حديث في الشئون والمتغيرات الفلسطينية
قيادات حماس وجدوى المقاومة
هشام الناصر
1 – خالد مشعل – الإمكانيات و القيود والتحديات
كما يقولون، انتهت العواطف وبدأت العواصف، ذهب الشيخ في (زفة)
جماهيرية وآتي مشعل والرنتيسي بآمال فلسطينية وأيضا عربية بعد الإحباط في القيادات
الحالية، والمتتبع للأحداث والتغيرات القليلة الماضية يلاحظ الظواهر والسمات
الآتية:
1 – أثبتت (حماس) أنها منظمة (مؤسسية)، تخضع للرأي والشورى
والقواعد النظامية، وانتسابها للإسلام ليس نوعا من (الديماجوجية) لاستمالة قلوب الجماهير
(فلسطينية كانت أم عربية)، فانتقال السلطة أو قل المسئولية، قد تم بطريقة حضارية
تتسم بالسلاسة والودية وبدون إي صراعات أو نزعات أو خلافات دموية.
2 – وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين، حقيقة يعلمها
كل ذي عقل مكين، أرادت (إسرائيل) اغتيال مشعل وتصفيته فازدادت قوته وتأكدت رئاسته،
وبذلك رد (الله) كيدها في نحرها وعاد (مشعل) لها علي رأس أكبر قوة مقاومة فلسطينية
معقود عليها الآمال، للحالي والقادم من أجيال.
3 - أثبت (مشعل) في أيامه الأولي القليلة الجدارة والاستحقاق،
بالتزامه ووعيه وإيمانه وبوضوح الرؤيا (الإستراتيجية) للمقاومة والدراية (بمحاور)
الدعم والمساندة، وقد ظهر هذا جليا في كلمته (بلبنان)(1) بحفل تأبين
الشيخ ياسين، والمناظرة التليفزيونية (بالهاتف) مع أحدي القنوات الفضائية(2)
مع أثنين من المتشككين وواحد من المؤيدين(3).
4 – من التحديات التي تواجهها حماس (بقيادتها الجديدة) هو
(الإلزام والالتزام) بالرد (الموجع)، والذي يتناسب مع (فداحة المصاب)، لإضفاء
المصداقية وتزعمها لحركة المقاومة الوطنية.
5 – هناك (أزمة) حقيقية في الدعم المالي لأنشطة
المقاومة، وهو ليس ناشئا عن بخل وشح (أصحاب الدعم) إنما من خوف وخشية !!، ومن ثم
فهناك حاجة لإيجاد (منابع) داعمة متجددة بعيدة عن الأعين المعادية المترصدة.
6 – أن التغيرات بقيادة (حماس) يقابلها تغيرات (متوقعة)
بالقيادة الإسرائيلية (سقوط شارون في فضيحة الرشوة وقدوم نتينياهو مع حركة شاس وهو
تآلف يميني متشدد)، إضافة لاحتمالات سقوط (إدارة بوش) وقدوم (الديموقراطيين)
بأجندة سياسية جديدة !!، الأمر الذي يحتاج لإعادة ترتيب الأوراق وتحديد الآليات
بما يتناسب وتلك المتغيرات.
وبانقضاء حقبة (ياسين) انتهى ما يسمي بحقبة (زعامة الأبوية
الروحانية) لحماس والتي أدت ما عليها في فترة كانت تحتاجها ظروف إنشاء البنية
التحتية للمنظمة وعلاقتها مع (الآخرين)،
وبقدوم (مشعل) و (الرنتيسي) بدأت (في رأينا) حقبة جديدة تختلف في
(تكتيكاتها) عن سابقتها وإن أتسمت تقريبا بنفس إستراتيجيتها، وسيظهر هذا جليا علي
الصعيد الداخلي الفلسطيني (خاصة بقطاع غزة)، والصعيد العربي (الحكومي وغير الحكومي)،
والتعاون النشط مع (الركائز) الحليفة في العلن و (المتعاطفة) في الخفاء.
والجدير بالذكر، وهو في رأينا خطوة للأمام وسط الزحام
وترصد اللئام، هو ما حدث نتيجة التواجد الفلسطيني (عامة) وحماس (خاصة) بالقمة
العربية (المؤجلة لأجل لم يُسمي)، ماديا ومعنويا بصورة أرجعها
البعض إلي أنها من أسباب قيام (تونس) بفض القمة بقرار منفرد ودون الرجوع أو
التشاور مع الأمين العام أو غيرة من القادة العظام، تجنبا أو قل خشية (لما يتردد ويقال
من أحاديث وأقوال) من غضب وصدام (مع الإدارة الأمريكية) والتي أرسلت التعليمات
(بالإيحاءات دون حاجة لخطابات أو تلغرافات !!!)، علي النحو التالي:
1 – التواجد الفلسطيني الشعبي (الذي يتكون من ممثلين عن حماس
والجهاد والقيادة العامة) بجانب الوفد الرسمي (الذي يمثل السلطة)، وهو نوعا من
الاستثمار(4) لحادثة اغتيال الشيخ، كمحاولة (لدفع) الحكومات العربية لمزيد من الدعم والتأييد، وهو الأمر الذي (وضع)
الإدارة التونسية في (حرج) أمام (التوجهات) الأمريكية التي تدرج (حماس) ضمن
المنظمات الإرهابية.
