تعاقب المحن
بقلم : د .محمد زارع
.. كثيرة هي الفواجع
التي تلاحقنا هذه الأيام .. فلا نكاد نفزع من حدث جلل حتى تدهمنا نكبة مروعة قبل
أن نفيق .. وكأنما المصائب في سباق محموم مع الأيام والساعات .. لم تعد تسعفنا
الدموع .. ولا الصرخات قادرة على مغادرة الصدور .. وآهات الشكوى تذروها الرياح ..
ويبعثرها خواء لا نهائي رهيب .. أنات الثكالى تلاشت وسط الضجيج .. واستغاثة
المكلومين تاهت في دهاليز المعازف والمراقص والضياع .. واختلط صوت الأذان بصراخ
الباعة ومشاجرات المارة وصخب الأسواق ومهاترات اللهو والمجون ودعاة الزور والبهتان
..
.. ففي الوقت الذي
حشد فيه برويز مشرف جنده وجيش جيوشه لمحاربة المجاهدين الشرفاء طبقا لتعليمات
الحقير الأرعن بوش .. يقدم الخنزير شارون على جريمته الشنيعة .. ويغتال إمام
المجاهدين الشيخ / أحمد يسن دون اكتراث أو اعتبار للدول والشعوب الإسلامية
والعربية .. وكأنه واثق تماما من موات مليار ونصف مليار مسلم .. وقبل هذا الاغتيال
بأيام قليلة يفتضح أمر سليل الخيانة ملك الأردن وهو يزور شارون .. وبعدها مباشرة
يتقدم بمبادرة وقحة إلى مؤتمر القمة الذي فشل يقترح فيها إدانة العمليات
الاستشهادية على أرض فلسطين .. كما نجد حاكم الطواريء خادم الصهيونية والصليبية
المخلص حسني مبارك يستعد لزيارة كبير اللصوص بوش بعد أيام ليحصل على النسخة الأصلية
للتعليمات الأمريكية .. ويحظى بعار الجلوس مع هذا الحقير ولو لبضع دقائق .. يحاول
فيها إثبات ولائه التام .. مذكرا بدوره المخزي في تسهيل احتلال العراق وإحكام
الحصار على فلسطين .. وإدانته الصريحة لأعمال المقاومة وآخرها عملية أشدود وإلحاحه
المستمر في ضرورة محاربة الإرهاب عالميا – والإرهاب هو الإسلام في مصطلح الكفار
والمنافقين على حد سواء – لعله ينال الرضا ويحصل على شيء من الفتات نظير هذه
الخدمات الكثيرة .. كما أنه لا بد أن يعرض استعداده للمزيد من الخدمات حتى يوافقوا
على مد خدمته في الحكم .. وعدم التخلص منه ضمن مشروعهم الجديد .. وتتزامن هذه
الزيارة مع زيارة سليل الخيانة الملك عبد الله والخنزير شارون .. لتكتمل الخيبة
.. ثم تأتي أخبار
تأجيل القمة العربية تمهيدا لإلغائها .. وإعلان السقوط الجماعي للنظام العربي ..
والفشل السافر لهؤلاء الحكام الذين غرقوا لأذقانهم في وحل العمالة والخيانة
والفساد .. ولم يعد أحد ينتظر منهم أي نفع .. لقد باتوا عنوانا للقبح والبشاعة ..
ولفظتهم الشعوب منذ زمن طويل .. ولعل تفككهم وانقسامهم يكون أفضل من اجتماعهم ..
لأنهم عادة لا يجتمعون إلا على باطل .. ولا يقرون إلا الذلة والهوان .. ولا يجيدون
إلا قهر الشعوب .. وقمع الحريات .. وإهدار
الحقوق
.. ورغم كل هذه
المصائب وغيرها من الكوارث والمحن المتعاقبة فقد كان هناك أمل في أن تتحرك الشعوب
وتنتفض .. وترفض مسلسل التآمر المستمر على كرامة واستقلال أوطانهم .. لكن يبدو
أن حاملي
السلاح فقط هم الذين يتحملون وحدهم عبء التغيير .. وأن التغيير السلمي بعيد
المنال على الأقل في المستقبل المنظور .. ورغم ثقل المسئولية على المجاهدين في
فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وكشمير وباكستان وغيرها إلا أنهم جديرون
بإنجاز مهامهم على أكمل وجه .. وقادرون بعون الله على تحقيق طموحات أمتهم في النصر
والفتح المبين .. ودحر قوى الباطل مهما تمددت وانتفشت ..
