العداء للسامية.. بين الابتزاز الصهيوني والنفاق الدولي!
بقلم : عبد
المالك سالمان
كان من المثير للدهشة
والاستياء معاً، ان يبادر الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان إلى جر الأمم
المتحدة إلى المشاركة في الحملة المضللة التي تقودها المنظمات اليهودية والصهيونية
العالمية للإيحاء بأن هناك موجة عالمية متزايدة معادية لليهود باسم التهمة
المعهودة «العداء للسامية«، وأن هذا سيتوجب تحركاً عالميا لوقف الاضطهاد ضد
اليهود، وذلك عبر تنظيم الأمم المتحدة لمؤتمر عقد مؤخراً في نيويورك حول «سبل
مكافحة العداء للسامية«
مصدر الدهشة
والاستياء، هو أن يورط كوفي عنان المنظمة الدولية في هذه الحملة التي كانت قد رتبت
لها الحكومة الاسرائيلية بزعامة شارون بالتنسيق مع المؤتمر اليهودي العالمي
والوكالة اليهودية، وذلك في أعقاب صدور نتائج استطلاع للرأي في أوروبا أجرته
المفوضية الأوروبية في بروكسيل في بلدان الاتحاد الأوروبي وظهرت نتائجه في نوفمبر 2003
حيث أكد فيه ما يقرب من 60% من الأوروبيين بأنهم يشعرون أن «اسرائيل تشكل مصدر
التهديد الأول للسلام العالمي«. وقد أثارت نتائج هذا الاستطلاع غضب المنظمات
اليهودية والصهيونية واعتبرته حكومة شارون دليلاً على التميز ضد اسرائيل داخل
أوروبا. واعتبر ناتان شارانسكى وزير شئون الشتات في حكومة شاورن: «أن الاستطلاع
يظهر أن ماوراء الانتقاد السياسي لإسرائيل ليس إلا معاداة خالصة للسامية«. لكن
رئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي لاحظ أن ازدياد الهجمات ضد اليهود في
البلدان الأوروبية في السنوات الأخيرة، إنما يعود إلى شعور البعض بالإحباط من
الممارسات الوحشية لحكومة شارون ضد الفلسطينيين و محاولاتها المستمرة للقضاء على
أي آمال لإحياء عملية السلام في الشرق الأوسط. وفي إطار الحملة الإسرائيلية لإثارة
فوبيا الخوف من «العداء للسامية« من جديد وخاصة في أوروبا والغرب، تم تنظيم مؤتمر
في برلين في نهاية ابريل 2004 حضره 55 وزير خارجية في دول منظمة التعاون والأمن
الأوروبي لبحث سبل مكافحة «معاداة السامية« في القارة الأوروبية، ويأتي المؤتمر
الذي نظمه كوفي عنان ليعطى بعداً عالميا باسم الأمم المتحدة لهذه الحملة الصهيونية
الرامية إلى إرهاب العالم وابتزازه ودفعه إلى عدم توجيه أي انتقادات لاسرائيل
وسياسات حكومة شارون الدموية والوحشية والمنتهكة للشرائع الدولية ولحقوق الشعب
الفلسطيني، واعتبار أن أي نقد موجه لسياسات حكومة اسرائيل انما هو «عداء للسامية«،
وهذا خلط متعمد ومفضوح للأوراق. إن ما يثير العجب أن هذا المؤتمر الذي دعا إليه
كوفي عنان إنما يأتي بمثابة مكافأة لحكومة شارون واسرائيل في حملتها السياسية
والاعلامية الرامية إلى تضليل العالم عن حقائق الجرائم البشعة التي ترتكبها
اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وخاصة منذ اندلاع انتفاضة الأقصى وبلغت ذروتها في حملة
تدمير وإزالة منازل الفلسطينيين في رفح مؤخراً، والتي أدانها مجلس الأمن بقرار
خجلت أمريكا لأول مرة في عهد إدارة بوش من استخدام «الفيتو« ضده. والغريب أيضاً أن
