الثقافة.. صناعة أم مناخ؟

 

 

 

بقلم : د.نورة السعد

nora_23@anet.net.sa

 

هذا هو اليوم الثاني من أيام الملتقى الثقافي الأول للمثقفين السعوديين - عند كتابتي للمقالة - وكي لا أتجاوز ما قدم من أوراق في اليوم الأول الذي لم أتمكن من حضوره.. فإني سأتوقف عند عدد من الأوراق التي قدمت في اليوم الثاني وهي على درجة من الأهمية لقوة ما طرح فيها من رؤى ،والمنهجية المستخدمة في تحليلها ومنها حقوق ومسؤوليات المثقفين من خلال التصور الاستراتيجي لخطة الثقافة للدكتور عبدالله بن صالح العبيد، وحقوق وواجبات المثقف ودوره في العلاقة بين الثقافة والتنمية للدكتورة فوزية أبو خالد وأيضاً ورقة د. زياد بن عبدالرحمن السديري التي رغم قلة عدد أوراقها ولكنها احتوت على أبعاد مهمة تتعلق بالفضاء الثقافي للعالم العربي وربطها بقضية الثقافة ثم المثقف.

د. عدالله بن صالح العبيد أكد على أهمية تحديد المصطلح بل المصطلحات التي أصبحت تشكل نسقاً ثقافياً الآن أكثر من السابق.. وأستطيع القول أنه تحدث عن خطوط التماس بين المثقف وبين الدوائر المحلية والاقليمية والعالمية في السياق الحضاري الذي أصبح يشكل عبئاً معرفياً وتراكماً تاريخياً يتطلب تصنيفه وتحديده وتعريفه كي يسهل التعامل مع مقتضيات سياقاته.

فالتعامل مع الواقع كما ذكر ومنتجات هذا الواقع يتطلب التشخيص والتحليل والعلاج للمساحة الثقافية التي تشمل جوانب المعرفة الشرعية والعلمية والسياسية والاقتصادية والتقنية والمعلوماتية والتربوية والإعلامية والإعلانية على تعدد اتفاقاتها وتقاطعاتها..

قائمة المصطلحات التي استعرضها الدكتور عبدالله العبيد تمثل نقاط التقاطع أو التوافق بين الأبعاد المحلية والاقليمية والعالمية ومنها (الديموقراطية، الحداثة، التفكيكية، الحرية، القومية، الوطنية، الأسرة والقبيلة والعشيرة، والمشاركة الإسلامية، أيضاً الاتفاقات والمعاهدات الدولية، مؤسسات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، العولمة، الآخر، تجديد الخطاب الديني، المطالبة بالإصلاح، المدارس الغربية الأدبية، صراع الحضارات، التطوير والتحديث، التسامح..)

جميع هذه المصطلحات وما طرح حولها من أسئلة (أعتقد) أنها تشكل مفاصل مهمة في واقعنا المعاصر المحلي على وجه الخصوص، خصوصاً بعد أحداث سبتمبر وحدوث هذا التوجه نحو الأخذ بكل ما يتوقع أنه سيرضيه.. فابتدع كل ذي توجه ثقافي!! تعريفات خاصة به قد يستمدها من أجندة الغرب.. أو يبقى (مراوحاً) في هذا التعريف فلا ينتقل ذهنياً وفق حركة التسارع العسكري في دول الجوار!! والضغوط الدولية التي أصبحت هي التيار الذي يحمل ألواناً من الأطياف.. منها ما هو حقيقي ومنها ما هو سراب يحسبه الظمآن ماء!!

تجديد الخطاب الديني.. يتساءل د. العبيد أسئلة الواعي هل هو وسيلة من الوسائل الدعوية؟ أم هو تحريف للعقيدة ومساس بالشريعة؟

المطالبة بالإصلاح.. هل هي وسيلة من وسائل النصح والتغيير بالتي هي أحسن؟ أم هي شكل من أشكال الخروج عن السمع والطاعة؟

حقوق الإنسان: هل هي إحياء لجوانب إنسانية إسلامية أم هي انسياق وراء المعطيات الغربية؟

