أحمد ياسين .. رجل نال ما تمنى
بقلم :الشيخ
عبد الآخر حماد
أخيراً حقق السفاح
شارون هدفاً طالما تمناه ،فوقف منتشياً يهنئ جنوده (الأشاوس ) بما حققوه من نصر
كبير متمثل في قتل شيخ كبير مقعد ضعيف السمع والبصر ،في عملية استخدمت فيها
مروحيات متطورة أمريكية الصنع ،قصفت الشيخ الأعزل حين كان متوجهاً على كرسيه
المتحرك إلى داره يحيط به ثلة من إخوانه ،وقد فرغوا لتوهم من أداء فرض ربهم .
الشيخ أحمد ياسين هو
الآخر قد نال ما تمنى ،وهل من أمنية يتمناها مسلم مخلص لدينه خير من أن يقتل
شهيداً في سبيل الله بعد حياة حافلة بالعمل والجهاد .
ولكن شتان ما بين
أمنية مجرم متعطش لسفك الدماء ،لا تتجاوز أهدافه تحقيق مغنم دنيوي عاجل دون تفكير
في عواقبه ،وبين غايات ر جل عالي الهمة ينظر بنور إيمانه إلى جنة عرضها السموات
والأرض أعدها الله تعالى لمن آمنوا به
واتبعوا هداه ،وفي الذروة منهم أولئك الذين عقدوا مع الله تعالى تلك صفقة الرابحة
التي سجلها الله تعالى في أشرف كتبه حيث قال : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً
في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم
به وذلك هو الفوز العظيم ) [ التوبة: 111].
لقد كان يمكن للشيخ
أحمد ياسين وهو الرجل المعذور أن يطلب الراحة والدعة ،ولن يلومه أحد ،وهل يلام على
ترك الجهاد رجلٌ مشلول قد ذهب نور إحدى عينيه والأخرى لا يكاد يبصر بها ،ويكاد لا
يسمع من آثار التهابات مزمنة في أذنيه ؟ لكن الرجل آثر مصلحة دينه وحظ أمته على حظ
نفسه وجسده ،فأبى إلا حياة المقاومة والجهاد ،وأن يكون قدوة الشباب في استخدام
سلاح الشهادة ،وما أمضاه من سلاح .
وإذا كان شارون
وزمرته قد استطاعوا تحقيق هدف من أهدافهم بقتلهم للشيخ ياسين ،فإن السؤال الذي
يطرح نفسه هنا هو هل سيحقق لهم نجاحهم في ذلك ما يبغونه على المدى البعيد من كسر
إرادة الشعب الفلسطيني وإبعاده عن خيار المقاومة ،أو على الأقل إفراز قيادات بديلة
معتدلة تقبل بتقديم مزيد من التنازلات كما توهمت بعض الصحف اليهودية مستشهدة على
ذلك بما حدث بعد اغتيال أبي جهاد عام 1988،حيث مثل اغتياله إزاحة لأبرز صقور منظمة
التحرير في ذلك الوقت ومهد السبيل لما تم بعد ذلك من مفاوضات ؟
إن نظرة عجلى على ما
حدث فور استشهاد الشيخ أحمد ياسين من ردود أفعال عفوبة في الشارعين الفلسطيني
والعربي لتبين لنا بوضوح وجلاء مدى الوهم الذي يعيشه أولئك الطواغيت حين يظنون أنه
يمكنهم كسر إرادة الشعب الفلسطيني وإجباره على الركوع والاستسلام لمخططاتهم
بارتكاب هذه الجرائم الوحشية ،فلقد ألهبت هذه الجريمة النكراء مشاعر الشارعين
الفلسطيني والعربي ،وأكسبت القضية الفلسطينية مزيداً من المتعاطفين في العالم كله
،ورأينا الفصائل الفلسطينية المختلفة وقد ازداد تلاحمها ،ووحد المصاب بينها وصار
الكل يتنادى بالقصاص من قتلة ياسين،ولعل في هذا كرامة لهذا الرجل الذي لم يكن موته
بأقل فائدة للإسلام والمسلمين من حياته .
لقد فتح أولئك
المجرمون باقترافهم هذه الجريمة النكراء على أنفسهم أبواب جهنم على حد تعبير بعض
الصحف الغربية ،ولا يمكن أبداً قياس الواقع الآن على ما حدث بعد اغتيال أبي جهاد
أو غيره ،ذلك أن الشعب الفلسطيني ومن وراءه الأمة الإسلامية كلها قد أدرك الآن أن
خط المفاوضات ما هو إلا خدعة كبيرة ،وسراب لا حقيقة له ،وأن إعادة الحقوق المغتصبة
لا يمكن أن يمر إلا عبر فوهة البندقية التي يحملها رجال يرون أسمى أمانيهم أن
يرزقهم الله نهاية كنهاية أحمد ياسين .
وإذا كان لاستشهاد
الشيخ ياسين هذه الآثار العظيمة في استمرارية الخط الجهادي ومنع تقديم التنازلات
فإنه قد دشن شهادة تأكيد لسقوط الأنظمة العربية العاجزة التي لم يعد من مبرر
لبقائها واستمرارها ،بعدما صارت في وادٍ وشعوب الأمة في وادٍ أخر ،فها هي الجموع
الغاضبة تخرج في كل مكان مطالبة بالثأر منادية بفتح باب الجهاد ،أما حكامنا فإن
أقصى ما فتح الله عليهم به هو بيانات الشجب والاستنكار ، أو الامتناع عن إرسال وفد
كان مقرراً ذهابه لدولة العدو كما فعل الرئيس المصري ،بينما لا تزال سفارة أولئك
المعتدين في بلادنا مفتحة الأبواب ولا تزال أعلامهم رغم أنوفنا ترفرف في سماء
المسلمين .
بل راح الرئيس المصري
يسوي بين الضحية والجلاد حين أشار في معرض تعليقه على استشهاد الشيخ ياسين إلى
العملية الاستشهادية التي استهدفت ميناء أشدود جنوبي تل أبيب ،والتي جاءت رداً على
المجازر الوحشية التي أقدمت عليها قوات الكيان الصهيوني في الأسابيع الأخيرة ، حيث
ذكر أن تلك العملية لا معنى لها وأنها تسببت في تعطيل العملية السلمية بحسب رأيه.
إن الذي يجب أن يعيه
حكامنا أن المقاومة حق مشروع لا يملكون هم ولا غيرهم أن يمنعوا الأمة من ممارسته
،وأن عليهم حتى من منطلق الحفاظ على كراسيهم أن لا يكونوا حجر عثرة في طريق سالكي
هذا السبيل ؛فإن مخططات الأمريكان في المنطقة تهدف إلى الانتهاء من أولئك الحكام
واحداً تلو الآخر حتى من كانوا ذات يوم حلفاءها المقربين .
لقد كان استشهاد أحمد
ياسين نصراً للأمة الإسلامية كلها ،ولسنا نشك في أن حياته ستكون أطول بكثير من
حياة قاتليه ،ولسوف تبقى سيرة أحمد ياسين ملهمة للأجيال المجاهدة المتشوقة لنيل
الشهادة ،بينما سيلقى في مزبلة التاريخ شارون وبوش وأمثالهما من عصابات الإجرام .