هذا المؤتمر يجيء من جانب الأمم المتحدة لدعم توجهات كيان استعماري توسعي قام
بإقتلاع شعب من أراضيه وتهجيره إلى الشتات تحت دعاوي ايديولوجية وأساطير كاذبة،
وفي الوقت ذاته فأن هذا الكيان (اسرائيل) هو أكثر الكيانات التي أفقدت الأمم
المتحدة مصداقيتها. فاسرائيل هي أكثر دول العالم انتهاكاً لقرارات الأمم المتحدة،
ورفضاً للانصياع إلى قراراتها، وإصراراً على ارتكاب كل المخالفات التي تناقض شرعية
الأمم المتحدة والقانون الدولي. والخطورة في مؤتمر كوفي عنان عن «العداء للسامية« أن
عنان سواء عن «علم بذلك، وتلك جريمة، أو عن جهل وهذا خطأ لايغتفر« قد ورط الأمم المتحدة
في الفخ الذي نصبته لها حكومة شارون والوكالة اليهودية العالمية من خلال الترويج
لفكرة بروز موجة جديدة عالمية من «العداء للسامية واليهود« في أوروبا، وذلك بهدف
دفع يهود أوروبا للهجرة إلى إسرائيل وخاصة يهود فرنسا البالغ عددهم 600 ألف يهودي،
وذلك في إطار مخطط شارون لجلب عدة ملايين من يهود الشتات في اوروبا وامريكا خلال
السنوات العشر القادمة وتوطينهم في إسرائيل، وذلك بهدف مواجهة «الزيادة
الديموغرافية« المتوقعة في تعداد السكان الفلسطينيين خلال العشرين عاماً القادمة،
بحيث لا يتغلب تعداد السكان الفلسطينيين على يهود إسرائيل. وقد اعلنت الوكالة
اليهودية، مؤخراً، عن استعدادها لتنظيم هجرة اليهود من فرنسا إلى إسرائيل، وقال
المتحدث باسم الوكالة لشئون هجرة يهود الشتات ياردن فاتيكاي، مؤخراً، : « أن وضع
اليهود صعب في فرنسا، ويتحدث عدد منهم عن «العودة إلى اسرائيل« بسبب تنامي حالة
معاداة السامية«. وقد أدت هذه التطورات الخطيرة الى أن يبادر الرئيس الفرنسي جاك
شيراك، الى عقد اجتماع مؤخراً، مع زعماء الطائفة اليهودية في فرنسا لإيضاح
الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الفرنسية من أجل القضاء على أي أعمال مناهضة
لليهود والأجانب. وجاء هذا الاجتماع بعد أن أعلنت الوكالة اليهودية أن 30 ألف
يهودي يعتزمون الهجرة من فرنسا الى إسرائيل هذاالعام، وطالبت الباقين بالسير على
خطاهم مؤكدة أن الوكالة تنوي مضاعفة جهودها لتشجيع يهود فرنسا على الهجرة الى
إسرائيل خصوصاً عبر حملة إعلامية. وكان شيراك قد أعلن في نوفمبر 2003 بعد إلقاء
قنابل حارقة في إحدى ضواحي باريس على مدرسة يهودية ان السلطات الفرنسية ستعاقب
المسئولين عن ذلك الهجوم وستقوم بتشديد الحراسة على كل المؤسسات اليهودية، وصرح
شيراك إثر جلسة طارئة للحكومة عقدت لمواجهة المشكلة: «ان الهجوم على يهودي هو هجوم
على فرنسا«. وللتذكير فإن فرنسا المتهمة اليوم بالعداء للسامية هي أول مجتمع
أوروبي منح المساواة القانونية الكاملة لليهود كمواطنين على قدم المساواة في
أوروبا في 28 سبتمبر .1791
وتعيد مخططات تهجير
يهود فرنسا الى إسرائيل، ووقوع هجمات مريبة ضد المؤسسات اليهودية في المدن
الفرنسية الى الأذهان ذات الأساليب التي اتبعها الصهاينة لدفع اليهود في البلدان
العربية الى الهجرة الى إسرائيل بعد حرب 1948، وذلك عبر تنفيذ سلسلة من الهجمات