بل مؤسسات المجتمع المدني: هل هي وسيلة للتعامل مع التطور والنمو المعرفي للمجتمع؟ أم هي تعبير عن الهيمنة الاجتماعية بدلاً عن السلطة الدينية كما نشأت في الغرب؟

الحرية: هل هي تفلت من ثوابت المجتمع وقيمه، أم هي تعبير عن آلام المجتمع وآماله وحماية مكتسباته؟

الحداثة: هل هي مرحلة تمرد على الماضي وجحود له؟ أم هي مرحلة زمنية تتطلب تعاملاً في اللغة والآلية؟

أسئلة عديدة عند كل مصطلح.. يفترض استيعاب مضموناتها ودلالاتها على أرض الواقع.. أي في المناخ العام الذي (يفترض) أنه يمثل (المناخ الثقافي).

وهنا أستطيع إيجاد خط بين هذه التساؤلات ومصيرية تحديدها وتعريفها لارتباط هذا بوجودنا في دوائرها.. وبين تحقيق هذا الواقع انطلاقاً من مقومات المناخ الثقافي المتعارف عليه.. مقارنة بما جاء من معلومات في ورقة د. زياد بن عبدالرحمن السديري حول الفراغ الكبير في الفضاء الثقافي للعالم العربي - ونحن جزء مهم فيه - وهي المسألة التي تناولها بكثير من التفصيل تقريرالتنمية الإنسانية العربية للعام 2003م، حيث أن هذا العالم العربي الذي يكوّن 5% من سكان العالم، لا ينتج من الكتب سوى 1.1% من الإنتاج العالمي، ولا يترجم إلا أقل من كتاب لكل مليون مواطن في العام الواحد مقارنة مع (519) كتاباً في المجر و(920) كتاباً في اسبانيا لكل مليون من السكان في العام، بل إن الإجمالي التراكمي للكتب المترجمة في العالم العربي منذ عصر المأمون حتى الآن يوازي ما تترجمه اسبانيا في عام واحد!!

وكما استعرض الدكتور السديري فإن القضية ليست قضية معارف وفنون وآداب!! ولكنها قضية تتصل بالحياة الاقتصادية ومستوى عيش المواطنين وفرص عملهم!! فهذا زمن أصبحت فيه صناعة المعلومة (ركيزة هامة من ركائز الاقتصاد والنمو والنجاح).. أو كما جاء في تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003م (الوسيلة الكفيلة بتحقيق التنمية الإنسانية في جميع ميادينها، فهي غالباً ما ترسم الحدود بين القدرة والعجز، بين المنعة والوهن، بين الصحة والمرصد، وبين الثروة والفقر)!!

صناعة المعلومة لا تقوم على استيرادها فقط، كما جاء في ورقة د. السديري، فالاستثمار في وسائل الإنتاج وحدها لا يعني نقلاً حقيقياً للثقافة وامتلاكاً لها واستشهد برأي علي مصطفى مشرفة في هذا السياق حول نقل ثقافة الآخرين حيث لا صلة لها بماضينا. ولا احتكاك لها بأرضنا فتبقى عائمة.. لأنها بضاعة غريبة بملامحها وغريبة بكلماتها وغريبة بمفاهيمها..

واستحضر هنا رأي المفكر العربي المسلم ما لك بن نبي يرحمه الله في تحليله للثقافة مفهوما وجذوراً ومناخاً وتشكلت لديه نظرية في الثقافة حيث يرى أنها المناخ العام الذي يجمع مختلف فئات وشرائح المجتمع وتصبغهم بصبغتها المنبثقة من جذور هذا الفكر.. بل أكد على أن أي عنصر خارج هذا السياق يرفضه الجسد الاجتماعي كما يرفض الجسم أي خلية دموية تتناقض مع نوعية وفئة دمه.

 

اتكاءة الحرف

رغم أنه الملتقى الثقافي الأول للمثقفين السعوديين ورغم الجهود التي بذلت لتنفيذ فعالياته.. إلا أني أعترف أني فوجئت بقلة عدد الحاضرات!! فمن حضر لا يتناسب إطلاقاً مع ما يفترض أنه يمثل شريحة المثقفات!!

وخصوصاً من هن مقيمات في (الرياض)!!

فهل هذا عزوف عن صناعة الثقافة؟! أم عدم اعتراف بدور (المثقفة)؟!