وقفة أما اغتيال أبطال المقاومة في نابلس

 

 

 

بقلم: هاني المصري

 

قالت أم عزام، الجدة الفاضلة، التي فقدت حفيدين شقيقين منذ عدة أشهر، حين اغتالت الأول قوات الاحتلال، بينما استشهد الثاني أثناء تنفيذه عملية استشهادية، لابنها المطارد جعفر في آخر لقاء جمع بينهما قبل استشهاده بأيام قليلة: سلم نفسك يا ضناي، حتى لا تيتم أولادك، لأن اغتيالك ما هو سوى مسألة وقت. فأجابها جعفر بقوة وبلا تردد: لا لن أسلم نفسي، وإذا استشهدت أكون فداء للوطن. أما أبنائي سيعيشون أيتاماً مثلك يا أمي، فأنت عشت يتيمة. وأنا واثق أنك يا أمي أنت وأبي ستتكفلون بأبنائي. استشهد جعفر، فقلب الأم دليلها، كما يقال، وبقيت أم عزام صابرة، وهي اسمها صابرة. سميت صابرة، وعاشت صابرة، وستموت وهي صابرة، فهي كانت مثالاً للأم الفلسطينية، وجاء الاسم عندها ليطابق المسمى تماماً.

جعفر المصري، ابن ابن عمتي، قائد كتائب عز الدين القسام في نابلس، عاش بطلاً ومات بطلاً، وضاقت به الأرض في أيامه الأخيرة، لدرجة أنه قال لزوجته في آخر اتصال تلفوني بينهما أنه لا يجد سوى سنتمترات قليلة لينام فيها. لقد نذر جعفر حياته من أجل فلسطين، وأقدم على الموت غير هياب منه. وهذا شأن الشهيد الفلسطيني منذ أول شهيد وحتى تحرير الأرض المحتلة. فالشهيد الفلسطيني مؤمن بقضيته وانه يدافع عن حق، ومؤمن بدينه وربه، ويعرف أن حرية الوطن تشترى بالدم والشهداء، وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون.

جعفر استشهد مع بطل الأبطال نايف أبو شرخ، قائد كتائب شهداء الأقصى المطارد منذ سنوات، الذي تحمله اسرائيل المسؤولية عن العديد من العمليات داخل الضفة وفي اسرائيل، لقد استشهد مع نايف وجعفر، ثلة من الأبطال هم: فادي البهيتي المعروف باسم الشيخ ابراهيم، قائد سرايا القدس، وسامر عكوبة وعمر مسمار ووجدي القدومي ونضال الواوي كتائب شهداء الأقصى. وتمت عملية اغتيال الشبان السبعة في مخبأ ضيق جداً تواجدوا بداخله في حوش الجيطان بالبلدة القديمة في نابلس.

لقد استطاعت قوات الاحتلال أن تنال من هؤلاء الأبطال، ولكنها أبداً لن تستطيع تحقيق هدفها الأكبر في اغتيال روح المقاومة، وفي كسر ارادة الشعب الفلسطيني على الصمود، وعزمه على تحقيق الحرية والاستقلال مهما طال الزمن وغلت التضحيات.

ولا أقول ما سبق، تعبيراً عن الغضب المشروع فقط، أو نوعاً من الانشاء اللغوي والبلاغة الأدبية، وانما قراءة موضوعية لسير ومجريات الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي المندلع مع أول موجة من موجات الهجرة الصهيونية الى أرض فلسطين. لقد قامت الحركة الصهيونية على شعار "شعب بلا أرض وأرض بلا شعب"، وها هي الآن، ورغم كل الحروب والمجازر والهجرات تواجه بوجود فلسطينيين على أرض فلسطين يقاربون نفس عدد اليهود فيها، وسط تقديرات بأنهم سيصبحون أكثر منهم خلال سنوات قليلة.

لقد كسبت قوات الاحتلال جولة، واصطادت صيداً ثميناً، ووجهت ضربة قوية واحدة لعدد من قيادات المقاومة، ولكنها لم تنتصر في الحرب، فالحرب نزال، وهي انتصرت في مجرد جولة من جولات الحرب الطويلة، والرد الفلسطيني آت لا محالة، وجاء سريعاً في العملية النوعية الجريئة المتمثلة في تفجير موقع عسكري اسرائيلي جنوب مستوطنة كفار داروم.

أزمة الخيار العسكري..

تأسيساً على ما تقدم، وعلى أساس القناعة الراسخة بإمكانية الرد الموجع على جرائم الاحتلال الا ان الوطنية الحقة، والانحياز الى مصلحة الشعب تقتضي القول بجرأة: إن اغتيال نايف أبو شرخ ورفاقه يعكس مرة أخرى أزمة الخيار العسكري الفلسطيني ويتطلب ضرورة مناقشة هذا الخيار، خصوصاً لجهة اعتماد نمط العمليات الاستشهادية داخل اسرائيل. ففي ظل غياب الخيار العسكري العربي، والأفق الدولي، وفقدان هانوي العربية أو دمشق وطهران، وموسكو الدولية، أي في ظل غياب العمق البشري والجغرافي والاستراتيجي للمقاومة المسلحة الذي يمدها بالدعم السياسي والمعنوي والمادي والتسليحي، وفي مرحلة سيطرة القطب الأميركي على العالم وحده، وسيطرة الحرب على الارهاب على الأجندة الدولية، ووسط المحاولات المحمومة والمتواصلة لربط المقاومة الفلسطينية المشروعة بالارهاب.. في ظل كل ما تقدم، لا أفق لاستخدام الكفاح المسلح كأسلوب رئيسي أو وحيد من أساليب المقاومة الفلسطينية. بل محكوم على الكفاح المسلح الفلسطيني الفشل في ظل استمرار المعطيات المحلية والاقليمية والعربية والدولية. وهذا لا يعني الدعوة للاستسلام. فهناك بديل ويمكن السير فيه.

