حديث في الشئون السياسية

ملامح العودة للمربع صفر

 

هشام الناصر

Alnasser_Hesham@yahoo.com

1 – آفة التحليل السياسي ...

آفة التحليل السياسي تقبع في ثلاث، أولهم المحلل ذاته وثانيهم قصور أساليبه وأدواته أما الثالثة فتتلخص في فساد (عدم صحة) مصادر معلوماته.

والأولي تظهر عندما تختلط الأماني والآمال مع واقع الحال، وعندما يتلاشى التجريد ويبدأ انحياز الكيان لما يوقره القلب من إيمان، والإيمان كما تعلمون هو قضية يقينية لا تحتاج لإعادة معالجة عقلانية.

وثانية الآفات هي قصور الأساليب والأدوات، والأساليب تأتي من المنهجية لتنفيذ خطوات منطقية تتابعية، تدعمها الأدوات لتحليل ومعالجة المعلومات، والنتيجة استنتاجات من مقدمات تفسد بالطبع إن فسدت المدخلات والأساليب والأدوات.

أما ثالثة الآفات فتقبع في فساد مصادر المعلومات، فقد تكون البيانات أو الأخبار بلوناً للاختبار (!!)، وقد تكون غير واضحة مبهمة أو بالعموم غير مفصلة في تعمد وإصرار وترصد كي تقبل التأويل والقال والقيل، أو قد يكون صحيحها ممزوجا بزيفها لغرض ما في نفس من صاغها.

*******************

2 – حدث في أحدي جمهوريات الموز ...

في أحدي جمهوريات الموز، أو جزيرة من جزر الجوز واللوز، وهي بلد من البلدان التي تصنف كدول العالم الثالث المتمتعة (!) بعبق الديكتاتورية أي أنها بلد بالاسم وحقيقتها عزبة أو إقطاعية أو وسية، نقول أنه قد حدث ذات يوم أن توقفت إذاعاتها المسموعة والمرئية، لإعلان خبر هام لكل الأنام، مفاده أن جماعة إرهابية قد اختطفت حاكم البلاد حبيب العباد وبثت صورته أسيرا ذليلا علي الأشهاد، مطالبة بمليون دولار فدية مالية أو ما يعادلها من العملات الأوربية، وإلا أحرقت الحاكم حبيب الملايين بالسولار والبنزين جهارا نهارا بأحد الميادين.

 هذا .. وقد صرح كبير الوزراء بأن ما حدث لجريمة نكراء، وأيده في ذلك رجالاته وساسته وأرباب نعمته، مؤكدين أنها أفعال أشرار لا أخيار وأنها وصمة عار تنتفي مع العقائد الدينية والمواثيق الدولية.

لكن بعد النقاش والجدال توصلت الحكومة ورجال الأعمال إلي القبول (بمبدأ) دفع الدية صاغرين، وبدلا من هز كيسهم والتبرع بفلوسهم أوعزوا لوزير الإعلام بأن تبادر الرعية بالإسهام، فهو حاكمهم المهاب رغم ما سامهم من عذاب.

 وعلي الفور أُعلن نفير الجهاد في طول وعرض البلاد وأنتشر المندوبون والمندوبات لتلقي التبرعات والهبات، نقدية مالية أو مشغولات ذهبية أو حتى شوية بيض أو جوزين فراخ أو ما أشبه من أشياء عينية (!!).

وفي نشرة الأخبار المسائية أُعلنت نتيجة الحملة الوطنية، كالآتي من بيان:

1 – تكلفت الدولة مليون دولار ثمن رواتب إضافية للموظفين والموظفات القائمين علي جمع التبرعات.

2 – تم تأليف خمسمائة نشيد وطني وشوية لبث الحماس في الرعية تكلفت نصف مليون دولار مع الإكرامية.

3 – وصل للبلاد ثلاثة أطنان من برقيات المواساة والتنديد بالفعلة الشنعاء.

4 – أعلنت قوات الناتو رفع درجة الاستعداد وبدء إرسال قواتها البرية والبحرية والجوية لحماية البلاد.

5 – بناء علي ما طلبه المختطفون كفدية مليون دولار وإلا قتلوا الحاكم المفدى (أعزه الله) حرقا بالنار، نفيدكم بأن جملة تبرعات الرعية قد بلغت ثلاثمائة وواحد وعشرين دولار، وسبعة الآف قاروصة كبريت وخمسة مليون لتر بنزين وسولار (!!!!!).

*******************

3 – ملامح العودة إلي المربع صفر ..

