التكامل والتوازن في بناء الشخصية في الإسلام
بقلم : د. يحيى هاشم حسن فرغل
yehia_hashem@ hotmail .com
على
وجه الإجمال : فإن الشخصية المرسومة بهدي الله ، تتكامل وتتوازن بالضرورة في
مجموعها من ناحية وفي علاقتها بالشريعة من ناحية أخرى ، فالله واضع الشريعة هو
بارئ الشخصية الإنسانية وخالق نزعاتها المختلفة ، ولذا كانت لغة الدين - إن الدين
عند الله الإسلام - مقبولة لدى مختلف جوانب الشخصية ، وكانت تعاليمه متسقة
معها جميعا ، فهو من ثم لا يخاطب في الإنسان قوة دون أخرى فيقع من ثم في صراع مع
القوة التي يهملها ، وإنما هو يتوجه إلى " الإنسان " ، وهذا معنى قوله
تعالى { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ
حَنيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْديلَ لِخَلْقِ
اللَّهِ ذَلِكَ الدّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمونَ } 30
الروم ، وقد قيل ( إن الله عز وجل أسس دينه على مثال خلقه ) الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص 45، وهذا يعني أن الإسلام
يلتقي مع الشخصية الإنسانية في قواها المختلفة ويتعامل معها جميعا ، ذلك أن هذه
القوى – أو الجوانب – مرتبط بعضها ببعض ، ويؤثر بعضها في بعض .
وعلى
وجه التفصيل نقول : إن جوانب الشخصية التي نستخلصها من جملة تعاليم الإسلام ، جاءت في
ثلاث مجموعات :
المجموعة الفطرية : في الجانب الجسدي ،
والوجداني ، والعقلي ، والنزوعي ، والإرادي .
المجموعة
الاكتسابية : وتتناول جانب التعامل مع البيئة المادية ، والتعامل مع البيئة
الاجتماعية
المجموعة
الإيمانية : وهي تشمل ما يمكن أن نسميه الجانب الكوني والزمني ……….
ولا
يصح لأحد أن يتصور أن هذه الجوانب تأتي بغير حدود عليها : إنها في الإسلام محدودة
ابتداء .
إن
الحدود المقررة من الحلال والحرام ، والمكروه والمندوب ، والواجب والمسنون ، والفروض والنوافل ، وغيرها من الحقوق
والواجبات المتصلة بهذه الجوانب تعني إقرارا لهذه الجوانب في مجموعها .. ، وليس
انتقاصا منها ، أو اختزالا لأطرافها ، وبعبارة أخرى : إن
هذه الحدود ليست إلا تعبيرا عن تحقيق التناسق والتكامل بين هذه الجوانب : إنه
تحقيق الصفة الثانية من صفات الشخصية " التوازن " الذي لا تستقيم
الشخصية ولا يتحقق لها السوية بدونه .
إن الحدود التي نرى عليها هذه الجوانب هي في النهاية تحقيق للشخصية ،
وفي نهاية النهاية : تحقيق للشخصية في التصور الإسلامي .
ولندلل
على ذلك تفصيلا نسوق بعض الأمثلة .
إنه
وقد اعترف الإسلام للجانب الجسدي بأهميته وضرورته
واحترامه لم يتركه دون أن يكون على علاقة سوية مع الوجدان
… فقد كف عنه الوجدان في حال مغالاته وحمقه .. منع عنه شهوة المرء إلى شرب الخمر ،
- مثلا – لأن فيه اعتداء على جسده ..
وكفه
عن الوجدان في حال ضعفه وانهزامه .. فعلى الغاضب – مثلا – والغضب حالة وجدانية ..
أن يعالج ثورة الدم في جسده بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم أو بما يستنفد
ثورته في حركة لا تضر .
ففي صحيح البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول
الله قال : ( ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد الذي يملك
نفسه عند الغضب . ) وله بسنده عن سليمان بن صرد قال : ( استب رجلان عند النبي ونحن
عنده جلوس وأحدهما يسب صاحبه مغضبا ، قد احمر وجهه ، فقال النبي : " إني لأعلم كلمة لو قالها
لذهب عنه ما يجد ، لو قال : أعوذ بالله من
الشيطان الرجيم " )
وفي
كتاب الجامع لمعمر بن راشد الأزدي بسنده عن الحسن قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الغضب جمرة توقد في قلب ابن آدم ،
ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وإلى احمرار عينيه ،
فإذا وجد أحدكم ذلك فإن كان قائما فليقعد
، وإن كان قاعدا فليتك "
. قال : وقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم " ما جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ كتمها رجل ، أو جرعة صبر عند
مصيبة ، وما قطرة أحب إلى الله من قطرة دمع من خشي الله ، وقطرة دم في سبيل
الله . )
وحقق
الإسلام للجسد تساوقا واتزانا مع الجانب الاجتماعي
في الإنسان ، فجسد المسلم يستحق التكريم والرعاية من مخالطيه في صحته ومرضه وموته ،
كذلك وهو يستهدف للعقوبة في حال ارتكابه لجرائم اجتماعية مثل جريمة السرقة ، أو
جريمة الزنا ، وهو من حقه ألا يتعرض للمشقات التعسفية الزائدة على حد الجريمة ،
ماديا أو معنويا ، والتي يقدر على إيقاعها به الأقوياء تشفيا أو تحمقا أو استهتارا .
ففي
السنن الكبرى للنسائي - في قصة اعتراف
ماعز بالزنا - بسنده عن أبي هريرة ، أنه
بعد إصراره على هذا الاعتراف قال للنبي صلى الله عليه وسلم : " أريد أن
تطهرني " ، فأمر به أن يرجم فرجم ، فسمع النبي رجلين من أصحابه يقولان : انظروا إلى هذا الذي ستره ثم لم تقر نفسه حتى
رجم رجم الكلب ، وذكر كلمة بمعناها ، فرأى – أي رأى
النبي صلى الله عليه وسلم - جيفة حمار قد
شغر برجله ، فقال إلى فلان وفلان : " ادنوا فكلا من جيفة هذا الحمار " ،
قالا : " غفر الله لك أتؤكل جيفة ؟ "
قال : " فالذي نلتما من
أخيكما أعظم من ذلك ، والذي نفسي بيده إنه لفي أنهار الجنة ، يتغمس فيها "
وفي
حديث الغامدية فيما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أنه
جاءت الغامدية فقالت : يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني ، وإنه ردها فلما كان الغد
قالت : يا رسول الله لم تردني لعلك أن تردني كما رددت ماعزا فوالله إني لحبلى ،
قال : إما لا فاذهبي حتى تلدي ، فلما ولدت
أتته بالصبي في خرقة ، قالت : هذا قد ولدته ، قال: اذهبي فأرضعيه ، حتى تفطميه ،
فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت : هذا يا نبي الله قد فطمته ، وقد
أكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها ، فيقبل خالد بن الوليد
بحجر ، فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه
خالد فسبها ، فسمع نبي الله سبه إياها ، فقال :
مهلا يا خالد ، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ،
ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت.
