قمة تونس
وما دهاها..؟!
بقلم : محمد أبو عزة
يقول الأقدمون إن اسم
"تونس" جاء من "الإيناس" و "الأنس" و
"المؤانسة" و "التأنس"...
وهذه الأخيرة نقيض
"التوحش" و "العصبية" وما ينشأ عنهما من "ملل" و
"نحل"...
ولا أظننا في حاجة إلى
علماء "لسانيات" و "بنيوية" لاستخراج الفارق أو المسافة بين
المدلول والمرجع، فما حدث في تونس في الأربع وعشرين ساعة الماضية غير مفهوم، وغير مقبول .
ومن الصعب أن نكون حياله
كالكيميائي الذي يراقب بحياد عملية مخبرية، ينتظر تفاعل وتعاضد أو تضاد العناصر،
ثم إن الذي يعّرض نفسه للزوابع عليه أن
يتحمل التراب والرمل والمخلفات التي تحط
على رأسه ..
وتونس أو رئيس تونس
تحديدا، هو الذي يقف الآن ليواجه الزوابع، لقد أعلن وزير خارجيته أنه تلقى قرارا
"سياديا" بتأجيل القمة العربية إلى أجل غير مسمى...
وهي كلمات مؤدبة قيلت
باقتضاب، وكان من الممكن أن يقال بصفاقة: إن القمة ألغيت بصورة نهائية.. لكن الشعب
التونسي يجنح إلى التهذيب الشديد عادة.
المهم أن الكلمات قيلت
بهذه الصورة، وأن وزراء الخارجية العرب أذعنوا للقرار "السيادي" بسهولة
ومن دون رفع حواجب،مع أنهم كانوا على وشك
التوصل إلى جدول لأعمال القمة بعد طول تجاذب وتشاد.. ومع ذلك فقد حملوا
أوراقهم وملفاتهم وخرجوا من الأبواب الخلفية إلى المطار..؟!
فهل من حق رئيس بلد مضيف
لقمة عربية، أن يلغي الاجتماع أو الاجتماعات "السامية"، ويخرق بفظاظة
القرار الذي اتخذته "قمة القاهرة" في خريف عام ألفين، والذي ينص على "انتظام"
اجتماعات القمة سنويا، في شهر آذار من كل عام، وفي المكان الذي يجري الاتفاق أو
التوافق عليه..؟
لقد عقد
"القادة" العرب قمة في "عمان" وثانية في "بيروت"
وانتقلت قمة "المنامة" إلى "شرم الشيخ" لأن عاصمة البحرين
شديدة القرب –جغرافيا- من العراق الذي كان
يٌجّر إلى النطع .. فهل من حق الرئيس التونسي
تأجيل الاجتماعات إلى "أجل غير مسمى" حتى من دون التشاور مع "أخوانه" من الملوك
والرؤساء والأمراء، أو مع وزير خارجيته الذي كان يدير اجتماعات وزراء الخارجية
العرب؟!.
والأعجب والأكثر إثارة
للاستغراب والتساؤل أن الرئيس التونسي الذي أعلن تأجيل القمة إلى "أجل غير
مسمى"، أعلن لاحقاَ تمسك تونس بـ "حقها" في تنظيم القمة العربية وعقدها على أرضها، ردا
على دعوة "مصر" و"اليمن" إلى عقد القمة في مقر الجامعة
العربية بالقاهرة في السادس عشر من نيسان
القادم..؟
فكيف يلغي القمة في بلاده،
ثم يتمسك بحق بلاده في عقدها!!
موقفان متباينان محيّران،
ولكن الحيرة تزول حين نلاحظ أن الرئيس التونسي لا يحدد في دعوته الجديدة موعداً
لعقد هذه القمة ..
إنه لا يريد لهذه القمة أن
تنعقد وحسب، لا في نيسان، ولا في أيار أو أي أيار آخر، فما هي غاياته ودوافعه؟!.
إن هناك قاعدة معروفة في
العلم الجنائي منطوقها: إن الذي يستفيد منها يفعلها...
والرئيس التونسي لا يستفيد من إلغاء القمة، ولا يريحه
سيل الإهانات الشخصية والشتائم التي لحقت به عقب القرار الذي اتخذه بخفة وتسرع..
ومن المؤكد بشكل عام أن
"الزين" ليس صاحب القدم التي ركلت طاولة القمة وهمشت النخبة العربية
السامية، وكأن مؤسسة القمة قرية نمل ؟!.
فمن هو صاحب هذه القدم..؟!
إن قمة الهرم العربي، أو
لنقل أن جزءا كبيرا من قمة هذا الهرم، كانت قد أخذت علما بأن القمة لن تنعقد، وقد
أشار إلى ذلك الرئيس "بوتفليقة" في حديثه مع إحدى الفضائيات العربية .
وإذا كان الرئيس الجزائري
قد امتلك الجرأة الأدبية ليقول ذلك، فإنه لم يقل إلا بعض الحقيقة، وليس كل
الحقيقة.
ولمعرفة كل الحقيقة يتوجب
أن نعود إلى مجريات الاجتماعات التي عقدها وزراء الخارجية العرب في إطار إعداد
جدول أعمال القمة العربية .
