيدة و ليس أحد فروعها أو نوافل العبادات ، و أخيرا اطلعت على كتاب قيم للامام محمود شلتوت شيخ الأزهر الراحل فرأيته يقرر بحزم و جزم و صرامة و سلاسة كل الذى شقيت من أجل البرهنة عليه معتمدا على التفاسير المعتمدة ، فحمدت الله على صدق ما توصلت اليه ، و لكن رأيت فى الوقت نفسه أن كل مسلم يجب أن يقرأ النصوص التى كتبها هذا العالم الكبير حول الموضوع فى أواسط القرن العشرين .

 

و لكن أولا دعونا نركز على النقاط الأساسية :

 

(1) ان الحكم بما أنزل الله هو الركن الركين للعقيدة ، و ان ترك مجموعة من أهل الحكم الذين أغتصبوا السلطة تحكم بصورة مفتوحة دون أى إلتزام بالمرجعية الاسلامية ، أثم كبير يتحمله المسلمون اذا لم يسعوا بكل ما يملكون لتغيير هذا الواقع المنكر .

 

(2) ان اعلان عدم مشروعية الحكم لا يعنى القدرة الفورية على إزالته ، و لكنه المقدمة الطبيعية و الضرورية لهذه الازالة ، و هذا موقف كل الأنبياء و الرسل فهم عندما أعلنوا جهادهم ضد الطواغيت لم يكونوا قد كونوا جيش التغيير ، و إنما جيش التغيير تكون من خلال موقفهم الرائد البطولى الجسور المفعم بالايمان بقدرة الله العليا و استنادا لهذا الايمان. و كان هذا هو القانون الذى حكم عمل المصلحين من بعد الرسل و الأنبياء .

 

(3) ان حكم مبارك لم يرع لله وقارا و خالف نصوص القرآن و صحيح السنة فى مجمل السياسات الخارجية و الداخلية . و بالتالى فان إيماننا بالله سبحانه و تعالى لا يكتمل بدون جهاد ضد الطاغوت و الخروج عن طاعته و الدخول فى طاعة الله بلا قيد أو شرط (فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها و الله سميع عليم ) .

 

و اذا أدرك المسلمون ذلك ادراكا عقائديا صحيحا فان التغيير يصبح قاب قوسين أو أدنى ..

 

و لكن الدين المعلب الذى يروجه وعاظ السلاطين و برامج الاعلام  ، يرضى نزعة التدين لدى المصريين حين يحصر الدين فى أمور شعائرية أو أخلاقية (مسلكية فردية ) فطالما ان ذلك يكفى لصحة الايمان و دخول الجنة فلماذا اذن التخلى عن هذا التدين السهل الى تدين صعب ملؤه الطرق الوعرة و الأعباء الجسام ، لماذا اذن نسعى للجهاد و كجزء لا يتجزأ من العقيدة ؟ و كأن الجهاد قد شرع لشعوب غيرنا ،  فى فلسطين و العراق مثلا . فى حين أن العبادة مسألة اتباع لكل ما يحبه الله و رسوله ، دون أن يكون لنا حق الاختيار فى أجزاء و ترك أجزاء ، فنختار الأجزاء السهلة و نترك الجوهر و الأجزاء الصعبة . إن حق لا اله الا الله ، هو ألا نعبد غيره و لا نتبع سواه و أن نجاهد فى الله حق جهاده . و حكم مبارك - كما ذكرت فى عدة مقالات - لا يأبه بأحكام موالاة أعداء الأمة فيصادقهم ، و لا يأبه بالشورى ، و لا يعير انتباها لكل أوامر الله و نواهيه . و هو يوظف امكانيات الأمة المصرية المسلمة لمصلحة أمريكا و اسرائيل ، و يرتب أوضاع المجتمع المصرى على أساس توجيهات الحلف الصهيونى - الأمريكى ، و هو فى كل ذلك يغتصب السلطة و الثروة  ، و لا يحاسبه أحد ، و يتصور المسلمون ان هذه أمور سياسية لا علاقة ضرورية لهم بها على خلاف قول الله عزوجل (يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت و قد أمروا أن يكفروا به ) .و لا شك اننا نشهد صحوة فى حياتنا السياسية حيث تجمع الحركة السياسية بكل تلاوينها على رفض اعادة انتخاب مبارك . و لكننى أركز اليوم على البعد العقائدى الذى أدرك أنه هو المحرك الرئيسى لجموع الشعب ، كما أن من واجبنا - أمام الله - أن نبين الحق الذى شرح الله به صدورنا ، لكل المسلمين . فاذا تحولت الصحوة الايمانية من مجرد الاقبال على الصلاة و الصيام  و القيام و الحج و العمرة تحولت الى إقامة دين الله فى الأرض أى التمكين لدينه ، فلن تقف أى قوة فى وجه الشعب اذا أراد ذلك  و تحرك من أجله ، مرضاة لله سبحانه و تعالى و هو ما سينعكس على تحسين أحوالنا فى الدنيا كجائزة عاجلة و إن ظلت أعيننا بالأساس على الآجلة ، و نحن مأمورين باصلاح الدنيا  ، أى أننا لا نملك ترف الاستغناء عن تحسين أحوالنا فى الدنيا انتظارا للآخرة . و هى مسألة لا تقتصر على مستوى المعيشة الذى تهتم به الاحصاءات الدولية ، و انما مسألة عبادة  باعمار الأرض على النحو الصالح العادل الذى أمرنا الله به ، و هو الأمر الذى سينعكس  ضمن ما ينعكس على أحوالنا المادية و ان لم تكن هى الهدف الأول ، أو الرغبة القصوى . ( و ألوا ستقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ) .