فانظر
كيف تكون العقوبة بدافع وإصرار ممن تقع عليه للتطهير ، ثم انظر كيف يقوم الحاجز
الفاصل بينها وبين الراغبين في التعدي بالمزايدة والكراهية ، ولو كان خالد بن
الوليد .
*****
وحقق
الإسلام للجسد تساوقا واتزانا مع البعد الزمني للشخصية
، فآدم من طين وجسد منذ خلقه الأول ، وطاعته تبادلت التأثير والتأثر مع هذا الجسد
، والإنسان في قبره مكرم ، والإنسان في آخرته يشرب من عين كانت سلسبيلا .
وحقق الإسلام للجسد تساوقا واتزانا مع الجانب العقلي في الشخصية ، فليس
في الإسلام ذلك النوع من الرهبانية أو الحرمان أو التعذيب الذي يدعي أصحابه أنه
يصل بهم إلى المعارف العليا ، والإنسان يستغل معارفه العقلية لكسب الجاه والمتعة الحلال ،
كما يكون عليه أن يستغلها لكسب رضا الله .
ففي
شعب الإيمان للبيهقي بسنده عن إبراهيم عن علقمة قال : ( كنت أمشي مع عبد الله بن
مسعود فلقيه عثمان بن عفان بمنى فجعل يحدثه ، فقال له عثمان : " يا أبا عبد
الرحمن ألا نزوجك جارية شابة ، لعلها
تذكرك بعض ما مضى من زمانك " ؟ فقال عبد الله : " أما لئن قلت ذاك لقد قال لنا رسول
الله : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض
للبصر، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، فان الصوم له وجاء " . رواه مسلم في الصحيح عن يحيى
بن يحيى ، وغيره عن أبي معاوية ، وأخرجه
البخاري من وجه آخر .
وفي
صحيح البخاري بسنده عن حميد بن أبي حميد الطويل ، أنه سمع أنس بن مالك رضي الله
تعالى عنه يقول : ( جاء ثلاثة رهط إلى
بيوت أزواج النبي يسألون عن عبادة النبي
، فلما أخبروا كأنهم تقالوها ، فقالوا : وأين نحن من النبي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ،
قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا ، وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر ،
وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج
أبدا ، فجاء رسول الله فقال : أنتم
الذين قلتم كذا وكذا ، أما والله إني لأخشاكم لله
وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني . )
قال البيهقي في شعب الإيمان : ورويناه من وجه آخر عن النبي "
من أحب فطرتي فليستن بسنتي ومن سنتي النكاح "
وللبيهقي
في شعب الإيمان بسنده عن عطية بن بشر
المازني قال : جاء عكاف بن وداعة الهلالي إلى رسول الله
فقال له رسول الله : يا عكاف ألك زوجة ؟
قال : لا ، قال : ولا جارية ؟ قال : لا ، قال : أنت صحيح موسر ؟ قال : نعم والحمد
لله ، قال : فأنت إذا من الشياطين ،
إما أن تكون من رهبانية النصارى ، فأنت منهم ، وإما أن تكون منا فتصنع كما نصنع ،
فان من سنتنا النكاح ، شراركم عزابكم ،
وأراذل موتاكم عزابكم ، أبا لشيطان تمرسون ؟ ماله في نفسه سلاح أبلغ في
الصالحين من الرجال والنساء ، إلا المتزوجون المطهرون المبرؤون من الخنا ، ) إلى
أن يقول : ( ويحك ياعكاف ، تزوج ، فإنك من
المذنبين . قال عكاف : لا أتزوج يا رسول الله حتى تزوجني من شئت . فقال: زوجتك على
اسم الله والبركة كريمة بنت كلثوم الحميري
. ) .
وفي مجال التوازن بين الجانب الجسمي والعبادي يقرر الإسلام : سقوط فرض الوضوء
عندما يكون استعمال الماء مضرا بالصحة الجسدية ، أو عند ما يؤدي استعمال الماء إلى
تأخر شفاء المريض أ أو زيادة مرضه ، فهنا يكون للجانب العبادي فرصة الوفاء بحق
الجسد ، والتعويض عنه بالتيمم . وعلى نفس
النسق : سقوط فرض الوضوء إذا كان على الماء عدو مخيف أو حيوان مفترس .. وعدم جواز
التوضؤ أو الاغتسال إذا كان المرء في حاجة إلى الماء لشربه أو لطبخ طعامه أو شرب
دابته ..
ومن هذا التوازن ما روي أنه : إذا اشتكى المسلم من
وجع في جسده فإنه يضع يده على موضع الألم ثم يقول ( بسم الله - ثلاث مرات - ، أعوذ
بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر : - سبع مرات - ) رواه مسلم
.
وإذا
رأى وجهه في المرآة قال : ( اللهم أنت حسنت خَلقي فحسن خُلقي ) رواه ابن حبان .
وإذا
توجه للنوم قال : ( اللهم أسلمت وجهي إليك ، وفوضت أمري إليك ، وألجأت ظهري إليك ،
رغبة ورهبة إليك ، لا ملجأ ولا منجى إلا إليك ، آمنت بكتابك الذي أنزلت ، وبنبيك
الذي أرسلت ) أخرجه البخاري ومسلم .
وإذا
أصابه أرق قال : ( اللهم غارت النجوم وهدأت العيون ، وأنت حي قيوم ، لا تأخذك سنة
ولا نوم ، يا حي يا قيوم ، اهد ليلي ، وأنم عيني
) رواه ابن السني .
وعند
ما يقوم من نومه يقول : (الحمد لله الذي خلق النوم واليقظة ، الحمد لله الذي بعثني
سالما سويا ، أشهد أن الله يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ) رواه ابن السني .
وعند
دخول الخلاء يقول : ( اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث ) رواه الشيخان .
وعند
الخروج منه يقول : ( الحمد لله الذي أذاقني لذته ، وأبقى فيَّ قوته ، ودفع عني
أذاه ) رواه الطبراني ، وابن السني .
وعند
شروعه في الأكل يقول : ( اللهم بارك لنا فيما رزقتنا ، وقنا عذاب النار، بسم الله
) رواه ابن السني . وإذا فرغ من طعامه يقول
: ( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ) رواه أبو داود والترمذي
.
وعندما
يلبس ثوبا سماه باسمه ، ثم يقول : ( اللهم إني أسألك من خيره وخير ما هو له ،
وأعوذ بك من شره وشر ما هو له ) رواه ابن السني .
في كل ذلك ورد من
الدعاء المأثور ما من شأنه أن يعقد صلة
التكامل والتوازن بين كل حالة من حالات الجسد وبين حالة الإيمان .
