مسؤولون 0000عن استشهادكم !

 

 

 

بقلم: مهند عبد الحميد

 

نايف ابو شرخ، سامر عكوبة، عمر مسمار، وجدي القدومي، نضال الواوي، جعفر المصري، فادي البهيتي، والشيخ ابراهيم فرسان ترجلوا، وارتفعوا نجوماً متلألئة في السماء ليضيئوا مسيرة الحرية، كان يوماً نابلسياً بامتياز، كان يوماً حزيرانياً اسود. يوم اراد المحتلون اطفاء نار الجبل كي تسبح المدينة في الظلام. لكن كوكبة الشهداء سرعان ما بددت عتمة المدينة والوطن، كانوا الشمعة التي اخترقت ظلام المدينة وهم احياء، وكانوا الحراس الذين سهروا الليالي الطوال كي ينام اطفال المدينة. صاروا شموعاً تبدد عتمة المدن وعتمة الوطن وهم شهداء. وقرعوا وهم يغادرون اجراس الخطر وقالوا لنا: كفى لا مبالاة وخمولاً وانتظاراً، وكفى الاخذ بنظام تقسيم العمل بي مقاومين، ومتفرجين، ومقاولين ولاهثين وراء الربح السريع والصعود الاسرع.

يوم استشهادكم كما هو يوم استشهاد كل المناضلين يختلط الحابل بالنابل ويسجل جميع الوان الطيف المواقف الواحدة، والحزن الواحد والعزاء الواحد، ويكون الافتراق في عد الخسارة والربح . المقاومون والمتوحدون معهم يدفعون الثمن الماً وحزناً وجوعاً، والمقاولون يزدادون ربحاً، يربحون في الجنازة وما قبلها وما بعدها.

***

عادت الخيول ولم يعد الفرسان، هب ابناء المدينة يبحثون عن العشاق المترجلين، يحتضنونهم بأفئدتهم، ويوشوشونهم بكلمات الاعتذار والحب، ويغسلونهم بأغلى واعز انواع الدموع، دموع الشبان والشابات، كانت المدينة مدينتين، مدينة المقاومة والعطاء والاصالة والدمار والموت التي تبحث عن حريتها، ومدينة تبحث عن المجهول. لكن نابلس ويا للهول خرجت بأعلام ليست لها. من يصدق ان هذه المدينة التي عرفت كل المدن بالعلم الفلسطيني فقدت علمها، اين علم بلادنا ايها الشهداء الاحياء والاموات؟ هل اندحرت المسيرة كي يسقط العلم؟ المدينة أيها الاحبة لم تسقط كي يسقط العلم. هل يرمز فقدان العلم لحالة الضياع، ضياع الهوية والاتجاه والهدف والوطن؟ هل سرق المقاولون العلم وحولوه الى سلعة للبيع والربح السريع؟ هل يرمز علم بلادنا للفاسدين والمسيئين ام هو رمز لحرية الوطن والشعب. نابلس ستعود الى علمها وعلمنا جميعاً علم الشهداء والحرية الذي سيبقى يرفرف ويخفق في اعالي الجبال.

***

انا اقتل اذا انا موجود!!! قتلوا في نابلس وحدها 432 مواطناً ومواطنة، دفنوا عائلة بأكملها تحت الانقاض. قال لهم محمود درويش في احدى قصائده: خذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا". وها هم يأخذون حصصاً يومية ولا ينصرفون. ألم يقل احد قادتهم "ان الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت"! وكأن موتنا يسعدهم رئيس الحكومة يهنئ الجنود القتلة الذين ارتكبوا مجزرة نابلس، والجنرالات يتبادلون الانخاب! بعض المختصين النفسانيين يقول ان قتل الفلسطيني يخلق نوعاً من التوازن لدى فئة كبيرة من الاسرائيليين وخاصة "المؤسسة الامنية. أما الهدوء والحديث عن التعايش والسلام فهو يربك الاستقرار والتوازن النفسي".. مجزرة نابلس تؤكد هذه المقولة فقد جاء القتل في ظل المبادرة المصرية ومحاولات السلطة الوطنية حل قضية المقاومين وفي ظل هدوء ما قبل الهدنة، جنود يقتلون ويتبادلون انخاب موتنا ولا يعترفون بقوانين الحرب واخلاقياتها ولا يعترفون بقوانين السلام ومواثيقه، ولا يعترفون برحمة الشرائع السماوية، يقتلون ويحملون الضحية مسؤولية موتها، وموتهم ان ماتوا. سيبقىالصراع مدويا الى أن يتحسس أكثرية الإسرائيليين معاناتنا وانسانيتنا، ولن تنته الحرب طالما استمتعت الاكثرية الإسرائيلية بموتنا، فإلى متى؟

