قصص رهيبة عن استمرار التعذيب في السجون العراقية
بقلم :الدكتور
سهيل حسين الفتلاوي
من قصص التعذيب في
السجون، قيام عدد من الجنود الأمريكيين بتسليم إدارة مستشفى تكريت ستة جثث عراقيين
من بينهم امرأة دون بيان هوياتهم وملابسات وفاتهم. وبعد رحيل الجنود الأمريكيين من
المستشفى تبين ان أحد هؤلاء الستة على قيد الحياة لم يعرف به الجنود الامريكيين
حيا. وقد تبين انه فاقد الوعي من جراء التعذيب.
على الرغم من الضجة
التي أثارتها فضيحة معاملة الأسرى العراقيين في سجن أبي غريب وتأسف الإدارة
الأمريكية على الجرائم الشاذة التي أرتكبها جنود الاحتلال، فلم تتوقف قوات
الاحتلال بانتهاك كرامة الإنسان العراقي، بل استمر التعذيب بشكل أقسى من السابق. فلا
تزال النفوس المريضة تفرز سم حقدها على المواطنين الأبرياء والآمنين ووسعت من نطاق
شبكة التعذيب بشكل لم يشهد التاريخ المعاصر مثيلا له. فلكل معتقل قصة وقضية وألم
وفاجعة لم يشهد التاريخ المعاصر مثيلا لها. فكل ما نشر من صور واعترافات وتصريحات
لا تمثل إلا النزر القليل القليل جدا. فما خفي أعظم وأدهى وأمر.
وقد ارتكبت القوات
الأمريكية في العراق جرائم جديدة عديدة في تعذيب السجناء العراقيين. فبعد فضيحة
أبي غريب ارتكبت مجازر أخرى في سجون الاحتلال الأمريكي في العراق. حيث تسلمت
مستشفى تكريت ستة شهداء قتلوا بالتعذيب في معتقلات الاحتلال. فقد صرح الدكتور علي
حسين الزبيدي الطبيب في مستشفى تكريت العام عن قيام عدد من الجنود الأمريكيين
بتسليم إدارة المستشفى ستة جثث عراقيين من بينهم امرأة دون بيان هوياتهم وملابسات
وفاتهم. وبعد رحيل الجنود الأمريكيين من المستشفى تبين ان أحد هؤلاء الستة على قيد
الحياة لم يعرف به الجنود الامريكيين حيا. وقد تبين انه فاقد الوعي من جراء
التعذيب. وقد وردت معلومات بانه من أهالي كركوك. فأرسل إلى مستشفى كركوك بانتظار
من يعرفه.
وعندما علمت قوات
الاحتلال الأمريكي بانه لا يزال حيا بدأت بالبحث عنه. ولا يعرف مصير هذا الشخص
الذي تبحث عنه القوات الأمريكية لقتله. وقد وزعت أقراص ليزرية تحمل صورة الشهداء
والشخص الناجي. كما نشرت بعض الصحف المحلية صورهم. وهذه الجريمة وقعت بعد فضيحة
سجن ابي غريب.
كما كشف مدير معهد
الطب العدلي في بغداد الدكتور فائق أمين بكر ان معهده تسلم العديد من الجثث
القادمة من السجون العراقية عن طريق الصليب الاحمر ومعها شهادات وفات صادرة من
قوات الاحتلال بعضها دون شرح أسباب الوفاة.
وقد تسلم المعهد لحد
الآن 120 جثة بينها نساء. وقسم من هذه الجثث خضعت للتشويه من قبل الأمريكيين. وأضاف
مدير المعهد ان عدد القتلى والموتى الذي يرد المعهد يوميا يتراوح بين 20 إلى 40
شهيدا.
كما تسلمت أسرة
العميد الركن عبد الكاظم مشاري الذي كان في احدى معتقلات الاحتلال في الرضوانية
جثته وهي مشوهة ومقطعة الاوصال. والعميد من ثوار تموز. وقد اعتقل مع ولديه. ولم
يعرف مصيرهما.
وهذه الجرائم بعد
فضيحة سجن أبي غريب ما أمكن التعرف عليه فهناك العديد من القضايا لا يمكن التعرف
عليها خاصة بسبب عدم السماح بالمراجعة عن المعتقلين.
والمهم في معرفة
طبيعة وسائل التعذيب التي لجأت إليها سلطات الاحتلال داخل المعتقلات للأسرى
العراقيين. فالوسائل المتبعة عبرت عن فلسفة أمريكية محددة. فقد درس الخبراء في
البنتاغون ما هي الوسائل التي يتمكنون بموجبها من إذلال العراقيين ودفعهم بالاتجاه
الذي يهدفون إليه، وبالتعاون مع العملاء وجدوا ان التعذيب الجسدي والقتل والضرب لا
يجدي نفعا بسبب صلابة العراقيين أمام مثل هذه الممارسات. ولهذا فقد فهموا طبيعة
المجتمع العراقي بكونه مجتمعا عربيا إسلاميا يقوم على منظومتين لا يجوز المساس بها
أو التقرب منها، وهما منظومة الشرف ومنظومة الدين.
وبالنسبة لمنظومة الشرف
فقد تمكن الأمريكان من المساس بالشرف داخل المعتقلات واستخدموا أبشع الممارسات
التي يندى لها الجبين الإنساني. أي المساس بمواضع من جسم الأسير يعدها العربي
المسلم من المناطق التي تهز لها القيم والأخلاق. وقد لا تكون مثل هذه المواقع مهمة
في مجتمعات أخرى كما هو الحال بالمجتمع الأمريكي، بينما تمثل هذه المواقع عند
العربي المسلم اخطر من الموت وأبعد من كل انواع التعذيب الجسدي. ومن هذا المنطلق
لجأت سلطات الاحتلال إلى التأثير على منظومة الشرف وارتكبت أفضع الفواحش التي لم
يعهدها المجتمع العربي والإسلامي دون التمييز بين الرجال الكبار والصغار والاحداث
والنساء.
