قمة فاشلة . . أينما انعقدت !!

 

 

بقلم :عبد الباري عطوان

 

بدا النظام الرسمي العربي وكأنه بصدد خوض الحرب العالميةالثالثة او تجييش الجيوش لتحرير القدس !

لم تتوقف طائرات زعماء ووزراء خارجية عرب عن الهبوط في مطار شرم الشيخ المصري طوال اليومين الماضيين، وكأن النظام الرسمي العربي بصدد خوض الحرب العالمية الثالثة، او تجييش الجيوش لتحرير القدس المحتلة وطرد اليهود من فلسطين.

فجأة اكتشف الزعماء العرب، والرئيس حسني مبارك علي وجه التحديد، ان القمة العربية مهمة للغاية، ولا بد من عقدها في اسرع وقت ممكن، بغض النظر عن المكان، لتطويق ما حدث في تونس، ولملمة آثاره، والايحاء بان الامور علي ما يرام.

الزعماء العرب الذين يلتقون في شرم الشيخ لا يريدون انقاذ الوطن العربي من ازماته، واعادة الاعتبار الي مؤسسة القمة، والعمل العربي المشترك، وانما انقاذ انفسهم، وماء وجوههم، بعد ان خذلوا شعوبهم، واستخفوا بالعمل العربي المشترك، وتخلوا عن ابسط واجباتهم كقادة لامة مهانة مُذلة محتلة أراضيها في فلسطين والعراق، وفاقدة السيادة والقرار المستقل.

نسأل لماذا لم نر الطائرات نفسها، والزعماء انفسهم يتحركون، بالحماس نفسه عندما كانت الدبابات الامريكية تزحف الي بغداد انطلاقا من الكويت والطائرات تنطلق من قواعد في قطر والسعودية لقصف المدن العراقية. ألا يستحق مثل هذا الغزو قمة عربية، تماما مثلما استحق الغزو العراقي للكويت الشيء نفسه عام 1990، ام ان الغزو الامريكي لبلد عربي حلال وامر عادي، بينما الغزو العربي لارض عربية اخري حرام وكارثة مذمومة؟

هؤلاء هم الذين أفشلوا قمة تونس عندما قاطعوها في معظمهم، وارسلوا ممثلين عنهم من الدرجة الرابعة اوالخامسة للمشاركة فيها، وهم الذين سمحوا لممثلي الاحتلال الامريكي في العراق بالجلوس معهم ومشاركتهم قراراتهم، ولم تحرك شعرة في رؤوسهم عملية اغتيال شيخ الشهداء احمد ياسين، ولا اعتقال رئيسين من زملائهم، احدهما في العراق والثاني في فلسطين.

ولماذا تكون قمة تونس افضل من القمم السابقة حتي لو انعقدت فعلا، واكتمل نصابها، فهل كانت ستقرر الانتقام لاغتيال الشيخ ياسين، او توجه انذارا لاسرائيل بالتوقف عن مجازرها في حق الشعب الفلسطيني والا فانها ستقصف مدنها ومستوطناتها. او ستهدد امريكا بدفع ثمن غال لاحتلالها لارض عربية وقتل عشرين الفا من ابنائها في حرب غير قانونية وغير اخلاقية؟

 

لنفترض ان الاتصالات الحالية التي تجريها القيادة المصرية مع اطراف المثلث السوري والسعودي نجحت في عقد قمة جديدة في غضون الاسابيع المقبلة في شرم الشيخ او تونس، فهل ستكون هذه القمة مختلفة فعلا، من حيث اعادة الاعتبار للكرامة العربية، والتصدي للعربدة الاسرائيلية ـ الامريكية، واصلاح الجامعة العربية، والتجاوب مع المطالب الشعبية في الديمقراطية وحقوق الانسان والقضاء المستقل والتوزيع العادل للثروة بين ابناء البلد الواحد، ثم بين ابناء المنطقة بأسرها؟

لا نعتقد ان القمة المقبلة ستحقق ايا من هذه المطالب البديهية، لان من سيشاركون فيها من زعماء في حال عجز كامل، ولا يستطيعون توجيه كلمة نقد واحدة الي الولايات المتحدة واسرائيل، ناهيك عن بيانات الادانة والشجب التي باتت من الماضي.