وفي ضوء التكامل والتوازن بين الجانب الجسدي والإيماني نزداد فهما لما
يقوله الحكيم الترمذي فيما يقبل عليه المسلم من أركان الصلاة وشعائرها المختلفة : ( فإذا انتصب قائما فبإقبال العبد
على قيوميته ، وإذا كبر فبإقباله على كبريائه ، فإذا نزهه وأثنى عليه فبإقباله على
سبحان وجهه الكريم ، فإذا تعوذ فبإقباله على ركنه الشديد ، فإذا تلا فبإقباله على
جوده وكرمه ، فإذ ركع فبإقباله على عظمته ، فإذا سجد فبإقباله على التعلق به ،
فإذا جثا على ركبتيه فبإقباله على صمديته ) .
وفي
هذا المعنى يقول أستاذنا الدكتور محمود حب الله رحمه الله : ( ولاشك أن المظاهر المادية والعمل بما توحي به العقيدة من أكبر
العوامل التي تساعد على بقائها وعلى نشرها ، وكلما كانت المظاهر متكررة
بتكرر الأوقات والأيام كان ذلك أدعى إلى بقاء العقيدة ودوامها ، فالصلاة مثلا وهي
أحد المظاهر الفعلية للإيمان بالله لا تنحصر غايتها في تربية ملكة الخضوع وإيجاد
خلق التدين عند الإنسان فحسب ، ولكنها تهدف وراء ذلك إلى تثبيت العقيدة في نفوس
المعتقدين ، وإلى ضرب الأمثال لهؤلاء الذين لا يعتقدون ، رجاء أن تلين قلوبهم لذكر
الله ، وتدفعهم غريزة حب الاستطلاع إلى البحث والنظر … ، وذلك أمر طبيعي يجد ما يشهد له في علم
النفس ، فالإنسان أميل بطبيعته إلى الأديان ذات الشعائر منه إلى غيرها : لأن
الأولى ترضي كل قواه النفسية والعملية ، وأما حياة التأمل والتدبر وحدها فلا تشبع
الرغبات الإنسانية ) أنظر كتابه
( الحياة الدينية ، والعقيدة الدينية)
ومن هذا التكامل والتوازن ما بين جوانب الشخصية بعامة أو الجانب
الإيماني والجسدي بخاصة ما يحلو للبعض أن يسميه " وسطية " [1] : ففيما رواه
البخاري ومسلم بسنديهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : ( كنت أصوم الدهر
، وأقرأ القرآن كل ليلة ، فإما ذكرت ذلك للنبي ، وإما أرسل إلي َّ فقال : ألم أخبر
أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة ؟ فقلت : نعم ، بلى يا نبي الله ، لم أرد
بذلك إلا الخير ، قال : فإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، قلت : يا نبي
الله إني أطيق أفضل من ذلك ، قال : إن لزوجك عليك حقا ، ولزورك عليك حقا ،ولجسدك
عليك حقا ، فصم صوم نبي الله داود ، فإنه
كان أعبد الناس ، قلت : يا نبي الله وما صوم داود ؟ قال : كان يصوم يوما ويفطر
يوما ، واقرأ القرآن في كل شهر ، قلت : يا
رسول الله فإني أطيق أفضل من ذلك ، قال : فاقرأه في كل عشرين ، قلت : يا نبي الله
فإني أطيق أفضل من ذلك . قال : فاقرأه في كل عشر . قلت : يا نبي الله إني أطيق
أفضل من ذلك . قال : فاقرأه في كل سبع ، ولا تزد ، فإن لزوجك عليك حقا ، ولزورك
عليك حقا ، ولجسدك عليك حقا ، فشددت عليَّ ، وقال لي النبي صلى الله عليه وسلم :
إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر ، فصرت إلى الذي قال لي النبي صلى الله عليه وسلم ،
فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله صلى الله عليه وسلم . ) رواه البخاري
ومسلم .
وفي التوازن مع الجانب الوجداني نكتشف اتساقه وتوازنه مع الجوانب
الأخرى :
فعواطف
المسلم متوازنة مع تدبير عقله ، وتدبير عقله متوازن مع عاطفة إيمانه .،
وعواطف المسلم ووجداناته تجد المجال فسيحا صحيا
في أنواع النشاطات الاجتماعية حول الأسرة والوطن والمجتمع .
وعواطف
المسلم تجد أنواعا من التعبير مختلفة في ممارسته لأنواع من العبادات مختلفة ،
وتتأيد هذه العبادات وتؤتي أكلها إذا ما استثيرت لها الوجدانات والعواطف .
وعواطف
المسلم ترتبط في صورة شيقة أو مزعجة مع الامتداد الزمني لشخصيته ، مع حياته في
ماضيه ، في أصلاب أجداده ، ومع حياته في مستقبله في حواصل طير خضر ، وعلى الأرائك
في جنات النعيم ، وفي درك أسفل في نار الجحيم .
ومما يدل على بعض ما تقدم : ما روى البخاري
بسنده عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال ( إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي ، كراهية أن أشق على أمه )
وله
بسنده عن أنس بن مالك يقول : ( ما صليت
وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من النبي ،
وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه )
وفي التوازن بين الجانب الوجداني والجسمي يقول الحكيم الترمذي في الصلاة
وأفعالها التي تؤدي بالجوارح : ( فبالوقوف يخرج من الإباق ، وبالتوجه إلى القبلة
يخرج من التولي والإعراض ، وبالتكبير يخرج من الكبر ، وبالثناء يخرج من الغفلة ،
وبالتلاوة يجدد تسليما للنفس وقبولا للعهد ، وبالركوع يخرج من الجفاء ، وبالانتصاب
يخرج من الخسران وبالسلام يخرج من الخطر العظيم ).
ومن
ذلك ما جاء في الصوم : فيما رواه مسلم بسنده عن أبي صالح الزيات أنه سمع أبا هريرة
رضي الله تعالى عنه يقول : ( قال رسول
الله : قال الله عز وجل " كل عمل بن
آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به " والصيام جنة فإذا كان يوم صوم
أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب ، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم ،
والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك ،
وللصائم فرحتان يفرحهما ، إذا أفطر فرح بفطره ،
وإذا لقي ربه فرح بصومه ) . وهنا يرتبط في
الشخصية : الفرح بالمشقة ، والسعادة بالحرمان ، أو بتعبير أدق : يتم التوازن
بينهما ، فليست السعادة إشباعا مستمرا ، أو حصولا على الشهوات بغير انقطاع ، وإلا
فقدت معناها ، وفقد الإنسان الشعور بها ، ومن هنا كان مبدأ تحريم الشجرة على
آدم عليه السلام ، كذلك يرتبط في الشخصية
الشعور بالسعادة بالعمل لوجه الله تعالى ، وهو إنما يتحقق له هذا الشعور بارتباطه
بالخلود بين يدي الله تعالى .