ويقول العديد من
السجناء الذين افرج عنهم مؤخرا. بان المعتقل عند دخوله السجن يوجه من قبل مجموعة
من الجنود يحملون شفرات حادة لتمزيق الملابس التي يرتديها وهو معصوب اليدين
والعينين. ويتعرض للتعذيب اليومي بوسائل متعددة. والمهم في ذلك فان هذا التعذيب لا
يقصد منه الحصول على معلومات بقدر ما هو حالة من التشفي والانتقام.
وعلى الرغم من
التوجهات الكاذبة التي أطلقتها الإدارة الأمريكية بانها أصدرت أوامرها إلى قواتها
المسلحة بعدم القيام بهذه الممارسات اللاخلاقية والإنسانية فان سلطات الاحتلال
تحولت إلى المنظومة الثانية وهي منظومة المقدسات الدينية والتي لا تقل تأثيرا عند
المواطن العربي المسلم عن المنظومة الأولى. فمن المعروف ان العراقيين يعدون
الأماكن المقدسة جزءا لا يتجزأ من وجودهم. فقدموا آلاف الشهداء عبر التاريخ للدفاع
عنها ومنع العدوان عليها. وقد فهمت سلطات الاحتلال موقع الأماكن المقدسة في نفوس
العراقيين، ليس الاماكن المقدسة الخاصة بالمذهبين الشعي والسني بل ان العراقيين
بمختلف الاديان والمذاهب يدافعون ويحافظون على جميع الاماكن المقدسة وان كانت تعود
لاديان أخرى كالمسيحية والهيودية. ولهذا فقد عمدت سلطات الاحتلال على المساس
بمنظومة الدين والذي تمثله الاماكن المقدسة التي جعلوها هدفا لعملياتهم العسكرية
اليومية في العديد من مناطق العراق سواء أكانت السنية أو الشيعية منها. فما قيامهم
بإنتهاك جامع أبي حنيفة لمرات عديدة وهدم المساجد في العديد من مناطق العراق وخاصة
في مدينة الفلوجة والرمادي والمدن الاخرى إلا إذانا للعراقيين بان قوات الاحتلال
تقوم بتعذيب العراقيين والمساس بمقدساتهم. ولم تكتف سلطات الإحتلال بل إنها ذهب
إلى ابعد من ذلك عندما قامت بجعل المدن المقدسة مثل كربلاء والنجف ساحة عمليات عسكرية
وإبادة العراقيين من الشباب والاطفال والنساء والشيوخ والزوار الاجانب وعلى ابواب
هذه المقدسات نحرت القوات الأمريكية المئات من المواطنين. وذهبت إلى أبعد من ذلك
عندما قامت بضرب ضريح الأمام علي بن أبي طالب عليه السلام والاضرار بالقبة الشريفة
بطلقات نارية.
فقد كانت قوات
الاحتلال تقوم بالقبض على المواطنين الآمنين في بيوتهم بطرق استفزازية وبهلوانية
وتأخذهم للمعتقلات وتقوم بتعذيبهم وقتلهم فيها، فإنها عمدت في الوقت الحاضر إلى
قتل المواطنين في بيوتهم أمام أطفالهم ونسائهم وآبائهم وامهاتهم وامام مقدساتهم
وبشكل افضع بشاعة من القتل داخل المعتقلات.
فإذا كان الجلادون في
سجن أبي غريب يتسلون بقتل الإنسان العراقي ويقضون أوقات فراغهم باللعب في أعضاء
جسمه فأنهم انتقلوا للخارج يسلون أنفسهم من على طائراتهم ودباباتهم ليقتلوا الوليد
والطفل والمرأة في اكثر منطقة في العراق ازدحاما. فلم يكتفوا بقتل الاطفال والنساء
وهدم البيوت وقتل زوار العتبات المقدسة في النجف وكربلاء بل لم يسلم منهم حتى
الموتى. فقد جعلوا من مقبرة وادي السلام في النجف ساحة عمليات عسكرية خلافا لقواعد
القانون الدولي الإنساني التي منع التعرض لمثل هذه الاماكن لما تحمله من قدسية وما
تمثله من موقع لدى الناس.
ونقول بهذا الصدد ان
التعذيب الذي قامت به سلطات الاحتلال الأمريكي لم يتوقف بل انه استمر إلى حد هذا
اليوم وانتقل من منظومة الشرف إلى منظومة الدين فلا فرق بين المنظومتين عند
العراقي. فقد انتقل التعذيب من أبي غريب إلى معتقل أوسع لتشمل مساحته العراق كله
وفي أقدس مناطق العراق.
وكل ما تبغيه قوات
الاحتلال من هذه الأنواع من التعذيب هو توجيه رسالة إلى العالم كله وخاصة الدول
الكبرى منه لتقول لهم أنكم لم توافقوا عن طريق مجلس الأمن بالحرب ضد العراق. فإننا
نفعل ما نريد وانكم ترون كل شئ ولا تستطيعون تحريكوا السنتكم وتقولوا شيئا. فهذه
الأمركة وهذا هو مفهومها.
وإذا ما تعمقنا في
فهم حملة التعذيب الوحشية التي ارتكبتها قوات الاحتلال ضد العراقيين فاننا نجد انه
يثبت حقيقة مفادها انه رد فعل لهزيمة الولايات المتحدة في العراق هزيمة مرة وقاسية
ليس إلا.