الإرهابية ضد المواقع اليهودية في المدن العربية وخاصة في شوارع القاهرة وبغداد
لدفع اليهود المصريين والعراقيين الى الهجرة الى إسرائيل. ويبدو أن ما يحدث في
فرنسا اليوم شبيه بما حدث سابقاً في الدول العربية، هجمات غامضة ضد محافل ومواقع
يهودية، يتبعها الترويج لفكرة العداء لليهود وللسامية، ثم حملة إعلامية وسياسية
منظمة لدعوة اليهود للهجرة الى أرض الميعاد في إسرائيل طلبا للأمان. وكان شارون قد
أعلن من قبل انه لن يهدأ له بال حتى يرى كل يهودي في الشتات قد قرر الهجرة الى
إسرائيل. في هذا التوقيت، وفي ظل كل هذه الظروف والملابسات، يجيىء كوفي عنان لينظم
مؤتمراً عن «مكافحة العداء للسامية« في مقر الأمم المتحدة بنيويورك مما يعد بحق
خضوعاً واضحاً للابتزاز الصهيوني ودعماً لمخططات تهجير اليهود وتوطينهم في فلسطين
على حساب سكانها الأصليين «الفلسطينيين«، واستمرار للجريمة الدولية ضد الشعب
الفلسطيني والمتواصلة منذ وعد بلفور .1917 ولعل أكبر دعم يمكن أن تحظى به الحملة
الصهيونية في هذا الشأن هو أن تؤكد الأمم المتحدة تلك المنظمة التي طالما انتقدت
سياسات إسرائيل، ان هناك أجواء دولية معادية للسامية، الأمر الذي يعني «تصديقا
دولياً« على المزاعم الصهيونية عن تصاعد العداء للسامية وعودة اضطهاد اليهود، وانه
لا حل إلا بالتوجه الى الملاذ الآمن لليهود داخل «وطنهم القومي«، أي داخل إسرائيل.
ومن هنا، قلنا إن قيام عنان بذلك سواء أكان عن علم فهو جريمة وخضوع سافر للابتزاز
الصهيوني، وإذا كان عن جهل فهو خطأ لا يغتفر سيقود الى كارثة جديدة للشعب
الفلسطيني، إذْ أن هذا التصرف يعد نوعاً من «النفاق السياسي« لإسرائيل وخضوعاً
لإرهابها، في وقت تشن فيه أعتى حملة إبادة ضد الشعب الفلسطيني منذ حرب .1948 إن
العرب هم آخر من يمكن اتهامهم بالعداء للسامية، لأن العرب أنفسهم «ساميون« تعود
جذورهم العرقية إلى سام بن نوح، أيضاً، فلا يمكن أن يكونوا أعداءلإنفسهم، كما أن الدين
الإسلامي يعترف بأهل الديانة اليهودية بأنهم من أهل الكتاب، والاعتراف بالديانة
اليهودية والديانة المسيحية «النصرانية« جزء من عقيدة كل مسلم الذي يعتبر الإسلام
جاء خاتمة لرسالات الرسل والدين السماوي الجامع لما قبله من ديانات سماوية. لكن
العرب والمسلمين يفرقون بين اليهودية كدين سماوي معترف به وبين الصهيونية التي
يعتبرونها أيديولوجية استعمارية قادت الى نكبة ومحنة الشعب الفلسطيني لأنها قامت
على فكرة اقتلاع شعب من دياره بزعم انه لا وجود له تاريخاً وجوديا ألم تقل جولدا
مائير رئيسة وزراء اسرائيل الراحلة يوماً: «انه اذا كان هناك شعب يسمى الشعب
الفلسطيني فهو حتما الشعب اليهودي«. ولهذا فإن مشروع الحركة الصهيونية قاد الى
تهجير اليهود الى فلسطين وتهجير الفلسطينيين من ديارهم، ولهذا، فإن المشروع
الصهيوني هو محل نقد ورفض في عموم العالم العربي، وهو سبب تفجير الصراع بين العرب
والإسرائيليين في الشرق الأوسط منذ وعد بلفور عام 1917 وحتى يومنا هذا. والموقف
العربي في مسألة «معاداة السامية« يتلخص في أنه اذا كان مصطلح «العداء للسامية« قد
