"ذلكَ ما كنَّا نَبْغِ"!
بقلم :د. محمد سليم العوا
الشهادة في سبيل الله هي
الأمنية الكبرى التي كان الشيخ أحمد ياسين يتمناها لنفسه. وحياته الزاهدة المتقشفة
أكبر دليل على ذلك، وقول ابنته مريم في
حوارها مع موقع "إسلام أون لاين" يوم الخميس 25/3/2004 شهادة حية
على هذا الزهد، قالت:"إن الشيخ كان يعيش في بيت متواضع جداً، يتكون من 3 غرف، وفي البيت شبابيك كتير (تعبانة!). أبي
كان لا يحب الدنيا، كان يحب بيوت الآخرة، عرض عليه كثيراً أن يكون له بيت مثل
بيوت الرؤساء. عرض عليه من السلطة بيت ضخم
في أرقى أحياء غزة، ولكنه رفض العرض لأنه يريد الآخرة ولا يهتم بهذه الشكليات
الدنيوية". ووصفت البيت بأن
"مساحته ضيقة. لا يوجد فيه بلاط. المطبخ متهتك جداً. في الشتاء بارد جداً.
والصيف حار جداً. لكنه لم يفكر مطلقاً في تجديد
البيت لأنه كان مشغولاً في تجهيز بيته في الآخرة".
كان هم أحمد ياسين الوحيد
هو مقاومة العدو الصهيوني. واستطاع من موقعه المتميز بعدم القدرة على الحركة
وحيداً - منذ كانت سنه 14 سنة- أن يحرّك
شعبه كله، والشعوب العربية والإسلامية معه، وأن يحرك العدو الصهيوني بكل آلات حربه
الجبارة وكل الدعم الأميركي الظالم له. حرَّك شعبه وشعوب العروبة والإسلام لتعلم أن العجز ليس
قدراً محتوماً على أحد. وإذا كان الفرد الواحد قادراً على هزيمة عجزه، فإن الأمة
أقدر على ذلك من كل فرد وحيد أعزل!
وحرّك العدو الصهيوني حتى
جعل همَّ حكومته وجيشه وأجهزة أمنه أن تنال منه، في غدوة أو روحة إذ رأته أهم
أعدائها وأخطرهم عليها وهو، لا سلاح له إلا
سلاح الكلمة الصادقة المخلصة يحرك بها آلاف المجاهدين وملايين المحبين من
أقصى الأرض إلى أقصاها. وحرَّك الأميركيين الذين يقفون، بكل ما ملَّكهم الله من زينة الأرض وزخرفها، وراء الصهاينة
الإسرائيليين، فكشف كذبهم وهوانهم على أنفسهم وتفاهة ما يدعونه من مبادئ عندما لم
يجرؤوا على إدانة اغتياله وهو أعزل خارج
من صلاة لا يصحبه إلا ولداه (اللذان أصيبا معه) وثلة من محبيه المؤمنين، فمنهم من
قضى نحبه ومنهم من ينتظر.
وهكذا كشف أحمد ياسين حياً
العجز العربي الرسمي، والقوة العربية الشعبية(!) وكشف شهيداً حقيقة الانهزام
الإسرائيلي أمام المقاومة الفلسطينية
الصامدة، وحقيقة التواطؤ الأميركي الذي حول الولايات المتحدة إلى شيطان
أخرس!
استشهد أحمد ياسين بعد
صلاة الفجر، على إثر اعتكافه الليلة السابقة في المسجد، وأصبح صائماً، فلقي الله
على أحسن حال يتمنى المؤمن أن يلقى الله عليها،
بريء الذمة من الفرائض، راجياً ثواب الاعتكاف، صائماً لله تعالى ليفطر عنده
على موائد الملائكة المقربين الذين يستقبلون الشهيد مع النبيين والصديقين والصالحين، ومن أحسن من هؤلاء رفيقاً؟
استشهد أحمد ياسين في
الوقت الذي استشهد فيه أميرا المؤمنين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله
عنهما، فقد طعن عُمَر وهو في صلاة الفجر
الطعنة التي أودت بحياته، وضرب عليٌّ وهو في طريقه من بيته إلى المسجد
ليصلي الفجر، وهو ينادي الناس -كما كان يفعل دائماً- "أيها الناس: الصلاة، الصلاة"!
