عدد المسلمين في الغرب سيتضاعف خلال العقد القادم وسيشكلون 20 بالمائة بحلول 2050

حضور كبير للمسلمين.. ونزعة للمركز في العواصم والمدن الصناعية

أوروبا والإسلام: الهلال المتنامي، وصدام الثقافات

 

 

 

بقلم :جلال ورغي *

 

 

هذه قراءة في بحث طويل اعده الدبلوماسي الأمريكي تيموثي سافيج، تحت عنوان أوروبا والإسلام: الهلال المتنامي، وصدام الثقافات . ونشرتها المجــــلة الفصلية ذي واشنطن كوارترلي The Washington Quarterly في عددها لصيف 2004. وتحتوي الورقة علي احصائيات وتفاصيل مهمة. واهمية الدراسة تنبع من ان

معدها سافيج يشتغل في قسم الدراسات التحليلية المتعلقة بأوروبا، والأكثر من ذلك أنه اشتغل كقنصل عام للولايات المتحدة الأمريكية في ألمانيا. ولعل ذلك مكن صاحب الدراسة من الإطلاع عن قرب علي أوروبا عموما وحضور الإسلام فيها خصوصا. جلال ورغي، قدم قراءة وعرض لهذه الورقة.

القدس العربي

 

علي الرغم من الهيمنة الغربية وتوسع سيطرة الولايات المتحدة، والعديد من القوي العظمي في العالم. فإن العديد من المحللين يعتقدون أنه لن يكون لـ الإمبراطورية الأمريكية الجديدة، ولا حتي دول الاتحاد الأوروبي نفسه التأثير الرئيسي علي مستقبل أوروبا. وعلي غير المتوقع، فإنه سيكون للمسلمين والإسلام الدور الأساسي في نحت معالم أوروبا. ويقدر البعض أنه في منتصف القرن الواحد والعشرين سيكون الإسلام العامل الأبرز في تحديد ونحت معالم أوروبا سواء أكانت موحدة أم دولا.

 

وفـي هذا الإطار تأتي الدراسـة الخطيرة التي أنجزها الدبلوماسي الأمريكي تيموثي سافيج ، تحت عنوان أوروبا والإسلام: الهلال المتنامي، وصـدام الثقافات . ونشرتها المجلة الفصـلية ذي واشنطن كوارترلي ( The Washington Quarterly ) في عددها لصيف 2004.

 

ولا شك أن الذي يطلع علي الدراسة يقف عند حقائق خطيرة، كثير منها مدعوم بإحصائيات دقيقة، وليس ذلك بغريب لا سيما أن تيموثي سافيج معد هذه الدراسة يشتغل في قسم الدراسات التحليلية المتعلقة بأوروبا، والأكثر من ذلك أنه اشتغل كقنصل عام للولايات المتحدة الأمريكية في ألمانيا. ولعل ذلك مكن صاحب الدراسة من الإطلاع عن قرب علي أوروبا عموما وحضور الإسلام فيها خصوصا.

 

 

يري تيموثي أن التحدي الإسلامي الذي تواجهه أوروبا اليوم له بعدان، تحد داخلي ويقتضي من أوروبا إدماج الأقليات الإسلامية التي تعيش في عزلة (في الغيتوهات)، مع التزايد الديموغرافي السريع، وهو ما يعتبره الكثير من الأوروبيين، حسب الكاتب، مهددا للهوية الجماعية الغربية، ولقيم المجتمع الأوروبية(1).

 

أما التحدي الخارجي فيقترح الكاتب في دراسة تحليلية حول تنامي الإسلام في أوروبا أن تبـلور أوروبا مقاربة للتعامل والتعاطي مع مجموع الدول الإسلامية غير المستقرة، والمحاذية لأوروبا جنوبا وشرقا، والتي تمتد من الدار البيضاء جنوبا إلي القوقاز شرقا، ولعل تفعيل الاستراتيجية الأمنية أوروبا آمنة في عالم أفضل ، ومبادرة أوروبا الواسعة ـ وجوار جديد ، تكتسي كلتاهما أهمية قصوي في ظل التحديات الراهنة

 

 

إن المعطي الإسلامي كعنصر إضافي في التأثير علي المشهد الداخلي وفي رسم السياسة الخارجية لأوروبا، سيكون أكثر من مجرد تأثير ديموغرافي وجغرافي. إن العلاقة بين أوروبا والتصاعد الإسلامي يثير ويولد العديد من الظواهر الجديدة، من قبيل تصاعد الإرهاب، بروز موجة جديدة من العداء للسامية، تحول العديد من الأحزاب الأوروبية إلي اليمين، مراجعة للحسابات السياسية في المؤسسات الأوروبية، إضافة تعقيدات جديدة قبل الوصول إلي الوحدة، وإمكانية الحاجة إلي إعادة النظر في أسس السياسة الخارجية.

