تصدير الخوف.. حقيقة أم وهم
بقلم :بقلم د.
محمد علي الفرا
العلاقات بين الشرق
والغرب قديمة جدا قدم التاريخ، وقبل ان يكون الشرق مسلما والغرب مسيحيا، ولم تكن
هذه العلاقات كلها سلبية ولا جميعها ايجابية، ولم تكن في مجملها صراعات ونزاعات
وصدامات وحروب، ولم تكن في معظمها حوارات وتفاعلات سلمية وتبادلات واخذ وعطاء،
وانما كانت تجمع كل انواع العلاقات، ولم تعتمد هذه العلاقات، على اختلاف اشكالها
وانواعها، على عامل واحد فقط، وانما على عوامل كثيرة، منها ما هو ايجابي، ومنها ما
هو سلبي، وان من الخطأ القول بان العلاقة بين العرب والغرب الاميركي يمكن اختزالها
في الخوف وحده، كما قال احد الكتاب البارزين في مقال له نشر في هذا الاسبوع.
اذا كنا نعتقد بان
الغرب الاميركي امتداد للغرب الاوروبي والوارث لحضارته والممسك بزمام قيادته
وزعامته، فان من الصواب القول بان علاقة العرب والمسلمين بأميركا هي استمرار
لعلاقتهم بأوروبا على الرغم من خصوصية نوعية العلاقة بين اوروبا والعرب بسبب عوامل
كثيرة منها التاريخ والجغرافيا او عوامل الزمان والمكان.
ان التاريخ
والجغرافيا يكشفان شكل هذه العلاقة وصورها واشكالها، ويبينان حدود ابعادها وتفاصيل
معالمها وقسماتها، واهدافها وغاياتها، ونحن لا ننكر بان الحروب كانت ولا زالت من
اهم اشكال هذه العلاقة، وقد اتخذت هذه الحروب مسميات متعددة، رفعت شعارات كثيرة
منها الفتوحات والغزوات، والحروب الصليبية، والكشوف الجغرافية، والاستعمار، وتعللت
بأقوال واسباب منها نشر العقائد والحضارات والثقافات، وكانت تخفي في طياتها اهدافا
غير معلنة كالسيطرة والهيمنة وتحقيق اطماع منها الاستيلاء والتحكم في المنطقة
العربية لموقعها الجغرافي والاستراتيجي الهام، ولما تحويه اراضيها من موارد طبيعية
كثيرة، وبخاصة بعد اكتشاف النفط ومصادر الطاقة في عدد من اقطار الوطن العربي.
ليس الخوف وحده الذي
يحكم علاقتنا - بالآخر - كما اعتقد البعض - ولا يمكن ان نعتمد على عامل الخوف وحده
لنفسر على ضوئه شكل هذه العلاقة ونوعها، ولا يمكن ان يكون الخوف هو العامل الوحيد
الذي يتحكم في العلاقات الدولية، سواء كانت علاقات قائمة بين الشرق والغرب، او بين
الشمال والجنوب، او بين الدول المتقدمة والدول النامية، لو كان الخوف وحده الذي
يحكم هذه العلاقة ويوجهها او يُسيِّرها، لما قام حوار بين شرق وغرب وشمال وجنوب،
ولما قام تعاون وتنسيق بين الامم والشعوب، نحن لا ننكر بان مواجهات وصراعات وحروبا
حدثت - كما قلنا - ولا تزال تحدث في فترات تاريخية، ولكن يجب في الوقت نفسه ان لا
نغفل ونغض الطرف عن لقاءات وحوارات وتعاملات وتعاون قامت ولا تزال قائمة بين الشرق
والغرب مهما كانت هوية كل منهما وانتماؤه.
ان من الخطأ ان يتبنى
بعض كتابنا، وبخاصة الواعين والمتنورين منهم نظريات كاذبة ومضللة كنظرية صدام
الحضارات التي انتقدها ودحضها كتاب ومفكرون عالميون وكشفوا عن غاياتها واهدافها
الشريرة والتي منها ان الاسلام اصبح العدو الأكبر والأوحد للغرب بعد انهيار
الاتحاد السوفياتي وفشل تطبيق الاشتراكية، لقد استغربت عبارة وردت في مقال كاتب
عربي كبير جاء فيها ما نصه: »ما يدور الان من صراع وصدام مؤشر على حضارة تأفل،
وحضارة تبزغ«، وقول كهذا يمكن الرد عليه بانه ليست هناك صدامات ولا نزاعات بين
الحضارات، فالحضارة ملك للبشرية ساهمت في صنعها امم وشعوب كثيرة، وهي لذلك عمل
تراكمي وعالمي، فالحضارة الغربية المهيمنة حاليا لم تنشأ من فراغ، ولم تبدأ من
الصفر، بل قامت واستفادت من الحضارة العربية الاسلامية التي سبقتها، كما ان
الحضارة العربية الاسلامية بنت على حضارات قديمة من هندية وفارسية ويونانية
ورومانية.
هناك خلط واضح عند
كتاب كثيرين بين الحضارة والثقافة، فالاولى تتسم بالعمومية بينما تتسم الثانية بالخصوصية.