إن هذا الرأي كان وارداً منذ بداية الانتفاضة، وأصبح وارداً أكثر الآن بعد حوالي أربع سنوات على اندلاعها. فالتجربة الغنية التي شهدتها السنوات الماضية بما لها وعليها، وضرورة التمسك بعدالة القضية الفلسطينية وطابعها الأخلاقي والشرعي والمحق، وعلى ضوء حسابات الربح والخسارة، وأهمية عدم الانجرار أكثر الى خوض الصراع في ملعب شارون، بحيث بدا كأنه حرب عسكرية بين طرفين متكافئين أو شبه متكافئين، ما أدى الى تحول دور الشعب الفلسطيني، وكأنه دور المشاهد والمنتظر والمتلهف للانتقام والرد من خلال العمليات الاستشهادية التي لا يقدر على تنفيذها سوى ثلة من الأبطال الذين نذروا حياتهم رخيصة في سبيل الوطن، في حين المطلوب ان يزج الشعب الفلسطيني بكل قوته وطاقاته وكفاءاته في مقاومة شعبية طويلة الأمد، متعدد الأشكال، طابعها الأساسي جماهيري سلمي، فمثل هذه المقاومة تضغط على نقاط الضعف في اسرائيل وتضعفها أكثر. أما طغيان الطابع المسلح على المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال، ساعد اسرائيل (من دون قصد طبعاً) على توحيد نفسها والزج بكل قواها العسكرية، وتحييد المجتمع الدولي بل وفي كسب أطراف منه، كما ساعدها على خوض معارك فاصلة تحت شعارات زائفة عن حقها بالدفاع عن نفسها، وادعاءات باطلة بأن وجودها مهدد، في حين ان الذي يتعرض للعدوان العسكري ووجوده مهدد هو الشعب الفلسطيني الذي تصادر أرضه وتستوطن وتداس حقوقه، ويفرض عليه أن يعيش في جحيم لا يطاق، حتى يرحل عن وطنه طواعية. إن هذا الجحيم الذي يعيشه الفلسطيني جعله لا يفرق بين الموت والحياة. ولكننا لا نتحدث عمن معه الحق، ولا عن لوم الفلسطيني مهما فعل، ولكننا نلفت الأنظار الى ضرورة المزج بين الحق والحكمة. فلدى الشعب الفلسطيني كامل الحق بمقاومة الاحتلال بكافة الأشكال. ولكن الحكمة تفرض عليه كظم الغيظ والتصرف كما يجب التصرف وليس كما يريدنا الاحتلال أن نتصرف أو كما يتوقع أن نتصرف.

الاحتلال يرحل عندما يخسر..

وعندما نضع تجربة الكفاح المسلح تحت مجهر التقييم علينا أن نتذكر دائماً أنه من دون أفق سياسي قادر على انهاء الاحتلال وهو غير موجود حتى الآن، ومن دون مقاومة تجعل الاحتلال يدفع ثمناً غالياً لاحتلاله فلا يمكن أن يرحل الاحتلال. فالاحتلال سيرحل عندما يخسر من احتلاله أكثر ما يربح منه؟ أو عندما يقتنع أنه سيربح من انهاء الاحتلال أكثر ما يربح من استمراره؟ أو عندما يحدث الأمران معاً؟ ولا يمكن اقناع اسرائيل بالانسحاب عبر المفاوضات فقط، أو بالرهان على عملية سلام قتلتها اسرائيل لأنها لا تريد سلاماً وانما فرض حلها المنفرد بالقوة وعلى طاولة المفاوضات. و إذا لم يقبل الحل الاسرائيلي أثبتت اسرائيل أنها مستعدة لخوض مفاوضات عبثية لمدة مائة عام، تستغلها غطاء لفرض الأمر الواقع الذي يخلق حقائق تفرض نفسها على الفلسطينيين سواء إذا تفاوضوا أو لم يتفاوضوا.

السؤال الآن هو ليس حول شرعية الكفاح المسلح وانما: ما هو موقع الكفاح المسلح في المقاومة الفلسطينية، وهل هو شكل ثانوي أو الشكل الرئيسي أو الوحيد؟ وما هو التوقيت المناسب له؟ وما هي الأهداف التي يتوجه لها؟ التجربة الفلسطينية الراهنة أثبتت أن النضال الفلسطيني بحاجة الى فترة طويلة حتى يحقق أهدافه، وحتى يستطيع تحمل أعباء هذا النضال لا بد أن يحتل الكفاح المسلح دوراً ثانوياً الى أقصى حد. ويمكن أن ينحصر في مجال الدفاع عن النفس في مواجهة اعتداءات المستوطنين المسلحين وقوات الاحتلال وضد أهداف منتقاة بعناية. إن الطابع الأساسي للمقاومة، يجب أن يكون جماهيرياً لأنه ينسجم مع طبيعة الصراع وخصائصه، ومع موازين القوى العسكرية، ومع هدف النضال الفلسطيني الممكن وهو اقامة دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل. الاحتلال يولد المقاومة، ولكن المقاومة التي نحتاجها، والتي علينا أن نقوم بها، هي تلك المقاومة القادرة على تحقيق أهدافها في دحر الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة وعاصمتها القدس وحل مشكلة اللاجئين حلاً عادلاً وفقاً لقرار 194!!