جاء نتيجة تجربة قاسية ومريرة لليهود في أوروبا، التصقت بالتمييز العنصري ضد
اليهود هناك في المجتمعات الأوروبية منذ القرن الثامن عشر ووصولا الى حملة هتلر
النازية ضد اليهود، فإن العرب والفلسطينيين لا يجب ان يدفعوا الى الأبد ثمن خطأ
مشكلة أوروبية وعقدة ذنب بشأن اضطهاد اليهود هناك. فقد جاء حل المشكلة الأوروبية
مع اليهود عبر حل استعماري قضى بإنشاء كيان يهودي على أرض عربية (فلسطين) واضطهاد
شعبها الى يومنا هذا. ولذلك فان النضال ضد هذا المشروع الاستعماري الاستيطاني
الصهيوني ليس عداء لليهود في حد ذاتهم، وانما هو نضال ضد مشروع استعماري قاد الى
محنة عربية وإسلاميةوفلسطينية. ولذلك، هناك رفض عربي مطلق للمحاولات الإسرائيلية
الرامية الى اعتبار ان أي نقد للصهيونية أو للسياسات العدوانية والتوسعية لحكومات
إسرائيل هو بمثابة «عداء للسامية«. ولعل هذا هو أحد المحاور والأهداف الأساسية
لتجديد الحملة الصهيونية العالمية عن «العداء للسامية« وذلك عبر محاولة دمج
ومساواة الصهيونية وإسرائيل بالسامية، واعتبار معاداة إسرائيل والصهيونية هي
معاداة للسامية ولعل هذا ما نجحت فيه إسرائيل، مؤخراً، عبر دفع قاموس أو معجم «وبستر«
الأمريكي ذائع الصيت الى تبني تعريف أن معاداة إسرائيل تعني معاداة للسامية، حيث
أضاف المعجم الى التعريف المتبع لكلمة معاداة السامية، وهو «العداء لليهود كأقلية
دينية وعرقية« تعريفاً ثانياً يصنف المعادي للسامية بأنه «المعارض للصهيونية
والمتعاطف مع أعداء دولة إسرائيل«. ورغم أن هذا التعريف أثار احتجاج منظمات عربية
مناهضة للتمييز العنصري داخل أمريكا، إلا أن دار نشر معجم «وبستر« أعلنت أنها لن
تغير شيئاً في تعريفها الجديد لمفهوم معاداة السامية. لكن الأمر المؤكد أن نقد أو
مهاجمة السياسات الوحشية لحكومة شارون ضد الشعب الفلسطيني لا يمكن الإقرار بأنه
بمثابة «عداء للسامية«، بل على النقيض من ذلك فإن هذا التوحش الصهيوني هو الذي
يؤدي الى تنامي الشعور بالعداء تجاه اسرائيل واليهود. ولعل ذلك ما أكد عليه
مؤخراً، رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوجان حينما اتهم اسرائيل بتغذية نزعة
معاداة السامية، وأعلن أردوجان في 15 يونيو 2004 أن السياسة الإسرائيلية في
الأراضي الفلسطينية المحتلة تقوي نزعة معاداة السامية في العالم داعياً إسرائيل
الى التخلي عن عملياتها ضد الفلسطينيين. وفي كل الأحوال، فإذا كان اليهود يعانون
من عقدة اضطهاد من جانب الأوروبيين، واذا كان الأوروبيون يشعرون بعقدة ذنب تجاه
اليهود، فإن كل ذلك لا يبرر أن يصبح العرب ضحايا لهذه العقد التاريخية، ويتم
اتهامهم بمعاداة السامية لمجرد أنهم يدافعون عن أوطانهم وحقوقهم التاريخية
المشروعة التي كفلتها وأقرتها القرارات الدولية للأمم المتحدة. أو ان يصبح
الفلسطينيون ضحايا جدد للتمييز العنصري، فتحت ذريعة الخوف من اغضاب إسرائيل
واليهود والخشية من الاتهام بالعداء للسامية يتم إطلاق العنان لإسرائيل لتعيث في
الأرض فساداً وإرهاباً، وتغتال بالقوة الغاشمة الأحلام المشروعة للفلسطينيين
بالعيش في وطن ودولة مستقلة على أراضيهم التاريخية.