والثقافة غالباً ما
تكون محلية من انتاج شعب محدد او امة معينة تستمد منها هويتها ومقومات شخصيتها،
بينما الحضارة عالمية، ورغم ذلك اتخذت تسميات متعددة نتيجة سيطرة امم وشعوب في
فترات تاريخية، واذا كان العالم يعيش اليوم في عصر الحضارة الغربية، فقد عاش العالم
من قبل في ظل حضارات مهيمنة منها حضارة الاغريق وحضارة الرومان وحضارة الاسلام،
وكلها حضارات لم تنحصر في رقعة جغرافية محددة وانما برزت على المسرح الدولي آنذاك.
ولم تنتشر الحضارة
بالعنف والقوة، ولم يقبلها الضعيف خوفاً من القوي، وانما فرضت نفسها بنفسها وبقوتها
الذاتية ولصلاحيتها للزمان والمكان. وبهذا المفهوم فان جميع الحضارات سادت الزمان
والمكان، وبالمفهوم نفسه تنتشر الحضارة الغربية حالياً وتفوقت على ما سبقها من
حضارات.
ليس صحيحاً - كما قال
احد الكتاب - بأن الخوف وحده كان السبب في استعمال الولايات المتحدة للقوة وغزوها
افغانستان والعراق، وان الجرائم التي ترتكبها اسرائيل بالفلسطينيين مبعثها الخوف
وحده، وان التهديد بالعدوان لعدد من الاقطار العربية هو »من اجل تصدير الخوف حتى
لا يجرؤ احد على تكرار ما حدث في ايلول، وليس صحيحاً ما يقوله هذا الكاتب: »ان
الغرب الاميركي هو الذي يخاف ويغطي خوفه بتصدير الخوف للآخرين، وانه يخاف من العرب
والمسلمين لأنهم ما زالوا احياء حتى ولو بدا عليهم التعثر والتخبط والتفرق والتشيع
والاحباط واليأس واللامبالاة، يخاف لأنهم اصحاب تاريخ ووعي تاريخي يثير فيهم
النخوة القديمة«.
ان قولا كهذا فيه
كثير من المبالغة، وقد يكون غير صحيح، فالشواهد تثبت ان الغرب الاميركي لا يخشى من
العرب والمسلمين ولا يخافهم، ولا يحسب لهم اي حساب، بدليل ان تجرأ وغزا بعض
بلدانهم وفرض سلطانه على معظم دولهم وحكوماتهم، وهيمن على مواردهم ومقدراتهم،
وواصل دعمه وتأييده لاسرائيل واستمر في تبرير جرائمها، واستخدم الفيتو في افشال اي
مشروع قرار دولي يدين هذه الجرائم. ولو كان الغرب الاميركي يخاف العرب لابدى شيء
من الاحترام والتقدير نحوهم ولعاملهم معاملة الند للند، كما يفعل مع غيرهم، وما
نراه اليوم عكس ذلك، فأميركا تنظر للعرب والمسلمين نظرة دونية وتعاملهم بالشدة
والقسوة، وتلصق بهم تهماً لا تليق بهم.
لو كان العرب احياء -
كما قال الكاتب - لكانوا فاعلين ومؤثرين على الساحة الدولية، ولما وصلوا الى هذا
المستوى المتدهور من سوء الاحوال والاوضاع. وانا اتفق مع ما يقوله الكاتب بأن »العرب
اصحاب تاريخ ووعي تاريخي« ولكنني اختلف معه حينما قال ان هذا التاريخ والوعي
التاريخي »يثير فيهم النخوة القديمة ولحظات الانتصار الاولى وحلم العودة الى عصر
النبوة والخلافة« واني ارى عكس ما رآه الكاتب ذلك ان تاريخ العرب المجيد لم يثر
الشهامة ولا الكرامة عند العرب اليوم ولم يهبوا لرفع الظلم عنهم، ولم يقفوا في وجه
الطغيان والعدوان. انهم يتغنون بالأمجاد ويتباهون بالماضي دون ان يوظفوا هذا او
يستفيدوا منه في ايقاظ الهمم، وصنع حاضر مشرق مع تلك الامجاد. اما القول بأن الغرب
الاميركي يخشى العرب ايضا لان المستقبل امامهم مفتوح بامكاناتهم المادية..« فان
حاضرهم لا يحمل من المؤشرات التي تنبيء عن شيء مغرق في التفاؤل ما داموا على حالهم
من التردي والانحطاط والتشرذم والانقسام، وبسبب هذا ونظرا لما هم فيه من عجز
وفقدان الارادة فقد تحولت موارد بلادهم الى نقمة عليهم بدلا من ان تكون نعمة،
وصارت عبئا ثقيلا عليهم لانهم لم يحسنوا استغلالها واستثمارها، ولم يتمكنوا من
صيانتها وحمايتها والدفاع عنها، مما جعل الغرب الاميركي يطمع فيها، ويتخذها وسيلة
للسيطرة بها على الوطن العربي.
نحن لا نهدف من قولنا
هذا بث اليأس بين الناس، وانما نريد ان يفتحوا عيونهم على الواقع، ونحن نؤمن
بالحكمة القائلة »لا بأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس«، ان الاغراق في التفاؤل
والتعلق بالأوهام يضر الامة ويقودها الى التقاعس، ولا شيء ينفع الامة غير العمل
الذي يخرجها مما هي فيه من اوضاع متردية، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى »وقل
اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون« صدق الله العظيم.