.. كان المتوقع
والمأمول أن تنفجر براكين الغضب .. ويشتعل فتيل الثورة في أنحاء الوطن العربي والإسلامي
وخاصة مصر .. بعد أن استفحلت جرائم الاغتيال على الأرض المقدسة .. وبعد استشهاد
الشيخ يسن .. ولكن للأسف الشديد كانت ردود الفعل كالمعتاد .. مؤتمرات .. سرادقات
.. ندوات .. بيانات .. وهلم جرا .. فعاليات كلها داخل الجدران المغلقة .. رغم أن
جماعة كبيرة مثل جماعة الإخوان المسلمين تستطيع – لو أرادت – تحريك الشارع بسهولة ..
ولن تقوى قوات الأمن مهما - بلغت – على منعها .. وستجد تجاوبا جماهيريا كبيرا
واسعا من شأنه حسم الأمور كلها لصالح الشعب .. ولكن يبدو أن قيادات هذه الجماعة
حريصون على الاستقرار والجمود وبقاء الوضع على ما هو عليه حتى إشعار آخر .. وكأن
الأحوال كلها على ما يرام .. والأوضاع في أحسن حال .. وهذا الحرص من جانب قيادات
الجماعة يتوافق مع رغبات السلطة الحاكمة وينسجم مع مطامعهم .
.. أما إن كانوا يرون
أن موضوع الحكم لا يعنيهم .. وأن جماعتهم تربوية فقط .. ولا دخل لها بالسياسة أو الاهتمام بالعمل
العام .. فهذا مخالف للتوجه التاريخي للجماعة .. ومخالف للأصول الثابتة في الدين
الإسلامي ..
وإن كانوا يرون أن
نظام الحكم الحالي في مصر يؤدي ما عليه من الناحية الشرعية .. فهذه رؤية مغلوطة ..
واضحة البطلان .. لكل ما ذكرناه آنفا من مواقف .. وللأسباب التي يعرفها الجميع ..
وأصبحت بديهيات لا يماري فيها أحد .
.. أما إن كان مسلكهم
هذا خوفا وتجنبا للمواجهة – وهذا هو الأرجح في غالب الظن – فهو قصور في أداء
الواجب الشرعي .. وإغفال لأصل رئيسي من أصول الإسلام وهو الإصلاح .. وتحريض الناس على
الجهاد والتضحية في سبيل إعلاء كلمة الله .. وعدم التشبث بأوحال الدنيا وزخارفها
.. نعم .. لقد تحملت الجماعة عبر تاريخها
الطويل تضحيات جسيمة معروفة .. ولا زالت .. لكن هذه التضحيات الآن تأتي في سياق
الإهدار العام لحقوق الإنسان في مصر .. بدليل أنها تشمل كل فئات المجتمع .. و ليست
قاصرة على فصيل دون آخر .
.. لذا .. فالأولى أن تكون هذه التضحيات ضمن عمل جهادي
متواصل .. براد به تغيير حقيقي لكل الأوضاع المقلوبة التي تقوض أركان المجتمع ..
والأمثلة العملية موجودة أمامنا .. وهي كل الفصائل الفلسطينية .. وعلى رأسها حماس
والجهاد .. فلم تكتسب حماس هذا الزخم الشعبي المتزايد إلا بعد تبنيها لسلاح
الاستشهاد بجانب جهادها السياسي والاجتماعي .. ولم يفت من عضدها هذا الفقدان
اليومي لقادتها ورموزها وعناصرها ضمن مشروع شارون التصفوي .. بل إنها تكتسب كل يوم
أرضا جديدة .. وتأييدا جارفا من قبل المسلمين والعرب والمنصفين في أنحاء العالم .
.. والادعاء بأن حماس
تعمل في ظروف احتلال تختلف عن الظروف في مصر .. هو ادعاء مغلوط أيضا .. لأن
الاحتلال الواقع على مصر أخطر بكثير من احتلال فلسطين والعراق .. لأنه احتلال
سياسي اقتصادي إعلامي ثقافي .. والأعداء بمكرهم يؤجلون الاحتلال العسكري حاليا ..
لأنهم حصلوا بالفعل على كل ما يريدون .. فلا داعي للاستفزاز .. طالما أن الأمور
تجري وفق أهوائهم .
.. لذا .. فالقول
باختلاف الظروف قول ساذج .. وحري بنا أن نسعى لتحرير بلادنا .. حتى نستطيع أن
نساعد أهلنا في فلسطين والعراق وأفغانستان وباقي المناطق المستضعفة .. لأن فاقد
الشيء لا يعطيه .. فلا ينبغي أبدا أن نفتقد إرادة التغيير .. والعمل الجاد الجماعي
لتحقيق هذا التغيير ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا
ما بأنفسهم .. وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له .. وما لهم من دونه من وال
) 11 سورة الرعد