 

وعلي الرغم من أن التقاطع الأوروبي الإسلامي يمكن أن تكون له تأثيرات إيجابية علي العالم، فإن الكاتب يستدرك ليؤكد أن التجربة التاريخية لمدة أكثر من 1350 سنة تشير إلي غير ذلك، وهو في الحقيقة إرث غير مشجع. وعلي الرغم من إمكانية اجتراح أفق جديد في أشكال التعاطي والتعامل مع هذا النمو الإسلامي، فإن الدراسة تشير إلي أن الدول الأوروبية لا زالت حذرة، وتفضل الحفاظ علي الوضع القائم بمعادلاته التقليدية. ولعل نفس المنطق يقود الأقليات المسلمة نفسها في الغرب.

 

ويعتقد الديبلوماسي الأمريكي أن التمنع عن الاندماج والوصول إلي صيغ مثلي للتعايش، يعود الي التحولات الديمغرافية داخل أوروبا، وأهمها تنامي عدد المسلمين، الامر الذي من شأنه أن يسلم أوروبا إلي حالة من الاضطراب، والاهتزاز الاجتماعي، بل ويفتح الأبواب أمام صراعات داخلية، تجعل أوروبا عارية أمام التحديات الدولية، وتقدر الدراسة أنه إذا كان الوضع لم يصل إلي هذا المستوي بعد، فإن مؤشرات عديدة تدفع إليه.

 

حركية ديموغرافية في صفوف المسلمين

 

لا تزال قلة من الدول الأوروبية فقط تقوم بتشكيل قاعدة معلومات حول عدد المسلمين وطبيعة حضورهم داخل هذه البلدان. بل وثمة عدد من البلدان الأوروبية علي غرار، بلجيكا، والدانمارك، قدمت دراسة تحليلية حول تنامي الإسلام في أوروبا.

أما فرنسا، وإيطاليا، واليونان، والمجر، وليكسمبورغ، وأسبانيا، فما تزال تمنع إثارة أو إدراج اسئلة حول الديانة في سجلاتها الإداراية، أو في أي من البيانات الأخري الرسمية.

 

وهناك إلي حد اليوم 13 دولة أوروبية لا تعترف بالديانة الإسلامية علي الرغم من أن الإسلام يحتل المرتبة الثانية من حيث عدد معتنقيه في أكثر من 16 دولة من مجموع 37 دولة أوروبية. ففي العديد من الدول الأوروبية تعاني الأقليات المسلمة من التهميش، وعدم الاعتـراف بها، ومحرومة من كل الحقوق التي تتمتع بها أي أقلية أخري داخل أوروبا، والكثير من هذه الأقليات المسـلمة تخضع للتمييز بسبب عدم انطباق القوانين المناهضة للتمييز عليها والتي تتأسس علي مقاييس عرقية واثنيـة بالدرجة الأولي، في حين أن الأقليات المسلمة من أعراق واثنيات مختلفة.

 

وإذا كانت التقديرات الأوروبية تحصي عدد المسلمين بما يتراوح بين 13 إلي 18 مليونا، اعتمادا علي تقديرات إعلامية وبحوث غير مكتملة، فإن التقرير الأمريكي المتعلق بالحريات الدينية الصادر العام 2003 يقدر عدد المسلمين في أوروبا بأكثر من 23 مليون نسمة، أي حوالي 5 بالمئة من عدد سكان أوروبا. وتشير الدراسة التي أعدها الديبلوماسي الأمريكي تيموثي سافيج إلي أن انضمام تركيا إلي الاتحاد الأوروبي يقفز بعدد المسلمين إلي أكثر من 90 مليونا، بما نسبته 15 بالمئة من عدد سكان أوروبا. وتشير الدراسة إلي أن عدد المسلمين قد زاد إلي أكثر من الضعف خلال الثلاثة عقود الأخيرة، وأن نسبة الولادات في صفوفهم مرتفعة جدا.

