من قاموس المصطلحات المشبوهة في الصراع العربي-الصهيوني
بقلم :د. ابراهيم
علوش
لا نحتاج للتحدث عن
التطبيع بالضرورة، مع أنها تقود إليه في النهاية. هي مصطلحاتٌ رائجة في وسائل
الإعلام، غير أنها لو غاب عنك باطنها، فإن ظاهرَها يخنق الثوابت ويلتف على الوعي
كالسرطان الخبيث. إنها مفرداتٌ لصناعة الوعي المزيف، أي الوعي الذي يجعل أبناء
الأمة يتخذون مواقفَ مضادة لمصالحهم ومنسجمة مع مصالح الذين ارتبطوا بالطرف
الأمريكي-الصهيوني بهذا الشكل أو ذاك. إنها مصطلحاتٌ مشبوهةٌ تحفر في الشارع
العربي ببطء لتخطَ له مساراً يقوده بهدوءٍ إلى المعسكر الآخر، وهي تبدو حيادية
أكثر كلما تكثف مضمونها المعادي، ومنها:
- «الشرعية الدولية»:
هي القرارات والسياسات التي يفرزها ميزان القوى الدولي في الأمم المتحدة. وفي
الصراع العربي-الصهيوني، وهبت «الشرعية الدولية» 55 بالمائة من فلسطين للغزاة
بقرار التقسيم رقم 181، ثم تبرعت بـ 23 بالمائة أخرى لليهود في قراري 242 و338،
وبعدها اعترفت باتفاقية أوسلو التي عومت السيادة على الاثنين والعشرين بالمائة
الباقية من فلسطين، وكانت قد فرضت الحصار على العراق ثلاثة عشر عاماً، ومن ثم
شرعنت احتلاله بعدها. فالدعوة لتطبيق «قرارات الشرعية الدولية» الذي يسوق لنا على
أنه مطالبة بالحقوق العربية يعني في الواقع الدعوة للقبول بالأمر الواقع الناتج عن
ميزان القوى الدولي المائل ضدنا. والحقيقة هي أن «الشرعية الدولية» لم تعطِ يوماً
أيَ حقوق لشعبٍ غير قادرٍ على انتزاعها بالقوة.
- «الدولة الفلسطينية»
أو«الاستقلال»: هو شعار رفع كبديلٍ لشعار تحرير فلسطين. ولذلك نرى بوش وشارون
يسارعان لإلقاء هذا الطعم بين الفينة والأخرى حتى أصبحت «الدولة الفلسطينية» و«الاستقلال»
مطلب الكثير من الأطراف العربية المرتبطة بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي
والكيان. والحقيقة البديهية هي أن النقيض المنطقي للاحتلال الذي نعاني منه هو التحرير،
وليس الدولة. أما طرح شعار «الدولة المستقلة» كبديل فلا يعبر عن المطالبة بحقوق،
بل يعبر عن مناورة لتمرير التخلي عن الحقوق التاريخية. فثمة شريحة باتت تعتمد
مصالحها على إيجاد صيغ للتعايش مع الطرف الأمريكي-الصهيوني، فأصبح شعار «الدولة» مشروعها.
والعقدة هنا ليست أن تلك الشريحة تطرح مطالب واقعية بينما يطرح أنصار التحرير، على
ما زعموا، مطالب تعجيزية. فنحن نقبل بأي جزء صغير من فلسطين يتم تحريره مثل جنوب
لبنان دون الاعتراف بدولة العدو. القضية إذن، على العكس من ذلك، هي أن أنصار «الاستقلال»
يطالبون الشعب الفلسطيني بالتخلي عن حقوقه التاريخية في أرضه وفي عروبة فلسطين.
- «استرضاء الرأي
العام الدولي»: هو ما يقدم كخطة محكمة لكسب الرأي العام الدولي لجانبنا كي
يؤازرنا، بعد تأييده المطول للعدو. وهنا تقدم شروط «كسب» الرأي العام الدولي
باعتبارها التخلي عن «مطالبنا» وعن أسلحتنا السياسية وغير السياسية. فيشار عليك
مثلاً أننا يمكن أن نكسب الرأي العام الدولي لو توقفنا عن العمل المسلح وعن طرح «شعارات
خشبية» كالتحرير وعروبة فلسطين وإلى ما هنالك، وأدنا العمليات الاستشهادية وأعلنا
الرغبة الجامحة للتعايش مع الغزاة... والحقيقة أن من «نكسبه» بهذه الطريقة لم
نكسبه على الإطلاق، بل أن العدو هو الذي كسبنا عندما نخسر أنفسنا ونفرط بحقوقنا
بهذه الطريقة. وكثيراً ما تسمع ترهات من قبيل أن الناشط الغربي الفلاني يؤيد
قضيتنا بحماسة بالغة سوى أنه ضد العمل المسلح، خاصة العمليات الاستشهادية، ويطالب
الفلسطينيين بالاعتراف بحق اليهود في معظم فلسطين وبالتعاون مع حركات «السلام» الصهيونية،
ويعتبر العروبة والإسلام تعصباً عنصرياً مقيتاً! حسناً، ماذا بقي من تأييده مما لا
تقدمه جماعات حقوق الإنسان؟! وهل هناك حركة تحرر غيرنا على وجه الأرض تسمي هذا
دعماً سياسياً؟! ومتى أصبح الذي يقدم «الدعم» هو الذي يقرر أهدافنا وأساليب عملنا
بالنيابة عنا؟!
- «المقاومة السلمية»:
من العراق إلى فلسطين، هل رأيتم يوماً رمزاً واحداً من رموز الدعوة لما يسمى «المقاومة
السلمية» يعتبر عمله «السلمي» متمماً لأشكال المقاومة الأخرى؟ فلو كان الأمر كذلك،
لما صح الاعتراض. ولكن أنصار «المقاومة السلمية» في العراق مثلاً لا يمارسون أي
مقاومة، لا سلمية ولا غير سلمية، بل يتعاونون مع الاحتلال. وفي فلسطين ترى أهم
أنصار «المقاومة السلمية» يحملون مشروعاً للتشكيك بالمقاومة ولسحقها (خذ أبو مازن
مثلاً). إذن ما «المقاومة السلمية» إلا مشروعٌ لتصفية كل المقاومة.
وللحديث بقية..