بين قمتين

 

 

 

بقلم :محمد كريشان

 

في خضم الاستعداد لقمة تونس المجهضة كان زملاء صحافيون كثر قد وصلوا لتوهم إلي العاصمة التونسية قادمين من الضفة الشمالية الأخري للمتوسط حيث حضروا في بروكسيل القمة الأوروبية فوقفوا علي فروقات مهولة بين أجواء هذه وتلك علي أكثر من صعيد لا سيما ذلك البون الشاسع الذي يفصل بين عقليتين في التعامل مع الصحافيين سواء من قبل المنظمين أو المسؤولين.

 

لنبدأ منذ البداية فالصحافي هناك محترم لأنه أحد صناع الرأي العام في بلاده وأحد المؤثرين فيه، تحميه وتدافع عن كرامته اتحادات قوية ونقابات ذات نفوذ في مجتمع تعددي صمام أمانه المؤسسات وهيبة القانون، أما عندنا فالصحافي عموما شخص مزعج غير مرحب به ولا يخرج في الغالب عن أحد تصنيفين قسريين: موال مضمون أو معاد مشبوه. هذا الوضع ينعكس تلقائيا في كثير من الحالات علي كيفية تعامل رجال الأمن معهم مثلا فهؤلاء لا يتورعون أبدا علي دفع الصحافيين إذا ما تجمهروا حول هذا الوزير أو ذاك الذي وصل لتوه إلي مقر الاجتماع أو خرج منه، وأحيانا بأسلوب لا يخلو من خشونة. قد يفهم هذا التصرف من قبل المشرفين علي حماية النظام وأمن هذه الشخصيات إذا كان الوزير لا يريد الحديث ومع ذلك يضايقه الصحافيون بإلحاحهم المعروف أما أن يكون الوزير راغبا في الإدلاء برأي أو موقف ويتوقف ليتجمهر حوله المراسلون فيقع التصرف معهم بهذا الشكل فأمر تصعب استساغته. في القمم الأوروبية يضطر الصحــــافيون ، وخاصة المصورين، للوقوف وراء حواجز رمزية تنظم انتظارهم علي الرصيف فيقبل عليهم من يقبل ويبتسم لهم مارا من يبتسم ويتجاهلهم من يتجاهل... بكل سلاسة وروح رياضية فتعامل المسؤول مع الصحافة في النهاية مسألة تتم بالتراضي ولا ينفع معها لا تدافع غير مهذب ولا زجر في غير محله.

 

المسؤول الأوروبي بدوره مختلف فهو في تعاطيه مع الصحافيين حريص علي ربــــط الجسور معهم وبناء علاقات الثقة والندية بعيدا في الغالب عن معادلة الولاء أو العداء المتعسفة، وهو في كل ذلك أحرص ما يكون علي إيصال موقفه وتسويق رؤاه بالشرح والتحـــليل ومحاولات الإقناع الجاد البعيدة عن أسلوب الدعاية الممجوجة المخلوطة باستصغار ذكاء المواطن وحقه في المعلومة الدقيقة والرأي المسنود... أما عندنا فما زال المسؤولون للأسف يعرضون ذات البضاعة المضروبة ويرغبون من وسائل الإعلام أخذها علي علاتها بلا تمحيص أو مجادلة وإن فعل فسيبدو الأمر وكأن الصحافي مهووس بالبحث عن العثرات وتصيد الهفوات رافضين اعتبار ذلك في نهاية التحليل جزءا من مهنية كل من يري نفسه جديرا بصفة الصحافي التي يحملها. وإذا ما استثنينا المؤتمرين الصحافيين المشتركين لكل من الأمين العام لجامعة الدول العربية ووزير الخارجية التونسي ـ بغض النظر عما جاء فيهما ـ المناسبتين الوحيدتين اللتين جمعتا معشر الإعلاميين في اجتماعات تونس بالوزراء في وقت فضل فيه كثير من الوزراء الصمت أو الجلوس فقط مع صحافيي الوفد الرسمي لبلادهم بحيث لم يبق من المنطلقة ألسنتهم إلا القليل وبدرجات متفاوتة من أمثال الدكتور نبيل شعث أو فاروق القدومي أو هوشيار زيباري فيما فضل المسؤولون التونسيون سياسة إصدار البيانات أو الحديث فقط في تلفزيونهم الرسمي مع عدد محدود من الصحافيين.

 

لقد بات تعامل المسؤولين مع الصحافة والصحافيين فنا قائما بذاته تقام له الدورات التدريبية بإشراف خبراء ومختصين حتي يتقن صاحب القرار المحنك كيف يتحدث إلي الصحافة ومتي ، حتي يصل في النهاية إلي أعلي درجات التحكم في تسويق سياسات بلاده بكثير من الفطنة واللباقة وحتي يعي بالضبط متي يصمت ومتي يتكلم وبأية مفردات وإلي أية وسيلة إعلام بالضبط لأن بضع كلمات مدروسة في دقائق معدودات إلي تلفزيون واسع الانتشار أفضل ألف مرة من ساعات طويلة في تلفزيون رسمي لا يشاهده أحد... وبضع كلمات في جريدة دولية أشد وقعا من صفحات طويلة في جريدة مهزوزة السمعة والرصيد.

 

هذا بعض الفرق بين ضفتي المتوسط ذلك أن الفروقات لا تقاس دائما بمعدلات التنمية ونسبة دخل الأفراد ومدي اتساع الرفاه الاجتماعي بل بما هو أقل من ذلك بكثير وبتكلفة محدودة لا تتجاوز بعض الجرأة والإقدام علي مواجهة الإعلام بلا عقد أو أحكام مسبقة بعيدا عن أسلوب انتظار التعليمات أو الخوف من التبعات الذي كبل الرجال وأفقدهم الكثير من الاحترام لشخوصهم قبل أن يكون للسياسات التي يلتزمون بها.