2 – إصرار بعض الدول (الصغيرة) علي (التركيز) علي (نبذ
الإرهاب) وخاصة ضد (الإسرائيليين المدنين الأحباب) بإعلان صريح دون مجرد التلميح،
وكإشارة إدانة للأعمال الفدائية، وهو الأمر الذي تصدت له معظم الدول (الكبيرة) حرصا
علي مكانتها (التاريخية) السابقة، ومراعاة لمشاعر جماهيرها (الغاضبة).
أما القيود (وبالتالي المخاوف) فتظهر في وضوح اعتماد حماس
بقدر كبير علي محور (إيران – سوريا – لبنان وخاصة جنوبه)، وهو محور في الأصل
مُستهدف من قبل الإستراتيجية (ولا نقل مجرد الإدارة) الأمريكية وأتباعها، ومن ثم
فحماس هي ورقة (ضغط) في أيدي ركائز المحور وقد تكون (ضحية) لتسوية غير عادلة
تمليها الظروف (الإقليمية والدولية).
علما بان العراق كانت من الركائز الأساسية في هذا المحور،
وخرجت من السلسلة بضربة قاصمة وحرب غادرة، وتقاعس من الأصدقاء وقبلهم الأشقاء، وأصبحت
مثلا وعبرة للدول المارقة، ورسالة للحاضر والغائب، أنظروا في العواقب لتسلموا من
النوائب (!!).
***********
2 – هل صحيح أنه لا جدوى ونفضها سيرة، بلا مقاومة بلا انتفاضة بلا نيلة ؟؟؟
من الأقاويل لبعض (المحترفين) العناتيل أن خيار (المقاومة) قد
ثبت فشله وعدم جدواه، مع نصيحة لئيمة بان نبحث عن شيء عداه، قائلين مؤكدين الآتي
من أباطيل:
1 – إن خسائر الإسرائيليين ليست بالضرورة مكسبا للفلسطينيين
!!
2 – أعمال المقاومة (خاصة ضد الأهداف المدنية) تثير حفيظة
الرأي العام الدولي من أفراد وجمعيات وبالتالي فقدان تعاطف الحكومات وتؤثر
عالقرارات !!
3 – أن (السور العازل) الشاروني لهو من نتاج أعمال المقاومة
المدسوسة والغير مدروسة.
4 – أن الشعب الفلسطيني قد خسر أرواح بشرية وبنية تحتية وأراض
زراعية بفعل أعمال المقاومة (الانتحارية !!)، ولم يجن شيئا إلا المزيد من الشقاء
وإحراج (العرب) الأشقاء وباقي الدول (الأصدقاء) وإعطاء الذرائع للأعداء !!!
5 – إن الانتفاضة هي (هوجة) وقتية وليست عملا محدد
الإستراتيجية.
6 – إن هناك تشرذم للفصائل الفلسطينية وليس هناك تنسيقات أو
إعدادات مع السلطة الفلسطينية (الشرعية !!).
7 – إن سياسة الإعلان عن أسماء الشهداء لمن شر البلاء، فهي
تجلب الانتقام والدمار علي الأهل والديار.
8 – إن رسوخ فلسفة (الانتقام) في الأذهان لمن فعل الجنان !!،
فلا توجد منظمة (محترمة) ثورية تأخذ الانتقام كإستراتيجية !!
والحمد لله الذي سخر من عباده من يرد علي تلك (الترهات) الفكرية
والنزعات الاستسلامية، التي تنم عن جهالة وعدم دراية أو عن عمالة وسوء نية، وما
سنعرضه (في الآتي من نقاط) هو عبارة عن محصلة تحليلات ثقاة، ووقائع حقيقية وبراهين
عقلانية، اجتهدنا فيها لتتضح المواقف وتنجلي خوافيها، وبحيث لا تقبل التقويل أو
التأوييل من السادة الدلاديل.
1 – الرهان علي (الرأي العام الدولي) كليةً قد أثبت عدم جدواه
أمام (التغيرات علي أرض الواقع)، ولعل غزو العراق واحتلالها لخير مثال، فبالرغم من
المظاهرات في طول وعرض البلاد نفذت أمريكا كامل ما وضعته من مخططات دون أن (تهتها)
الهتافات أو تعيقها التنديدات.