ولما بكت ابنته أم كلثوم
قال لها اسكتي(!) فلو ترين ما أرى لما بكيت. قالت يا أمير المؤمنين، ماذا ترى؟
قال: "هذه الملائكة وفود، والنبيون،
وهذا محمد صلى الله عليه وسلم، يقول لي: يا علي، أبْشِر، فما تصير إليه
خيرٌ مما أنت فيه"! وهو مصداق الحديث النبوي: أنه ما من أحد يموت فيتمنى أن يرجع إلى الأرض ثم يموت ثانيةً، إلا
الشهيد، لعِظَمِ ما يرى من الكرامة. استشهد أحمد ياسين فوحَّد دمه الطاهر المقاومة
الفلسطينية كلها على العدو والمرابطة في
مواجهة العدو الصهيوني الغاصب حتى يندحر ويهزم بإذن الله.
استشهد أحمد ياسين فلم ينل
غيابه من قدرة حماس ولا قوتها، بل زادها وحدة وتماسكاً، ولم تمض ساعات حتى كانت
القيادة الجديدة قد تولت زمام الأمور وكأن
شيئاً لم يكن، فهؤلاء الذين رباهم أحمد ياسين ليسوا طلاب زعامة ولا متكالبين
على مناصب، لكنهم طلاب شهادة وحملة رسالة أسمى أمانيهم أن يموتوا في سبيلها وأسعد أحوالهم أن يكونوا جنوداً في صفوف
العاملين لأجل نصرتها. والذين يعرفون حقيقة حماس -وقليل ما هم- يعرفون أنها لا
يديرها عقل فرد ولا رأي قائد واحد، وإنما
هي جماعة مؤسسات لكل منها نظامها المحكم في مرونة تجعله قابلاً لمواجهة أقسى
الظروف وأشق المواقف. وهي ليست مؤسسة
لأعضائها فقط، وإنما هي مؤسسة يقف وراءها من الشعب الفلسطيني قوة هائلة من مختلف
توجهاته وفئاته، تقف وراءها وتقف وراء قوى المقاومة كافة، جميع القلوب والعقول التي تعرف أن هذا
العدو الصهيوني لا يفهم إلا اللغة التي يحسنها: لغة القوة المزلزلة والألم
المستمر، يريد أن يلحقه بالشعب الفلسطيني
فإذا ألحقته المقاومة به هو عرف أثره وأدرك خطورته وتلفت حوله بحثاً عن مخرج. وليس
أدل على الشعور بالضعف في مواجهة المقاومة
الفلسطينية من اغتيال الصهاينة للشيخ أحمد ياسين، ومن الصمت الأميركي
المخزي إزاء هذه الجريمة ومن التآمر في مجلس الأمن، والتهديد "بالفيتو"
لئلا يصدر قرار يدين ارتكابها!
واستشهد أحمد ياسين وقد
ترك رسالة مكتوبة إلى القمة العربية التي ألغت اجتماعها في العاصمة التونسية. كان
ينوي أن يسجل هذه الرسالة بصوته وصورته
ويرسل شريطها إلى الملوك والرؤساء العرب، لكن الانتقال إلى ما هو خير وأبقى جاءه
في وقته فأعجله عن أن يفعل. ومع ذلك فإن النص الذي نشر لهذه الرسالة - الوصية، سيبقى حجة عليهم
حتى لو لم يجتمعوا، وهو حجة على الذين ذهبوا إلى تونس وعلى الذين لم يذهبوا. سيقال
لهم، ولكل واحد منهم، يوم القيامة: ماذا
فعلتم في وصية الشيخ الشهيد؟
- هل أوقفتم التطبيع مع
العدو الصهيوني بجميع أشكاله؟
- هل أغلقتم سفاراته
وقنصلياته ومكاتبه التجارية وكل صور الاتصال معه؟
- هل أعلنتم موقفكم
-الواجب أن تتخذوه وتعلنوه- من الجهاد لتحرير فلسطين وأنه حق مشروع لشعبها وفرض
عين على كل مسلم حتى تتحرر أرضها؟
- هل أبديتم تأييداً للشعب
الفلسطيني الذي يخوض ببطولة فائـقة مـعركة غير متكافئة –مادياً- ومفروضة عليه
فرضاً، ولو كان ذلك التأييد معنوياً؟
- هل قدمتم يد العون
الاقتصادي للشعب الذي حال العدو الباطش بينه وبين كل وسائل الكسب والعيش؟
- هل وظفتم الطاقات
الهائلة التي تسيطرون عليها لخدمة قضية وطن سليب وشعب يباد وحرمات تنتهك ومقدسات
هي قيد الهدم أو قاب قوسين منه؟
وكل هؤلاء الملوك والرؤساء
والزعماء... إلخ مطالبون، واحداً واحداً، بأن يعدوا الجواب لهذه الأسئلة -
ونظائرها - بين يدي الله تعالى، فإنهم،
كلهم، آتيه يوم القيامة فرداً(!)
نقلا عن صحيفة الاتحاد الإماراتية