 

وعلي الرغم من سياسة غلق الأبواب في بداية السبعينات، في وجه العمال المهاجرين عقب حصار النفط الذي أربك اقتصاديات الدول الأوروبية، إلا أن التقديرات تشير إلي أن أكثر من 500 ألف مهاجر يصلون إلي الدول الاوروبية سنويا، وأكثر من 400 ألف يتقدمون بملفات لجوء لهذه الدول، غالبية نسبة كبيرة منهم مسلمون، من الجزائر، والمغرب، وتركيا، ودول يوغسلافيا القديمة.

 

ويرجع الديبلوماسي الأمريكي صاحب الدراسة موجة الهجرة وطلبات اللجوء المتزايدة من منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا (المنطقة التي تحتل المرتبة الثانية عالميا من حيث الخصوبة)، يرجع هذه الموجة إلي تزايد سوء الأوضاع في هذه المنطقة، وليـس إلي حاجـة أوروبا لليد العاملة، وهي التي تحتل أدني مرتبة في العالم من حيث الخصوبة. وتقدر الدراسة أن عدد سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا سيتضاعف خلال العقود الثلاثة القادمة في حين يتراجع التزايد السكاني في منطقة أوروبا. وسيؤدي هذا الاختلال في النمو الديمغرافي بين الشمال والجنوب إلي تزايد عدد المهاجرين، وهو توجه يكاد يصبح حتميا مع حاجة أوروبا إلي يد عاملة شابة.

 

وقد قدر مشروع أشرفت عليه الأمم المتحدة سنة 2000 أن الدول الأوربية تحتاج توازنا ديمغرافيا نتيجة شيخوخة سكانها، وأن ذلك يمكن أن يتم عبر استقدام ما يقدر بـ 949 ألف مهاجر، وذلك للحفاظ علي عدد سكانها خلال العام 1995، أو إلي المليون والنصف مليون للمحافظة علي نسبة السكان الذين هم في سن العمل، وتصل حاجة أوروبا إلي 13.5 مليون مهاجر للحفاظ علي مجتمع متوازن غير مختل التركيبة بين الشيوخ والشباب.

 

تشير التقارير حول المسلمين في غرب أوروبا اليوم، أن 50 بالمئة منهم مولودون في هذه الدول الأوروبية، والأهم من ذلك أن تزايد نسبة الولادات في صفوف المسلمين هو اليوم أكثر ثلاث مرات من معدل الولادات بين غير المسلمين، وهو ما سيساهم في تزايد عدد المسلمين في أوروبا. ويشكل المسلمون النسبة الفئة العمرية (معدل الأعمار) الشابة مقارنة بغيرها من الفئات. حيث نجد اليوم وحسب الدراسة أن ثلث عدد المسلمين في فرنسا البالغ عددهم 5 مليون نسمة هم تحت سن العشرين، مقارنة بـ 21 بالمئة من إجمالي سكان فرنسا. وفي ألمانيا فإن ثلث عدد المسلمين البالغ 4 مليون نسمة أقل من 18 سنة من العمر، مقارنة بـ 18 بالمئة من إجمالي سكان ألمانيا تحت هذا السن. وفي المملكة المتحدة (بريطانيا) فإن عدد المسلمين يقدر بـ 1.6 مليون نسمة ثلثهم تحت سن 15 سنة، مقارنة بـ 20 بالمئة من إجمالي البريطانيين من نفس الفئة العمرية. ونفس النسبة تقريبا توجد في بلجيكا التي يقدر عدد المسلمين فيها بـ 364 ألفا، ثلثهم دون سن الخامسة عشرة.

 

وتؤكد الدراسة أنه علي الرغم من أن دخول الأوروبيين المسيحيين في الإسلام مازال يمثل معطي بسيطا في تزايد عدد السكان، إلا أنه من شأنه أن يتحول إلي محرك فاعل في حضور المسلمين في الغرب، خصوصا إذا ما اتجهت الأوضاع إلي الاعتراف بالإسلام كدين، وإقامة مؤسسات إضافية للتعبير عنه.

 

 

وإذا كانت التقديرات تشير إلي أن عدد المسلمين في أوروبا سيتضاعف مع العام 2015 ، فإن نفس التقديرات تشير إلي تراجع عدد الأوروبيين غير المسلمين بنسبة 3.5 بالمئة . بل وتشير التوقعات إلي أن عدد المسلمين سيصل مع منتصف القرن (العام 2050) إلي 20 بالمئة من إجمالي سكان أوروبا. وتذهب بعض التقديرات إلي أن عدد ربع سكان فرنسا سيكون من المسـلمين مع حلول 2025، وأنه في حال استمرار نسب التزايد بين المسلمين فإن عدد المسلمين قد يفوق عدد غير المسلمين في فرنسا والعديد من دول أوروبا الغربية. وعلي الرغم من أن بعض هذه الأرقام فيها نوع من المبالغة خصوصا وأن بعض القائمين علي إعدادها يقدمونها كتخويف من المارد الإسلامي إلا أن معطيات أخري لا تنحو بعيدا في تأكيد هذا المستقبل لأوروبا. ففي فرنسا يمثل المسلمون من الفئة العمرية بين 16 ـ 25 حوالي 15 بالمئة من إجمالي هذه الفئة بين سكان فرنسا. وتبلغ نسبة المسلمين الأقل في بلجيكا 25 بالمئة.