وفي التوازن مع الجانب العقلي
نجد العقل في موضعه الصحيح في بناء الشخصية الإسلامية وفقا للنظرة
التكاملية المتوازنة ، هنا نجد الإسلام يخاطب الشخصية في تكامل جوانبها جميعا ،
وليس من شك في أن النزعة العقلية قوة أصيلة في الإنسان ، وركيزة هامة في بناء
شخصيته ، ومن ثم لا تقبل الشخصية الإنسانية قمع هذه النزعة وإهدارها باسم الوجدان
، أو باسم غيره من جوانب الشخصية ، فإذا حدثت محاولة لذلك وقعت الشخصية في
اضطراب ، ليس ذلك لاختفاء جانب من هذه الجوانب
الضرورية فحسب ، ولكن لأن الجانب المتحيف عليه لا ينتهي ، ولكن يتحفز للصراع ، ويتواثب
للغلبة ، وبذا تتحلل هذه الجوانب ، وتضل من هنا شخصية الإنسان ، ينطبق ذلك على
النزعة الوجدانية وكافة الجوانب الأخرى كما ينطبق على النزعة العقلية .
ومن
هنا اختص الإسلام نفسه بالعقلاء الذين يستعملون عقولهم : {كِتابٌ أَنْزَلْناهُ
إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّروا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أولو الْأَلْبابِ } 29
ص [28] { ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ
أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ في ما
رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فيهِ سَواءٌ تَخافونَهُمْ كَخيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ
كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلونَ } 28 الزمر ، { وَتِلْكَ الْأَمْثالُ
نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلّا الْعالِمونَ } 43 العنكبوت ، {
وَمِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذَلِكَ
إِنَّما يَخْشى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزيزٌ غَفورٌ }
28 فاطر ، { إِنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذينَ
لا يَعْقِلونَ } 22 الأنفال .
وعلى أساس هذا المنهج نرصد تاريخيا نشاط العقل الإنساني في تفهم
العقيدة الإسلامية
كما نرصده في استنباط أصول الفقه والأحكام الشرعية
كما نرصد هذا النشاط في
التقائه بالفلسفة القديمة والوسيطة والحديثة مستصحبا رداء الإسلام السابغ ،
ومتسلحا ببعض أسلحتها عندما يحتدم الجدال
كما نرصد نشاطه في وضع مناهج البحث وقواعد التجربة على مستوى النمو
الحضاري
وقد كان له في كل ذلك أن
يجتهد ما شاء له الاجتهاد فيما يعرض له من أمور تحتاج إلى الفهم ، ولم يكن
من حقه ولا في قدرته أن يستقل في حركته تلك بعيدا عن النطاق المتكامل للشخصية وفق
التصور الإسلامي ، وإنما كان عليه أن يهتدي فيها بهدي الله ، حيث في النهاية تقود
الإرادة مسيرة الشخصية السوية إلى ساحة التسليم لله.
ومن هنا كان لابد للعقل في التصور الإسلامي للشخصية : أن يفسح له
مجالات النشاط كضرورة تحتمها طبيعته ، لكنه في نفس الوقت : على العقل أن
"يعقل" مداه وطاقته ، فيقوم نشاطه – في مجال العقيدة الدينية – على أساس
مبدأين : - لا مطعن للعقل فيهما – أولهما : أنه ليس من حق هذا العقل أن يرفض أصلا
من أصول الدين يدخل في دائرة الإمكان الذهني [2] ، وثانيهما : ألا يتخذ هذا
العقل شيئا مما يصل إليه مستقلا باجتهاده أصلا من أصول الدين ، وإنما يتناوله –
إذا أراد – على سبيل المباحثة والاختبار .
وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الجانب الاجتماعي من الشخصية الإنسانية –
وفقا للتصور الإسلامي – وجدنا تساوقا وتوازنا بينه وبين بقية الجوانب :
فيما
بينه وبين الجانب الإيماني نجد كثيرا من العبادات تمارس في أجواء اجتماعية معروفة
: الصوم والصلاة والحج والزكاة .
وقد
يبدو الصوم أكثر هذه العبادات فردية وأوهنها صلة بالجانب الاجتماعي ، لذا نهتم هنا
بالإشارة إلى هذه الصلة : من حيث تربي هذه
الفريضة فضيلة محاسبة الذات ، والتدريب على تقبل الحرمان مما هو مباح ، وتتطلب
عادات اجتماعية معينة ، وتستلزم آدابا اجتماعية محمودة ، وبذا يكون لهذه الفريضة
أثرها العميق في العلاقات الاجتماعية كما أن لها عمقها الفردي على السواء .
وكثير من التصرفات الاجتماعية
تعتبر في حد ذاتها عبادة : كإطعام الزوجة والولد ، وكإماطة الأذى عن الطريق .. والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر نشاط اجتماعي وعبادة معا .
وليس
الانعزال عن المجتمع صورة مقبولة في منطق العبادات في الإسلام ، والله الذي يعبده
المسلم ليس إله فرد بعينه أو مجتمع بعينه ، بل هو إله مجتمع الكون كله .
والتساوق والتوازن موجود كذلك بين الجانب الاجتماعي وبين الامتداد
الزمني في الشخصية ، ذلك أن المسلم على امتداد
تاريخه – من الأزل إلى الأبد – عضو في جماعة قبل أن يولد إذ أخذ الله ميثاقه على
عباده ، { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ مِنْ ظُهورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالوا بَلى شَهِدْنا أَنْ
تَقولوا يَوْمَ الْقيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلينَ } 172 الأعراف ، وهو
عضو في جماعة المسلمين في هذه الحياة ، مسئول عنها وعن تطورها … وهو عضو في جماعة
يوم المحشر ، وفي المرور على الصراط ، وفي التنادي يوم الأعراف .
ومما له دلالة في بيان التوازن بين الجانبين الاجتماعي والإيماني قوله تعالى: { إِلا
تَنفِروا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَليماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا
تَضُرّوهُ شَيْئاً واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ } 39 التوبة ،
فالنفرة واجب اجتماعي يجر التقصير فيه إلى عذاب ،
ومما روي عن أنس رضي الله قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غزا قال : (
اللهم أنت عضدي ، وأنت نصيري ، وبك أقاتل ) – خرجه ابن حبان في صحيحه - فعنصر الإيمان
والانتصار بالله هو سند المسلم عند قيامه بهذا الواجب الاجتماعي الهام .
وفي
غزوة بدر ( نظر رسول الله إلى المشركين
وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا ، فاستقبل نبي الله القبلة ثم مد يديه
فجعل يهتف بربه : اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم آت ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ، فما زال
يهتف بربه مادا يديه ، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فأتاه أبو بكر ،
فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه ، وقال : يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك
ما وعدك فأنزل الله عز وجل ، { إِذْ
تَسْتَغيثونَ رَبَّكُمْ فاسْتَجابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ
الْمَلائِكَةِ مُرْدِفينَ } 9 الأنفال ، فأمده الله بالملائكة ) رواه مسلم . ففي هذا
الحديث تتجسم أمامنا الموازنة بين الجماعة المؤمنة وبين ضمان استمرار الإيمان على
وجه هذه الأرض .
