العراق والقمم العربية
بقلم : ظافر
العاني
لا أخال أن هنالك
أحداً من أبناء الأمة العربية قد ألم به الحزن عندما اتفق القادة العرب وللمرة
الألف على أن لا يتفقوا، عربياً ما في هذه الأمة من محيطها إلى خليجها كان مهتماً
أصلاً بعقد القمة أو الغائها،
ولعل السبب الأوحد في
عدم الاكتراث هذا هو الشعور العربي الجمعي بأن لا شيء يرتجى من هذه اللقاءات التي
غدت روتينية الطابع، ولأن القرارات التي تصدر عنها باهتة بلا لون ولا ترقى لحجم
التحديات المصيرية التي تواجهنا من كل حدب وصوب.
ولو كان للعرب عذرهم
المبرر في توجيه النقد واللوم للجامعة العربية وقممها، في انها لم تفعل لهم شيئاً
ما يذكر، فإن للعراقيين وجهة نظر أخرى، وهي ان الجامعة، وبالذات مؤتمرات القمة قد
فعلت لهم الكثير، بل الكثير جداً مما لا يحصى، ولا يمكن أن ينسوه، ولكن في الاتجاه
المعاكس تماماً وبالتالي فإن اللوم وحده لا يكفي والعتاب لا يجدي.
وهنا لا أظن أحداً
يستطيع إلا ان يجاري المزاج الشعبي العراقي الذي يتمنى لو أن الزعماء العرب يتركون
شأن وطنهم لهم، وأن لا يبخلوا عليه بصمتهم المريب والمعتاد ازاء كل القضايا
الجوهرية، لأنه في المرات القلائل التي تدخل فيها القادة العرب بالشأن العراقي
فإنهم تصرفوا على النحو المضاد تماماً لمصالح العراقيين.
ولذلك من ذا يجرؤ على
لومهم فيما لو قارنوا بين ما فعلته الجامعة وزعماؤها عندما اجتاح العراق الكويت في
أغسطس 1990، وكيف انبروا وقتذاك للمرة الأولى والأخيرة لاتخاذ موقف فوري وفاعل،
بحيث لم يقتصروا على التنديد والشجب مثلما ألفناه عنهم، ولكن من خلال الجهد
العسكري بالتعاون مع قوات الحلفاء تحت قيادة أميركا لإجبار حكومة صدام على مغادرة
الكويت وبين موقفهم من الاحتلال الأميركي للعراق.
يومها، في عام 1990،
وعلى الرغم من ان موقف الجامعة كان ينطوي على إيذاء فادح لمصالح العراقيين
وحياتهم، إلا ان العديدين عللوا النفس بأن هذه الواقعة، وهذا الموقف ربما سيكون
عامل صحوة للجامعة والنهوض من كبوتها للتعامل مع ذات القضايا المماثلة بنفس
الأسلوب المؤثر،
ولكن هيهات، فقد كانت
تلك هي المرة الوحيدة التي شهد فيها النظام العربي جواز استخدام القوة العسكرية
وتفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك، ولكن باستهداف بلد عربي، فيما خصوم الأمة
الحقيقيون ينعمون بخيار السلام الاستراتيجي.
أما في فترة الحصار
القاسي على العراق، فلا أظن أنه توجد دولة ما التزمت بحرفية الحصار وطبقته على
أكمل وجه، كما هي الاقطار العربية، وظلت جامعتنا وقممها طوال فترة الحصار لا هم
لها ولا شاغل سوى دعوة العراق إلى ضرورة تنفيذه الاملاءات الأميركية في مجلس
الأمن،
فيما تركت على الرف
ملف المصالحة العراقية ـ العربية، أو على درجة الدقة العراقية ـ الخليجية، دون أن
تلتفت لهذا الموضوع الذي ظل نهباً لأهواء السياسة الدولية ومصالحها ولو على حساب
مصالح الشعوب العربية.
وللإنصاف، فإن حكومة
صدام ـ هي الأخرى ـ ظلت من جانبها تستغل مؤتمرات القمة العربية لتعميق الجروح
بدلاً من تضميدها وتجعل منها مكاناً للمشاحنات السياسية بدلاً من التسوية.
وبينما كانت الادارة
الأميركية تقرع طبول الحرب وتنظم تواجد قطعاتها العسكرية لإعلان ساعة الصفر، وفيما
كان مجلس الأمن يجتمع بشكل يومي تقريباً، وتشهد أروقته وكواليسه تحركات دبلوماسية لتسوية
الموضوع، كانت الجامعة وقادتها يتصرفون وكأن الموضوع لا يعنيهم البتة، ولم يتحركوا
ككتلة واحدة وإنما تركوا تقدير ذلك لكل قطر على حدة وفق ما تمليه عليه مصالحه
الذاتية وارتباطاته الخارجية.
أما عندما التقت
القمة العربية في «شرم الشيخ» قبل بدء الحرب، فإنها كانت قمة للخصومات والمشاحنات
ليس إلا، إلى الحد الذي لم يستطع فيه الزعماء العرب اتخاذ موقف جدي يتناسب وحجم
الكارثة الوشيكة على الأمة برمتها، بل اعتبرت القمة وكأنها الضوء الأخضر للادارة
الأميركية في شن هجومها وتمزيق أوصال النظام العربي المحتضر.
وحتى بعد الاحتلال،
ما الذي فعلته الجامعة العربية مؤتمراتها وقممها، أكاد أزعم ان لا شيء البتة،
وإنما تم استغلال الملف العراقي لتمرير المصالح القطرية لكل دولة بحيث غابت الرؤية
القومية الموحدة لهذا الموضوع المصيري.
ولذلك، هل هنالك من
يلوم العراقيين عندما يشعرون بالغبطة لتأجيل القمة إلى أجل غير مسمى.