***

البلدة القديمة (نابلس) خاضت معركتها الدفاعية وحيدة على امتداد الأيام والاسابيع السابقة. الزاوية استبسلت وحدها في الدفاع عن الارض والزيتون. رفح التي تستباح كل صباح ومساء تواجه مصيرها وحدها، الرام الآن تواجه مصيرها كما واجهت بدو وبيت دقو وبدرس وسائر المواقع مصائرها، كل فصيل يخوض المعركة او لا يخوض المعركة على هواه منفرداً ومتفرداً. وقواعد التنظيمات منفصلة عن قيادتها، المقاولون يبرمون الصفقات وحدهم، وكل مستوى من مستويات السلطة التنفيذية يعمل وحيداً. انها التفكيكية المدمرة التي يسعى المحتلون لفرضها في الواقع . يريدون فك قطاع غزة عن الضفة الغربية، وفك شمال الضفة عن وسطها وجنوبها وفصل مدينة القدس عن كل محيطها. ويريدون فك المقاومين عن تنظيماتهم ومواطنيهم وشعبهم من اجل الاستفراد بهم وتصفيتهم. ويريدون فك المناطق عن بعضها من اجل فرض السيطرة على كل موقع وزاوية وحي ومنحنى.

***

من المسؤول عن استشهادكم وخسارتكم التي لا تقدر بثمن؟ الجواب التقليدي المتبع هو الاحتلال. لكن الاحتلال الذي نفذ الجريمة لم يكن وحيداً في المسؤولية. نحن جميعاً مسؤولون عن "موتكم" استشهادكم لأننا لم نؤمن لكم الحماية الكافية. المثقف والاكاديمي والاعلامي مسؤول لأنه بخل عليكم برأيه وافكاره التي حبسها او حجبها عنكم واطلقها لتختنق خلف الابواب والجدران وفي الصالونات السياسية المنعزلة عنكم وعن الجمهور. كان من المفترض تأمين الحماية الفكرية لكم من قبل المثقف، عبر اطلاق الافكار حول المقاومة واشكالها المشروعة، وحول القانون والشرعية الدولية وحقوق الانسان وكيفية استخدامه كسلاح واخذه بعين الاعتبار اثناء النضال، وحول التحولات السياسية العالمية وعلاقتها بنضالنا.

والسياسيون يتحملون قسطاً من المسؤولية عن استشهادكم، لأنهم لم يسلحوكم بسياسة واقعية حكيمة واختاروا اسلوباً نضالياً تسبب في عزل نضال الشعب الفلسطيني عن العالم. وتسبب في رفع الشرعية عن نضالكم الباسل ودمج النضال الفلسطيني بالارهاب الدولي، وساهم في استفراد القوة الغاشمة بكم. لم يراجع السياسيون المسيرة على ضوء النتائج والتحولات. ولم يضعوا استراتيجية لتطوير النضال. وواصلوا تقديم ذات الخطاب الاجوف وصاروا جنرالات بلا جيوش! والسلطة الوطنية تتحمل قسطاً من المسؤولية عن استشهادكم لأنها لم تؤمن الحماية السياسية المسبقة لكم واكتفت ببيانات الشجب والاستنكار شأنها شأن الانظمة العربية العتيدة.

عزاؤكم .. ايها الابطال الميامين انكم كشفتم عوراتنا .. فهل من مجيب؟!