 

ولعل اسخف ما قرأنا في الصحف من تسريبات وتصريحات المسؤولين الذين جبنوا عن ذكر اسمائهم، او الظهور علي شاشات التلفزة والنطق بها، هو القول بان القمة فشلت لان امريكا هي التي اوعزت بافشالها بالاصرار علي ادخال فقرة حول الاصلاحات الديمقراطية، والغمز من قناة الدولة المضيفة. وكأن الحكام الآخرين ليسوا امريكيين، وليسوا نواطير او خفر ، حسب تعبير اخواننا المصريين، عند سيد البيت الابيض.

 

فاذا كانوا فعلا ضد امريكا لماذا يتسولون مساعداتها المالية، ويستضيفون قوات امريكية علي ارضهم، في الخليج وسيناء علي وجه الخصوص؟ ألم تعارض الحكومة المصرية سحب القوات الامريكية من سيناء، واصرت علي بقائها؟ فلماذا القبول بالقوات والمساعدات المالية الامريكية ورفض فقرة عن الاصلاحات طالبت بها؟

 

الحكام العرب يقبلون المساعدات المالية الامريكية لانها تذهب الي جيوبهم وجيوب ابنائهم ومحاسيبهم، والقوات والقواعد الامريكية توفر الحماية لانظمتهم، اما الاصلاحات، ولانها ربما تخدم الشعوب، وتخفف معاناتها، فهي مرفوضة بالمطلق. ومن يقبل بها هو عميل امريكي!

 

ثم متي كانت الاصلاحات الديمقراطية منتوجا امريكيا، وعلامة امريكية فارقة، أليست هذه الاصلاحات مطلبا شعبيا عربيا علي مدي الخمسين عاما الماضية، وقبل ان تصبح امريكا الدولة الكبري الاستعمارية الاعظم، وعندما كانت هذه الامريكا الداعم الاكبر والاوثق لدكتاتوريات الفساد والقمع العربية؟!

 

وحتي لو افترضنا ان الديمقراطية والاصلاحات علامات امريكية مسجلة، فهل علينا ان نرفض كل ما هو امريكي، ان نرفض الكمبيوتر، والطائرات المدنية، والابحاث العلمية، والادوية والادب والشعر والاختراعات الطبية والزراعية؟

النظام العربي فاسد ومرتبك، وفاقد الارادة والسيادة، ولهذا لا تعيره الشعوب العربية وقممه اي اهتمام، وكانت سعادة هذه الشعوب بالغة بانهيار مؤسسة القمة، وانهيار قمة تونس بالذات.

 

الذين افشلوا القمة هم الزعماء، ولكننا نحن كشعوب نتحمل نتائج هذا الفشل، واخطر هذه النتائج محاولة احداث شرخ بين مغرب العرب ومشرقه من خلال حالة الاستقطاب الحالية. فمؤيدو قمة شرم الشيخ هم الذين تغيبوا عن قمة تونس، ونحن هنا نتحدث عن الرئيس مبارك والامير عبد الله وامير البحرين رئيس القمة الفعلي. الامر الذي قد يدفع زعماء المغرب العربي لفعل الشيء نفسه والتغيب عن اي قمة تعقد في الشرق.

 

معضلة جديدة تضاف الي المعضلات العربية المتراكمة والمزمنة بسبب رعونة الزعماء العرب وتخاذلهم، وتخليهم عن دورهم في الزعامة والقيادة لمصلحة مشاريع الهيمنة الامريكية ـ الاسرائيلية.

 

كلمة اخيرة نوجهها الي الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، اذ نتمني عليه مقاطعة القمة المقبلة ايا كان مكان انعقادها كبادرة احتجاج من جانبه تجاه هؤلاء الذين نسوا القدس، وفلسطين، وقبلوا له هذا الوضع المهين والمذل، بل وذهبت بهم درجة المجاملة والنفاق لاسرائيل وامريكا التوقف عن الاتصال به.

 

الشعب الفلسطيني قال رأيه في هذه القمة، ولا يريد اي مشاركة فيها، احتجاجا علي هذا الوضع العربي المخجل، وليس كفرا بالعروبة، فهذا الشعب لم يتخل عن عروبته ولن، فهو يقدم الشهداء يوميا باسمها ودفاعا عن مقدساتها وكرامتها. ونعتقد ان الشعب العراقي المقاوم يشاركه الشيء نفسه، فهو لا يمكن ان يقبل ان يمثله، ويحتل مقعد بلاده في القمة احد رجالات الاحتلال والمحتمين بدباباته.

 

 

 

نقلا عن القدس العربي