 

اذن نحن لسنا فى صراع سياسى تقليدى مع حكم مبارك ، نحن فى صراع ننتصر فيه لديننا ، حيث نرى أطفال المسلمين يتمزقون إربا فى غزة و الفلوجة ، و نجد حاكمنا يلتقى الجنرال أبى زيد و ينسق معه الأمور العسكرية و نرى الشعب المصرى يتمزق بأزمة اقتصادية بينما الحاكم و أسرته يستثمرون الأزمة الاقتصادية لصالحهم و لصالح الطغمة الحاكمة  معهم و هكذا فالأمثلة لا تعد و لا تحصى .

 

يقول الشيخ محمود شلتوت ( و حينما ترك المسلمون جانب العمل ، و لم يعرفوا قرآنهم الا تبركا أو تلاوة تداعيت بهم أركان الحياة و خر عليهم السقف من فوقهم ) .

 

و لكن ماذا يقول على الاسلام و الحكم ؟

 

(كل ما يتعلق بالحكم و تدبير مصالح المسلمين فى دنياهم دين ، و يمكن أن يسمى نظام الاسلام فى الحكم و ادارة الدولة . و هكذا يرتبط الدين بالدولة ارتباطا كبيرا فى الاسلام ، ارتباط القاعدة بالبناء ، فالدين أساس الدولة و موجهها ، و لا يمكن تصور دولة اسلامية بلا دين ، كما لا يمكن تصور الدين الاسلامى فارغا من توجيه المجتمع و سياسة الدولة لانه حينئذ لا يكون إسلاما ) .

 

و حول ضرورة أن تختار الأمة من ينوب عنها فى الحكم يقول :

 

( من حق هذه الأمة المكلفة - من الله - أن تختار من يباشر سلطتها نيابة عنها - فردا أو جماعة - مادامت لا تستطيع مجتمعة  مباشرة تكاليفها ، اختيارا يقوم على الرضا و توخى المصلحة العامة دون قهر و لا خديعة ، و من تختاره الأمة لقيادتها يخضع لرقابتها ، و ليس له عليها سيادة ، لأنه وكيل يخضع لما يخضع له الوكيل فى سائر العقود ، من رقابة الأصل الذى يحدد له كل تصرفاته ، فهناك تعاقد بين الأمة و حاكمها (الخليفة) يتمثل فى البيعة على كتاب الله و سنة رسوله و صالح المؤمنين ، و تعهده هو التزام ذلك ، فاذا أخل بالعقد انخلع من الحكم أو خلعته الأمة و لو بالقوة).

 

و فى موضع أخر يقول : ( فان منعت الدولة الفرد المسلم من حقوقه و حرمته حريته بلا مبرر شرعى فلا طاعة لها عليه )

 

و فى موضع آخر يقول ( من حق الأمة أن تختار حكامها ، تعينهم و تعزلهم ، و تراقبهم فى كل تصرفاتهم الشخصية و العامة ، فالحاكم يجب أن يكون حميد السيرة ، فاذا ساءت سيرته فللأمة عزله ، و يجب أن يكون عادلا ، فاذا ظلم فللأمة عزله ، و يتفق الفقهاء على ان (خليفة المسلمين) هو مجرد وكيل عن الأمة يخضع لسلطات موكله فى جميع الأمور ، و هو مثل أى وكيل لفرد من الأمة فى البيع و الشراء يخضع لما يخضع له الوكيل الشخصى .

 

( كما أجمع الفقهاء على أن خليفة المسلمين و رئيس دولتهم ليس الا فردا عاديا من الأفراد ، لا يمتاز على واحد منهم الا بثقل مسئوليته كوكيل عنهم ، فيؤخذ بالقصاص اذا قتل عمدا ، و يحتمل المغارم التى يلحقها بالناس ، و يلزم برد ما يغتصبه من الأفراد و يجلد بحد الزنى اذا زنى ، و تقطع يده اذا سرق ، و الأمة صاحبة الولاية عليه فى كل ذلك ، تقيم عليه الحدود و تنفذ عليه الأحكام ) .