ثم انظر إلى المسلم إذا رأي أخاه ضحك قال له
" أضحك الله سنك " رواه البخاري ومسلم . فإذا ولد له مولود : أذن في
أذنه : رواه أبو داود والنسائي ، وهو يعوذ الطفل بقوله ( أعيذك بكلمات الله التامة
من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ) رواه البخاري ، فإذا ابتلي بالدَّين قال : (الله اكفني بحلالك
عن حرامك ، واغنني بفضلك عمن سواك ) رواه الترمذي والحاكم .
ويبدو هذا التوازن بين الجانبين الاجتماعي والإيماني في نظرة الإسلام
إلى الحرية الإنسانية ، ذلك أنه لا بد للإنسان من ناحية عبودية تقوم فيه ، ولا بد
له من حقه الفطري في الحرية ، وهنا كان لابد من توازن ، وليس هناك توازن في هذا
السبيل إلا بما نجده في الإسلام : عبودية لله وحده ، ولأنها لله وحده كانت له
الحرية عن كل ماعداه ، وبذا يتحقق له من دوائر الحرية أوسع ما تكون الدائرة ، ومن
حقيقة العبودية أرقى ما يكون المستوى .
وفي التوازن بين التعامل مع البيئة المادية والإيمان يربي الإسلام الشخصية على السعي في الحياة وفق
نواميس الكون التي وضعها الله { أُولَئِكَ
لَهُمْ نَصيبٌ مِمّا كَسَبوا واللَّهُ سَريعُ الْحِسابِ } 202 البقرة ، [62] { سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذينَ خَلَوْا
مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْديلاً } 62 الأحزاب ، والنفس
الإنسانية إذا شعرت بأنها متروكة لنفسها في تعاملها مع البيئة المادية نشأت عن ذلك
أمراضها النفسية تجاه الطبيعة : من الغرور والقلق
والخوف ، واليأس ، لذلك كان لابد من عنصر الإيمان ليحصل به التوازن ، وهنا تأتي ضرورة التوكل وضرورة الإيمان بالقضاء والقدر . وبذا
يتم التوازن في الشخصية : بين جانب السعي المبني على العلم ، والتوكل القائم على
الإيمان .
ولسنا بحاجة هنا إلى الإسهاب في بيان كيف تختل الشخصية في البلاد التي
يتغلغل فيها منطق الحتمية العلمية ، دون عناية بالجانب الإيماني ، ويكفي أن نشير هنا
إلى المجتمع السويدي فيما نشر عنه – على سبيل المثال – من تفشي الأمراض النفسية في
فترة من الفترات ، ففي تقرير أذاعته وزارة الشئون الاجتماعية السويدية ونشرته
جريدة الأهرام بتاريخ 19\3\1973 أن 25% من سكان السويد مصابون بأمراض عصبية ونفسية
، وأن 40% من مجموع الأشخاص الذين يحالون إلى المعاش - قبل سن المعاش – هم من
المرضى العقليين ، وأن حالات الانتحار تضاعفت بين عامي 1951 و 1968 من 6,1 من كل
100 ألف امرأة إلى 12,1 ، وقال المراقبون إن هذا التقرير " يدعو
للذهول".،
وتشير
إحصائية نشرت مؤخرا – كما جاء بجريدة الخليج بتاريخ 26 \ 2\ 2002 - في الولايات
المتحدة الأمريكية إلى أن عدد الأمريكيين الذين يعالجون من مرض الاكتئاب تضاعف
أكثر من ثلاث مرات من 1,7 مليون نسمة عام 1986 إلى 6,3 مليون عام 1997 ، كذلك
ارتفعت نسبة المرضى الذين يتناولون عقاقير مقاومة للاكتئاب من 37 % إلى 75 %
وهي حقائق تؤكد أن هناك خللا خطيرا في العلاقة
بين الجانب المادي ، والروحي .
وهنا نجد الشخصية في التصور الإسلامي قائمة على الربط الوثيق بين هذين
الجانبين : في التوازن بين التعامل مع البيئة المادية والإيمان ، فالمسلم تبعا لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم
إذا أقبل على السفر- كمثال - يقول له
المقيم ( أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك واقرأ عليك السلام ) ثم يوصيه
فيقول (عليك بتقوى الله ، والتكبير على كل شرف ، اللهم اطو له البعد ، وهون عليه
السفر ) ثم يدعو له بقوله ( زودك الله بالتقوى ، وغفر ذنبك ، ويسر لك الخير حيثما
كنت ) رواه الترمذي والنسائي . ثم يقول له المسافر : ( استودعك الله الذي لا تضيع
ودائعه ) رواه الطبراني . وهو إذا رجع من السفر قال ( آيبون تائبون عابدون شاكرون
حامدون ) رواه احمد ومسلم .
وهو
إذا رأى المطر كان له دعاء ( اللهم صيبا نافعا ) رواه ابن أبي شيبة ، فإذا كثر
المطر أو خاف ضرره كان له دعاء ( اللهم حوالينا ولا علينا ، اللهم على الآكام
والآجام ، والظراب والأودية ، ومنابت الشجر . ) رواه البخاري ، وإذا سمع الرعد كان
له دعاء ( اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك ، وعافنا قبل ذلك ) رواه
الترمذي ، وإذا رأى الهلال كان له دعاء ( الله أكبر ، اللهم أهله علينا باليمن
والإيمان والسلامة والسلام ، والتوفيق لما تحب وترضى ، ربي وربك الله هلال خير
ورشد ) ثم يقول ( اللهم إني أسألك من خير هذا الشهر وخير القدر ، وأعوذ بك من شره
) رواه الدارمي والترمذي وغيرهما .
****
وفي التوازن بين الجانب الإرادي والإيماني تأتي سنة الاستخارة ، ( إذا هم أحدكم بالأمر
فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك
بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت
علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري
، أو قال في عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه ، وإن كنت تعلم أن
هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني ، واصرفني عنه ، واقدر لي
الخير حيث كان ، ثم ارضني به ) رواه
البخاري .
فإذا
أصابه هم أو غم أو حزن دعا فقال : ( اللهم رحمتك أرجو ، فلا تكلني إلى نفسي طرفة
عين ، وأصلح لي شأني كله ) رواه النسائي وابن حبان .
وإذا وقع له مالا يختاره قال ( قدر الله وما شاء
فعل ) رواه النسائي ، وإن أصابته مصيبة قال : ( إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم
عندك أحتسب مصيبتي فأجرني فيها وأبدلني منها خيرا ) رواه الترمذي والحاكم .
وفي هذا الباب تأتي عقيدة المسلم في القضاء والقدر مع تحمله التكاليف
الشرعية جميعا .