2 – إذا كنا (فاعلين) والرأي العام الدولي من (المتلقين)
فابحثوا أولا عن (خطوط الاتصال) التي تنشر وتحلل وتبرر الأخبار، وتلك ليس مسئولية
المقاومة الفلسطينية، فيكفيها مهامها القتالية، لكنها من مهام جحافل البعثات
الدبلوماسية للبلدان العربية، ومؤسسات الإعلام في باقي الأقطار والمتفرغة (حاليا)
لدعم نظمها (بالطبل والمزمار).
3 – (الرأي العام الدولي) له أهميته، لا شك في هذا ولا جدال،
ولكن (أسبقيته Priority) لا تأتي
في المقدمة لكن تلي الفاعل من الأعمال.
4 – السلبية وعدم (رد العدوان) بالقليل من العدوان وما هو
في حدود الإمكان، يجعل نظرة (الرأي العام الدولي) لنا أقل من نظرته في برامجهم
الخاصة (بالإشفاق علي الحيوان)!!
5 – مجموع الخسائر البشرية الإسرائيلية (قتلي وجرحي) جراء
الأعمال الفدائية أضعاف محصلة خسائرها في الحروب العربية، وخسائرها الاقتصادية
تعيق خططها التنموية، وهناك (الهجرات العكسية) من داخل إسرائيل لخارجها وخاصة
النخبة منها، إضافة لترسيخ ما يسمي (توازن الرعب) فلا أمن للمواطن في إسرائيل ولا
أمان وعلي هذا تتساوي الكفتان رغم فارق الإمكانيات في السلاح والعتاد والأموال
والمعدات.
6 – السور العازل الإسرائيلي هو اعتراف صريح (بالتجرثم)
الصهيوني ونبذ فكرة (التوسع) المادي الراسخ في المعتقدات وأحلام الدعاة، وما كان
يتأتى ذلك من سلبية الأموات التي يدعو إليها أصحاب الجهالات !!!. وللعلم فأن السور
العازل الإسرائيلي هو من مخططات (باراك) كبديل في الأزمات، نفذها شارون بعدما آنّ
من الضربات.
7 – الخسائر الفلسطينية بالألوف وليس المئات، حقيقة جلية من
الإحصائيات، ولكن روسيا فقدت ملايين (ضد الألمان)، فيتنام فقدت ملايين (ضد
الأمريكان)، وأحنا في المحروسة مئات الألوف والجزائر مليونان، أليس للاستقلال من أثمان
وتضحيات جسام للقادم من أجيال.
8 – بالنسبة لهوجة الانتفاضة الجماهيرية وتشرذم الفصائل
الفلسطينية، نعم قد تكون الانتفاضة قد بدأت
كتلقائية عفوية تنعتونها بالهوجائية، ولكنها اُستثمرت وتبلورت في ثورات شعبية (وإن
كان لا يعيبها محدودية الإمكانية). أما عن تشرذم الفصائل فعقلاء المقاومة أكبر من
أن ينقادوا للتناحر والتنازع، وخاصة حينما صُبغت بالصبغة (الإسلامية) فأضحي الجهاد
والاستشهاد هو الغاية والمراد لا مناصب قيادية أو مكاسب دنيوية.
9 – أما عن نبذ مبدأ (الانتقام) فالرد عليهم لن يكون من عندنا
بل من آيات كتاب ربنا: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ
الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ
عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ
اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ. البقرة 194}.
10 – وأخيرا فأن الإعلان عن أسماء الشهداء ليس من الاستعراض
أو (فرد) العضلات، بل تحتمها ظروف داخلية !!!، ونقول للسادة عقلاء الأمة (!!) أن
المقاومة هي منظومة متعددة التركيب تامة التعقيد، فهناك وحدات إستخبارية (زرع بأرض
العدو، وإجهاض عملائه بالأراضي الفلسطينية، وحتى للتعاون مع عناصر إسرائيلية (!!))، وهناك وحدات تدريبية (داخلية وخارجية) وهناك
وحدات مالية وهناك الوحدات العملياتية، وهناك الوحدات التثقيفية الدعوية، وهناك
وحدات الاتصالات الخارجية، وهناك وحدات التخطيط والتنسيق، وهناك ........ ، لذا
فالمقاومة ليست مجرد جماعة هوجاء وتصرفات رعناء، ولعل إعلانها عن شهدائها (لحكمة)
لا تعرفونها، ومن المفروض ألا تعلمونها.
المحروسة
في الأربعاء 31 مارس 2004 م
___________________________________________________
(1) السبت 27 مارس 2004.
(2) قناة دريم 2 الفضائية –
برنامج (الحقيقة) – السبت 27 مارس 2004.
(3) الأستاذ الدكتور / رفعت
سيد أحمد، (جزاه الله خيرا علي وعيه ووطنيته وإيمانه وعلمه).
(4) الاستثمار هنا ليس من
الانتهازية المبغضة، وإن كانت الانتهازية كمصطلح في مفردات القاموس السياسي مقبولا
وجائزا وواجبا شريطة أن يكون في إطار المبادئ العامة.