 

و يضيف الشيخ شلتوت ..

 

( لا تملك الدولة حق تقييد الحريات الا فى حالة الطعن فى الدين أو افشاء أسرار الدولة ، أو التجسس عليها لحساب الأعداء ، و عدا ذلك فاذا قيدت حرية شخص فلا طاعة للدولة عليه ) .

 

ثم ينتهى فضيلته الى عدد من المبادئ الاسلامية فى الحكم منها .

 

( -الحاكم : وكيل للأمة و ليس له عليها سيادة بل هى سيدته و هو خادمها الأمين .

 

- الشورى: أساس الحكم و كل حكم لا يقوم على الشورى لا يكون شرعيا .

 

- الرقابة الشعبية: حق للأمة أن تراقب حكامها و تحاسبهم و ترسم لهم خطوط تدبير مصالحها ، و تشرف على التنفيذ ، و تعدله حسب مصلحتها .

 

- عزل الخليفة : للأمة عزله اذا جار و ظلم و ظهر غشمه و لم يرع لناصح أو زاجر فان رفض العزل عزلته بالقوة ، و لو أدى ذلك الى نصب الحرب و شهر السلاح فى وجهه اذا رأت الأمة فى ذلك مصلحتها .

 

- أهل الحل و العقدة : هم أهل العلم و الرأى و الخبرة فى كل نواحى النشاط الحيوى بالأمة و هم لسانها المعبر عن رضاها و سخطها و من حقهم ترشيح أصلحهم للخلافة ، و تقديمه للأمة لترى رأيها فيه عن رضا و اختيار ، دون ضغط أو قهر ، و من حق كل مسلم أن يكون له رأى فى اختيار الخليفة ، و أن يمكن من اعلان رأيه بحرية تامة ، دون أن يضار بسبب رأيه و لو خالف الأغلبية و عليه مع هذا أن يلزم الجماعة . )

 

هذا أهم ما ورد فى كتاب الامام محمود شلتوت ( من توجيهات الاسلام - دار الشروق )

 

 

    ******

 

و عادة عندما نطرح هذه الآراء يبتسم بعض الاسلاميين و يقولون و هل مبارك خليفة ؟! اذا كان مبارك لا يصلح أن يكون خليفة أى حاكم مسلم أو رئيس لدولة اسلامية ، (لا يوجد معنى خاص لمصطلح خليفة أكثر من ذلك ) فهذه هى الطامة الكبرى ؟ لأننا كمسلمين مسئولون عن طبيعة من يحكمنا و نحن مأمورين أن نجاهد لتغيير الحاكم الطالح بكل السبل الشرعية الممكنة ، و نرجح فى ظروف بلادنا أن تكون سلمية .

 

و بعد هذا الكلام الشرعى المحكم لعالمنا الجليل ، يمكن أن ندرك الآن أن المطالبة بتغيير الدستور ليكون انتخاب رئيس الجمهورية انتخابا حرا مباشرا بين أكثر من مرشح ، و إلغاء حالة الطوارئ مطالب دينية اسلامية قبل أن تكون سياسية أو ديموقراطية .

 

و بالتالى فان على كل مسلم يؤمن بالله و رسوله أن يشارك فى حملتنا من أجل مليون توقيع بتعديل الدستور ، و أيضا فى المسيرات التى سندعو لها قريبا .

 

و لاشك ان الخراب الذى عم مصر يشمل كل المصريين و بالتالى فمن دواعى الوطنية ان يشارك أقباط مصر فى هذه الحملة من منطلق التكاتف الوطنى الشامل لاصلاح الوطن كما حدث فى ثورة 1919 و فى مختلف الحركات الشعبية التى سبقت و تلت ذلك .

 

****

 

إن استمرار حكم مبارك رغم أنف 99% من المصريين هو العبودية بذاتها ، و بما أننا نؤمن انه لا عبودية و لا ركوع لغير الله ، فيجب أن نعلن كفرنا بالطاغوت و ايماننا بالله .. انها قضية ايمان و وطن ، و ليست مسألة من قبيل الخلافات و المماحكات السياسية السقيمة ، انها قضية حياة أو موت ، بالمعنى المادى و المعنوى ، و بالمعنى الدنيوى و الأخروى .

 

و لا أريد أن أقول أن أمتنا العربية و الاسلامية طال انتظارها لتصحيح الأوضاع فى مصر ، لأننا نريد أن نحرر أنفسنا كهدف فى حد ذاته ، و نريد ان نكسب أنفسنا ، بعد خسرناها على مدار عدة عقود من الذل و الهوان و سحق الآدمية .

 

( و لا يصدنك عن آيات الله بعد اذ أنزلت إليك وادع الى ربك و لا تكونن من المشركين ، و لا تدع مع الله إلها آخر لا اله الا هو كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم و إليه ترجعون ) .