*****
وفي الجانب الإيماني ترتبط الشخصية بالله وتتوازن في هذا الارتباط مع
الامتداد الزمني في الشخصية : فعناية الله ترعاه من الأزل إلى الأبد ، وتحصي عليه
حركاته وسكناته ، وتحاسبه عما هو مسئول عنه من أطوار حياته كلها ، وتوفقه في
خطواته كلها ، منذ أن علم الله آدم الأسماء كلها ، ثم أرسل الرسل ، ثم مد يد
التوبة تنقذ التائبين في هذه الحياة الدنيا ، ويد الرحمة تنقذ الصالحين من هول يوم
القيامة ، أو يد العدالة تعاقب المفسدين عزلا لهم عن مستوى الصالحين .
*****
وكمثال نضربه على هذا التوازن والتكامل في واقعة لتدريس العقيدة تقوم
على التوازن بين جوانب الشخصية المختلفة :
في الجانب العقلي حيث يثير المعلم في التلميذ التساؤل والتأمل والبحث
وفي الجانب الوجداني حيث يثير
فيه عاطفة التدين الأصيلة وارتباط الشعور بالله المنعِم : شكرا ومحبة ورجاء
وإجلالا
ثم يثير فيه الجانب العملي
فينمي في شخصية التلميذ شعوره الديني من خلال الممارسة العملية لكل ما يرضي الله ،
والبعد عن كل ما يسخطه
وفي النهاية يربط هذا التكوين
المتكامل بالقدوة التي يتلمسها التلميذ في حياته الواقعية أولا ، ليصعد بها إلى
القدوة التي تظهر له من خلال التاريخ ، ولينظر إلى هذه النماذج جميعا من خلال
القدوة المثلى في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم .
كما نلاحظ التكامل والتوازن في تربية المسلم في اتجاه السلام
والقتال
ففي تربية الشخصية الإسلامية على التوازن فإنها تتربي من ناحية السلام
على أساس من العقيدة والأخلاق ، وعند ما تتكامل بها أو تتوازن فإنها ترتكز من
الناحية الأخرى على أساس ضرورات الواقع على هذه الأرض .
فأول
ما يلاحظه الباحث في مكانة السلام في الإسلام عقديا : أنه اسم من أسمائه تعالى ، وهو
دعاء كل يوم في التشهد في الصلاة
والله
سبحانه وتعالى يضع هذا السلام بين يدي دعوته على يد أنبيائه منذ أقدم تاريخ نعرفه
عن الأنبياء . وهم قد استحقوا هذا السلام كما جاء الحديث عن ذلك في القرآن الكريم
لأنهم كانوا من المحسنين ، ومن عباد الله المؤمنين .
و
نلاحظ أن السلام دعوة تعرض على المؤمن
وغير المؤمن ، وذلك إذ يقول تعالى : { واللَّهُ يَدْعو إِلى دارِ السَّلامِ } 25
يونس ،
و
السلام مطلب الفطرة الإنسانية بوجه عام :
إنه حتى الذين يسارعون إلى الحرب يفعلون ما يفعلون – غالبا – بدافع الهلع من خسران السلام . والسلام في الإسلام مرتبط – في تأصيله – بنظرته إلى :الأصل الإنساني ، وأنه أصل واحد ، وتأصيل السلام – أيضا – في التربية الإسلامية مرتبط بنظرة الإسلام إلى الدين . وأنه الدين الواحد من عند الله : {
إِنَّ الدّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ
} 19 آل عمران .
ويرجع
تأصيل السلام في التربية الإسلامية أيضا – إلى حقيقة الكلمة – كلمة السلام – حيث :السلام والإسلام من مادة لغوية واحدة . فالإسلام هو إسلام
النفس لله . وهو في الوقت نفسه إسلام هذه النفس لمن يملك السلام . مالك السلام
والطريق إليه
.
ويرجع تأصيل السلام في التربية الإسلامية أيضا إلى أصل من أصول الإسلام المقررة ،
إذ يرفض على سبيل القطع إكراه أحد في الدين بعد أن يكون قد تبين الرشد من الغي .
كما
يرجع تأصيل السلام في التربية الإسلامية - كذلك - إلى تحقيق ما يعيش عليه السلام في بيئة أخلاقية .
ومن هنا تأتي مكانة حسن الأخلاق في الإسلام : صنعا منهجيا موضوعيا للسلام في نسيج
الشخصية ، حسب التصور الإسلامي .
إننا
نجد أخلاق السلام في الإسلام في كل عناصره العقدية والتشريعية والتربوية ، ومع ذلك
فإننا نجدها في االتربية الإسلامية موضع عناية خاصة في :مجموعة خاصة من الأخلاق
يمكن أن نسميها أخلاق السلام ، تلك التي تتناول أدب المعاملة ، والحلم والتواضع ،
والصبر ، والرفق بالضعفاء والعدل ومقاومة الظلم . و تأتي أخلاقيات رسول الله صلى الله عليه وسلم كجُماع للشخصية
الإسلامية الصانعة للسلام .[3]وهي
هي أخلاقيات السلام .
ويأتي العدل شرطا أساسيا : لصنع السلام
في بيئة تربوية أخلاقية مواتية ، وهذا
يعني أن محاولة اصطناعه دون تحقيق الحد الأدنى من هذه الأخلاقيات تربويا - ألا وهو العدل – تجعل منه عملا مضادا للأخلاق .
وهنا تبرز ضرورات الواقع التي تضعها التربية الإسلامية في الحسبان وهي
تبني الشخصية في اتجاه السلام
إنه
عندما تصطدم التربية الإسلامية بعقيدة المجتمع المعاصر وهي ما تحويه فلسفة التطور من آليات
الصراع والتكيف والبقاء للأقوى فإن الدعوة إلى السلام مع تربع هذه الفلسفة على عرش
الحضارة والثقافة والقانون والتربية تكون
دعوة لتمكين الظالم من المظلوم ، ومحض إضافة إلى وسائله في سفك الدماء.
إن
التحدي المعاصر للسلام وهو تحدِّ تربوي أخلاقي على مستوى البشر ينبئ عن خلل في هذا التوازن عند الإنسان
المعاصر على الصعيد ألأوروأمريكي بوجه خاص
إن
الدعوة إلى السلام في التربية الإسلامية لا تعني الانبطاح أمام عدوان المعتدين
إن
السلام الذي تتبناه التربية الإسلامية ليس هو السلام المطلق ، وإنما هو السلام في الأرض ، السلام الذي يدخل
في علاقات شديدة التشابك : تشابك علاقات الإنسان بكل ما في هذا الكون ، وعلاقات
هذا الكون بكل ما في هذا الإنسان . وتجاهل هذه العلاقات - بدءا من ضعف الإنسان ، وصولا إلى مكر الشيطان
- لا يساعد قضية السلام في شيء . إن منهج الإسلام بوجه عام يقوم على ترقية الإنسان
ابتداء من منطقة "الواقع" بسلبياته وإيجابياته .