وأن نعود أيضا إلى رسالتين
هامتين خطيرتين وجهتهما "تل أبيب" و"واشنطن" قبل أسبوع واحد
على انعقاد القمة..
الرسالة الصهيونية تمثلت
في اغتيال شيخ الانتفاضتين وشيخ فلسطين الشهيد أحمد ياسين في الثاني والعشرين من
آذار.
و"إسرائيل" تعرف
أن اغتيال الشيخ لن يسهم في الحد من نشاطات حركة حماس، ولكنها كانت تريد نشر فوضى
معينة لدى قاعدة المقاومة العريضة وخلق
صراع بين قيادات الداخل والخارج في حماس، وإعلام القيادات العربية أن مصيرا مثل
مصير الشيخ ينتظرهم في أي فجر قادم.
ولعل القادة العرب قرأوا
حديث "يعلون": لم يعد هناك عالم عربي، لا يوجد شيء اسمه تحالف عربي،
هناك لاعبون، لكل منهم مصلحته الخاصة ..؟!
أما رسالة واشنطن إلى
القمة العربية فتمثلت في "الفيتو" الذي رفعته الإدارة الأمريكية في وجه
أعضاء مجلس الأمن، لمنعهم من إصدار قرار، أي مجرد
حبر على حبر، أو ورق على ورق، يدين إسرائيل لاغتيالها الشيخ أحمد ياسين..
على أرضية هاتين
الرسالتين، والزيارة التي قام بها الزين إلى واشنطن مؤخرا، والزيارة التي سيقوم
بها الرئيس مبارك والملك عبد الله الثاني خلال الأيام القريبة - قبل السادس عشر من نيسان- يمكن لنا أن نفهم لماذا أمطرت سماء اجتماعات
وزراء الخارجية العرب كل تلك "المبادرات"، سواء تلك التي تطلب من العرب نزع كل الأسلحة الموجودة
لديهم، والدخول حتى من دون ثياب إلى المحفل الأمريكي، أو إصلاح الجامعة العربية
بإعادة هيكلتها وبناء مؤسساتها بعد خمسين
سنة من خرابها، أو إصلاح العالم العربي المنقسم والمشوش والمتشظي على فرشة مشروع
الشرق الأوسط الكبير الصهيوني الأمريكي،
إلى آخر المشاريع.
ومع معرفة المواطن
الفلسطيني والعربي أن مؤسسة القمة لم تعد تلك المؤسسة التي تفرض احترامها على
المجموعة باعتبارها الأعلى للكيانات العربية، وأن
النظام العربي لا يرغب في المجاهرة بمواقف قوية تزعج أمريكا، فإنه كان يأمل
بأن دماء الشيخ الجليل المُقعّد التي سالت عند درجات الجامع فجر الثاني والعشرين من آذار، سوف تبعث بعض النخوة في
رؤوسهم، وتجعلهم يغضبون بعض تلك الغضبة المضريّة النزارية العدنانية القيسية..
ويرفعوا أصواتهم بـ
"الشجب" و"الإدانة" و" الاستنكار" على الأقل للجريمة النكراء وكل الجرائم التي سبقتها
وتلتها، ويقرروا "علنا" أو
"سرا" دعم المقاومة الباسلة، هذه الشجرة المباركة الضارب أصلها في أعماق
الأرض والسامق الشامخ فرعها في السماء0..
ولكن القدم الأمريكية –
الصهيونية ركلت طاولة القمة، وداست بيت النمل، فتفرق مذعورا يبحث عن ثقب في الأرض
يحتمي فيه..؟1
وغالبية أعضاء القمة
الكبار أخذوا علما بالإجراء الأمريكي، ولذلك اعتصموا بالصمت، وتركوا زميلهم
"الزين" يتحمل الوزر..
أي جرح أبلغ من هذا؟ وأية
هوة أو داهية أعمق من هذه؟!
على كل حال، نحن من جيل
عربي عاش رد مجاهدي القدس في شارع بن يهودا على جريمة إسرائيل في سراي الحكومة في
يافا .
ونحن من جيل عربي شهد
تحرير خمس مغتصبات صهيونية على يد مجاهدي الخليل في ساعات قليلة..
ونحن من جيل عربي شهد
الشهيد البطل عبد القادر الحسيني يحرر القسطل وشهد صمود القرى الثلاثة:
"جبع" و"اجزم" و"عين غزال" ستة أشهر في وجه جيوش "إسرائيل" اللجبة،
وشهد تحرير مغتصبة "مشمار
هايردن" على ظهور الخيل وهي الواقعة في أمنع المواقع الجبلية في الجليل، وشهد الانتفاضتين وقبلهما وما بينهما .
شهدنا ذلك في أوج الضعف
العربي، وأوج القوة "الإسرائيلية" ، أي شهدنا التفوق العربي على الرغم
من ضعف الإمكانيات العربية ..
ولكل ذلك فإننا لن نطالب
القمة العربية – إذا انعقدت- بأكثر من أن تقرأ وصية الشيخ أحمد ياسين التي كتبها
بالدم، وأن ترفض المشاركة في شد وثاق المقاومة
لتتمكن "إسرائيل" من ضربها .
ثم، لقد ذهب الزمان الذي كان شد وثاق المقاومة أمراً ممكناً
ذهب ذلك الزمان الردئ، ولن
يعود.