سادت المحروسة في الأيام القليلة الماضية أقاويل وتحليلات تنبأ بتغير آت، يُصلح ما أفسدته حكومتنا السنية في شئون الرعية، نتيجة تخبطات وغياب كفاءات وسياسة ارتجالية، نتيجتها هذا العام وحده هي أثنين وخمسون مليار جنية عجزا في الميزانية، أي أن كل فرد في ديار المحروسة مديون بسبعمائة وخمسين جنية وشوية نتيجة سوء إدارة الحكومة للأزمة الاقتصادية.

وقد شطح المراقبون والمحللون وبناء عليه طمح المتفائلون بأن التغيير سيشمل رأس الدولة المصرية وبأن الإصلاح سينصب أولاً علي الدستور لتمهيد الأمور لإصلاحات جذرية في الشئون السياسية ومن ثم يتم إرساء (القواعد الديموقراطية) وبناء مؤسسات حقيقية تحاسب وتعاقب كل متهاون متخاذل وكل جاهل وفاشل في إدارة البلاد والإساءة للعباد، ولا يرتقي إلي سدة الحكم إلا من هو جديرا بالمقام العالي للديار المصرية في انتخابات حرة نزيهة بعيدا عن ألألاعيب والبهلوانية، أي أن المحروسة ستعود كدولة حقيقية وليست عزبة ملاكي أو وسية.

وانتشرت الأنباء والأخبار كحرق الهشيم بالنار، ويبدو أن برلماننا المهاب قد صدقها كما صدقناها، فصال وجال في جلسة من الجلسات خُصصت لمناقشة موضوع بيع المتبقي من (مصانع الغزل والنسيج) بعد تعميرها وتجديدها وإقالتها من عثراتها، وهو الأمر الذي لو تم فسيعني تشريد المئات إن لم يكن الآلاف من العمال تحت مسمي (المعاش المبكر) وهم لم يتجاوزوا الأربعين عمراً ومكافأة من عشرة إلي خمسة عشر ألف جنية، مطلوب منهم أن تكفيهم حتى نهاية عمرهم هم وأهلهم (!!)، ثم بيع تلك المصانع (بيضة مقشرة) لجماعة مستثمرين فهم الأولي بخيرها من شعب الفراعين.

والحقيقة تقال .. بأنها من المرات القلائل التي يرتدي فيها برلماننا المقصور عباءة الأسد الهصور في مناقشة الأمور، فصال وجال وأنهال بالنقد علي وزير قطاع الأعمال الذي فوجئ بالهجوم ولم يجد ما يمكن أن يقال، أما رئيس الجلسة سرور فلم يتدخل في الأمور بل ترك الممارسة الديموقراطية تسير بحرية، وكل من له دليل وبرهان يظهره للعنان كي تظهر الحقائق وتبان، والمفروض أن تلك هي الممارسة السوية أو قل ألف باء الديموقراطية.

وعلي الجانب الآخر فوجئنا بحملة تليفزيونية، في ظل قيادتها الجديدة الفنية، تسرف في حملة إعلامية لمجاملة السيد رئيس الجمهورية بطريقة فجة غير سوية، أقل ما يقال عنها أنها رياء ونفاق، وقد تجلي ذلك في (إخراج) جولات ميدانية بالشوارع الرئيسية لاستطلاع رأي (رجل الشارع) في الحالة الصحية للسيد رئيس الجمهورية، والتي فيها وجدنا من يقول: << نتمنى أن يعود بالسلامة للبلاد .. فمصر بدونه ولا حاجة .. (!!!)...>>، أي أن المحروسة بأرضها وشعبها والآف السنين من تاريخها وبمعاناتها ومجدها وسابق عزها قد تم اختزالها في كينونة نكرة (!!) تعتمد في مصيرها علي شخص واحد من أبنائها (!!!!).

 قمة الإسفاف والضحالة الوطنية وتعبيرا صريحا لما يسمي بالبهلوانية والأراجوزية وعودة إلي ثقافة عبادة الفرعون أبن الإله ... ولا حول ولا قوة إلا بالله.  ولا أجد كلاما إضافيا أو مزيد .. فالتعليق علي مثل هذه الأشياء لا يفيد.

ومنذ أيام قلائل نشرت أحدي الصحف المستقلة(1) تقريرا عن الاحتمالية العالية لبقاء السيد عاطف عبيد رئيسا للوزراء رغم نتائج الحكومة المتردية، وأضافت بأن هناك توقعات بتعديل وزاري محدود مرشح فيه السيد نجل السيد رئيس الجمهورية لتولي حقيبة وزارية، أي باختصار العودة إلي المربع صفر، أو قل العودة إلي الصفر المربع (!!).

المحروسة في الأربعاء 30 يونيو 2004 م

___________________________________________________

(1) جريدة الأسبوع، (أسئلة صعبة في ملف ساخن)، الاثنين 28 يونيو 2004.