والواقع
البشري –
كما يشير إليه الإسلام – يتضمن الطغيان كما يقتضي
المدافعة ، من هنا ومن حيث إن التربية الإسلامية تنزل إلى الإنسان لتبدأ معه
الصعود من نقطة كينونته .. فإننا نجد أن الإسلام لا يدعو إلى السلام في فراغ ،
ولكنه يبدأ معه من مفهوم سبيل الله الذي يغطي السلام والقتال معا .
إن
السلام في الإسلام له مفهومه الخاص الذي لا يتحقق بعيدا عن طلب السلام ممن يملكه
وهو الله سبحانه وتعالى ، ومعنى هذا كما ذكرنا سابقا أن مفهومه لا يبتعد عن مفهوم
التوجه إلى الله تعالى في جميع الأعمال : بالإسلام والإيمان والتقوى والإحسان ، في
ظل وحدة الدين عند الله ، وهو باختصار
مفهوم " في سبيل الله " ، وعندئذ فالجهاد في سبيل الله يأتي كحركة تصويب
وإرجاع إلى سبيل الله بعد أن ينحرف عنه البشر
نعم
إن السلام يتقرر في التربية الإسلامية باعتباره أصلا ، وكما يقول أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة رحمه
الله : ( إن الأصل في العلاقات بين المسلمين وغيرهم هو السلم . وإن ذلك رأي
الجمهرة العظمى من الفقهاء . والقلة التي خالفت كان نظرها إلى الواقع لا إلى الأصل
، وكان ما قررته حكما زمنيا وليس أصلا دينيا ).. العلاقات الدولية في الإسلام ص 52 نشر دار الفكر العربي
إن
السلام إنما يجد مناخه الصحي – كما هو الشأن في الإسلام عموما –
في جو التعامل بالحكمة والحسنى .
ثم
هو بعد ذلك - إذ تتأزم الأمور - إنما يجد مناخه الصحي في جو العدل ، يقول تعالى
: { لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذينَ
لَمْ يُقاتِلوكُمْ في الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ
تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطينَ } 8
الممتحنة .
فإذا
انحسر العدل ميئوسا من عودته جاء الاستثناء من الأصل ، يقول تعالى : { إِنَّما
يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذينَ قاتَلوكُمْ في الدّينِ وَأَخْرَجوكُمْ مِنْ
دِيارِكُمْ وَظاهَروا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ
فَأولَئِكَ هُمُ الظّالِمونَ } 9 الممتحنة .
أما
قبل ذلك –
أي قبل وقوع العدوان على سبيل الله أو ظهور دلائله – فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية )
رواه البخاري ومسلم .
فإذا ظهر العدوان أو ظهرت دلائله كان الحكم كما
في قوله صلى الله عليه وسلم في بقية الحديث السابق : ( فإذا لقيتموهم فاصبروا
واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ) ، وكما في قوله تعالى : { أُذِنَ لِلَّذينَ
يُقاتَلونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِموا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَديرٌ } 39-41 الحج .
ولا
يعني الاستثناء الذي نتحدث عنه كونه أمرا عارضا لا يؤبه به ، ولكنه الاستثناء
المستقر في مجمل العلاقات الإنسانية على هذه الأرض ، والذي يحتاج إلى تربية تستعد
له قبل الظهور .
وليس
من أسباب القتال محض المخالفة في الدين ، يقول الحنفية : ( الآدمي معصوم ، ليتمكن
من حمل أعباء التكاليف ) وقالوا أيضا : ( الكفر ليس علة لقتالهم ) ويقول مالك رضي الله عنه : ( لا ينبغي لمسلم أن
يريق دمه ، ولا أن يريق دما إلا بحق ) ويقول الحنابلة ( الأصل في الدماء الحظر إلا
بيقين الإباحة) أنظر العلاقات
الدولية في الإسلام للدكتور وهبة الزحيلي نقله من ( اختلاف الفقهاء ) للطبري ص 195
تحقيق شاخت .
إن حسن معاملة المسلمين لأهل الذمة من أهل الكتاب في الدنيا - حسب
شريعتهم الإسلامية – موضوع لا يجوز التشكيك فيه ، كما لا يجوز لأهل
السياسة أن يخلطوا بينه وبين العقائد . ويكفي أن نقرر هنا أن حسن معاملتهم تأتي بضمانة الجالس فوق
عرشه في قلب كل مسلم : يقول رسول الله :( من آذى ذميا فأنا خصمه يوم القيامة ،
ومن خاصمته خصمته . )
ويظهر
حرص التربية الإسلامية على السلام – وهو في دفاعه عنه في حالة القتال الاستثنائية – من شروطه الأخلاقية التي وضعها للقتال ،
فهو ينهى عن التدمير والتحريق والتغريق ، وقتل الأطفال والنساء والشيوخ ، والتمثيل
بالجثث ، وقطع الأشجار .
ولا يمنع ذلك من المعاملة بالمثل إذا دعت الضرورة . والأصل في ذلك قوله
تعالى : { وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبوا بِمِثْلِ ما عوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ
صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرينَ } 126 النحل ، و يقول تعالى : { ذَلِكَ
وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ
اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفورٌ }
الحج 60
جاء في كتاب " روح المعاني
في تفسير القرآن للألوسي " في تفسير قوله تعالى "والحرمات قصاص
" : ( واستدل الشافعي على أن القاتل يقتل بمثل ما قتَل به من محدد أو خنق أو
حرق أو تجويع أو تغريق ، حتى لو ألقاه في ماء عذب لم يلق في ماء ملح ) .
ولا بد من القول بأن شرط ذلك ألا يكون لحظ النفس ، إشباعا لحقد ، أو
جمعا لمال ، أوتحقيقا لشهوة .
وللفقهاء اجتهاداتهم فيما
يتعلق من ذلك بالقتال مع العدو .
ومع ذلك فإنه يجب أن ندرك أنه لقد تطورت الحرب الحديثة تحت لواء التقدم
العلمي التكنولوجي الهائل الذي أحرزته الدول الكبرى ومن يليها إلى حرب ليست لا
تبالي فقط بضرب الأبرياء من المدنيين بل هي تجعلهم هدفها الأول والرئيس ، تحت ستار
ما أصبح يسمى - من باب التزييف أو النفاق - تدمير البنية التحتية للعدو في
المواصلات والمياه والكهرباء والإعلام ووسائل المعيشة ، والروح المعنوية للشعب ، وقد بدأ هذا التطور
منذ الحرب العالمية الأولى واستشرى بعد ذلك وما يزال يستشري ، وهي نتيجة حتمية
لتطور وسائل القتال الحديثة ، ولقد ذهب – ربما إلى غير رجعة - أسلوب القتال في العصور
القديمة والعصور الوسطى "المتخلفة " الذي كان يعتمد على المواجهة بين
صفوف القتال في أرض المعركة ، فإذا انهزم الجيش انتهت الحرب ، أما في التطور
الحديث فقد انقلب الترتيب وأصبحت المعركة تبدأ أو تتطور إلى ضرب المدنيين أصلا
فإذا تحطمت المدينة انتهت الحرب .
إننا
نظلم واقعية التربية الإسلامية إذا وقفنا هنا لنتحدث عن المثل العليا ، دون أن
نلتفت إلى ما يمارسه أعداؤها – في واقع الساحة الدولية بعامة – من نكسة
حضارية بتدمير المدن ، وقتل مئات الآلاف من غير المحاربين في طلقة نووية واحدة ،
تقتلهم عند الإطلاق ، كما تقتلهم بعد
الإطلاق بعشرات السنين ، وضربهم باليورانيوم : في مخادعهم التي عليها ينامون ،
وقتلهم بهوائهم الذي يتنفسون ، وتسميمهم بمائهم الذي يشربون ، ونشر الإشعاع القاتل
في بيئتهم حتى خارج حدود إقليم الحرب ، وكما يجب أن نلتفت إلى ما يجري من جيش
إسرائيل المسلح
إنه
الصراع الذي لا يكتفي بمقتضى ثقافتهم بغير إبادة الآخر ، مهما ارتفعت لديهم شعارات
الديموقراطية وحقوق الإنسان والحوار والاعتراف بالآخر ، فهي شعارات سطحية يسمح بها
طالما كانت الأمور " تحت السيطرة " لحساب التفوق العنصري الأبيض ، أما
إذا اهتز هذا التفوق أو تحركت ضده نذر الخطر من بعيد على مرمى قارات ومرمى قرون
فإن الإبادة للآخر تنكشف لتكون هي الأساس ، إبادة الآخر في الأندلس ، إبادة الآخر
في القارة الأمريكية الجديدة ( الهنود الحمر ) ، إبادة الآخر المسلم في أوربا
الشرقية والبلقان وآسيا الصغرى والقوقاز ،
إبادة الآخر في الشرق الأوسط ، في الجزائر وفلسطين والعراق ، إبادة الآخر في
تصنيفهم للعالم أخيرا إلى محورين : أحدهما للخير ، والآخر للشر .
لهذا يحذر القرآن من حديث للسلام يأتي في غير موضعه
، إذ السلام لا يكون مع الهوان ، والذين تحدثهم نفوسهم بالسلام - قبل أن تتحقق
شروطه بأن تزول كراهيته من نفوس أعدائه - لمجرد بادرة من هنا أو خداع من هناك ..
يوقعون أنفسهم في الهوان ، ولا يحصلون على شيء من السلام . وهذا هو المقصود في
قوله تعالى : { فَلا تَهِنوا وَتَدْعوا إِلى السَّلْمَ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
واللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ } 35 محمد
*****
وختاما فليس التوازن الذي ذكرناه كهدف من اهداف التربية الإسلامية حقيقة
حسابية يمكن أن نضع لها وصفة كيميائية نهائية … ، وإنما هو واقع نفسي يتعرض لما
تتعرض له النفس البشرية بين المد والجزر ، والحركة المتماوجة ، إذ يصعد جانب فوق
جانب ، ويطغى عنصر على في حركته تلك ينتقل بنا بين التوازن والتكامل في طرف والخطأ وسطا والخطيئة … في الطرف الآخر
هذا التماوج هو حركة الخطأ الذي يقول عنه الرسول صلى الله عليه وسلم
فيما جاء في صحيح مسلم بسنده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم
، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم . ) .
فالخطأ هنا تعبير عن واقع التركيب الطبيعي الذي تخضع له الشخصية ،
هذا التركيب المتماوج دوما ، فضرورة الخطأ في الإنسان هي ضرورة التركيب المتماوج
فيه ، وضرورة إصلاح الخطأ هي ضرورة الرجوع إلى حالة التوازن .
وإذا كان الخطأ تعبيرا عن طغيان جانب من الشخصية على جانب آخر فإنه في
نفس الوقت : الخطأ القابل للمغفرة ، أي الناشئ عن حركة التماوج السطحية
المؤقتة …
أما أن تصير هذه الحركة إلى اقتلاع جانب من الجوانب اقتلاعا نهائيا ،
أو تهدد بذلك ، فتلك هي الخطيئة ..
الخطيئة التي لا تقبل المغفرة أو التي تهدد بذلك ، والبعض منا إذ يخشى الخطأ أو
يخشى الخطيئة قد يرتكب ما هو أشنع من الخطأ ، فيرتكب جريمة التشويه إن لم يكن
القتل لهذه الشخصية .
وجريمة التشويه أو القتل التي أعنيها هي قمعه النهائي لجانب من جوانب
شخصيته …
يقتل عنصر الوجدان في نفسه ، أو يقتل عنصر الفكر والتعقل ، أو يقتل
عنصر الإرادة ، أو غير ذلك من الجوانب المكونة للشخصية ، وإذا كان من الواضح - من
ناحية أولى - أن عملية الكفر والإلحاد إنما هي نتيجة لعملية جذرية من هذا القبيل..
فإنه من ناحية أخرى قد يحسب البعض أنه يذهب ببعض ذلك في سبيل الشخصية الإسلامية ،
بينما هو في الحقيقة يرتكب في حقها جريمة القتل أو التشويه ، إنه يرتكب ما يرتكبه
أي فرد منا في حق جسده ، إذا ذهب يقتلع منه عضوا أو طرفا .
إن التوازن هو هدف الشخصية حسب التصور الإسلامي ، والاستقامة أو القوامة أو الاعتدال أو التكامل هو التعبير
الإسلامي عن ملامح هذا التوازن ، { إِنِ الْحُكْمُ إِلّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلّا
تَعْبُدوا إِلّا إِيّاهُ ذَلِكَ الدّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا
يَعْلَمونَ } 40 يوسف ،{ وَأَلَّوِ
اسْتَقاموا عَلى الطَّريقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً } 16 الجن ،{لَقَدْ
خَلَقْنا الْأِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْويمٍ
} 4 التين .
إن الخطأ عارض يلحق بهذا التوازن بما أنه نفسي متحرك متماوج
وإن الخطيئة هي آفة الشخصية
القاضية إلا برحمة من الله .
إن الشخصية المرسومة بهدي الله ، تتوازن بالضرورة في مجموعها من ناحية
، كما تتوازن مع الشريعة من ناحية أخرى ، ذلك لأن الله واضع الشريعة هو بارئ
الشخصية الإنسانية وخالق نزعاتها المختلفة ، ولذا كانت لغة الدين - إن الدين عند
الله الإسلام - مقبولة لدى مختلف جوانب الشخصية ، وكانت تعاليمه متسقة
معها جميعا
إننا نذهب إلى خطوة أبعد ، إذ نقرر أن اتساق الشريعة مع الشخصية ينسحب
إلى اتساقها مع الإنسانية في مستوياتها المختلفة
وهنا نصل إلى النتائج الثلاثة الآتية :