ولهذه الأرقام دلالات كبيرة خصوصا وأن العدد السكاني للمجتمع الأوروبي سائر إلي التراجع لضعف نسب الولادات، وتقدر الأمم المتحدة أن العدد الإجمالي لسكان أوروبا سوف يتراجع بحوالي 100 مليون، فينزل من 728 مليونا في العام 2000 إلي حوالي 600 مليون، ويمكن أن ينخفض العدد ليصل إلي أقل من 565 مليونا خلال العام 2050.

 

الانعزالية والتهميش الاجتماعي

 

علي الرغم من الحضور الكبير للمسلمين في الغرب، إلا ان ثمة نزوعا بينهم إلي التمركز في مدن محددة، وخصوصا العواصم والمدن الصناعية، كما هو الشأن في برلين الألمانية، وباريس الفرنسية، أو لندن البريطانية، وتكاد أحياؤهم ان تكون مغلقة، منفصلة عن مسار الحياة الاعتيادية لبقية المجتـمع الأوروبي. فمـثلا نجد 5/2 من المسلمين في المملكـة المتحدة يعيشون في منطقة لندن الكبري (Greater London )، و3/1 من المسلمين في فرنسا يعيشون في باريس وضواحيها، و3/1 من المسلمين في ألمانيا يتمركزون في المنطقة الصناعية روهر Ruhr . ويشكل المسلمون اليوم في مرسيليا أكثر من 25 بالمئة من عدد سكانها، و20 بالمئة من منطقة مالمو في السـويد، و15 بالمئة من العاصمة البلجيكية بروكسيل، ونفس النسبة في برمنغهام شمال بريطانيا، وفي العاصمة الفرنسية باريس، و10 بالمئة من سكان لندن، وأمستردام، وروتردام، وهـيغ، وأسلو، وكوبنهاغن.

وتسجل الدراسة أن التزايد الديمغرافي للمسلمين في أوروبا، تركز أساسا في أوروبا الغربية. فبعد عقد علي سقوط حائط برلين، فإن عدد المسلمين في أوروبا الغربية تزايد ست مرات أكثر مما هو الحال في شمال أمريكا. والمثير أن الدراسة تشير إلي أن السكان المسلمين الأصليين في أوروباالجنوبية انخفض بنسبة تصل إلي 15 بالمئة خلال العشرين سنة الماضية، وذلك بسبب هجرة الأتراك من بلغاريا، والألبان إلي كل من إيطاليا واليونان، فضلا عن حملة التطهير العرقي التي حصلت في البلقان وذهب ضحيتها عشرات الآلاف من المسلمين. أما بالنسبة لأوروبا الوسطي والشرقية، فيبقي عدد المسلمين محدوداً أو يكاد ان يكون معدوماً.

 

المسلمون في الغرب وإشكالية الاندماج والحفاظ علي الهوية

 

لعله مما يبعث علي الانتباه اليوم هو أن طبيعة التواجد الإسلامي في الغرب شهدت تحولا. فمن مجرد عمال مهاجرين يبحثون عن العمل، والإقامة المؤقتة، تحول المسلمون إلي جزء من التركيبة المجتمعية السكانية، ويمكن القول أنهم تحولوا في طبيعة حضورهم من جالية مسلمة إلي أقلية مسلمة . وأصبح بديهيا الحديث اليوم عن بداية مأسسة الإسلام في أوروبا، بل وكذلك إعادة توعية المسلمين بهويتهم ودينهم. إلا أنه يبقي الحديث عن أقلية مسلمة ككتلة واحدة منسجمة، وموحدة أمر يفتقد إلي الكثير من الدقة، بل إن هذا الاختلاف داخلهم يشير إلي إمكانية استمراره عقوداً إلي الأمام. إلا أنه وعلي الرغم من ذلك فإن ثمة ما يشير إلي أن ما يعرف المسلم اليوم في أوروبا ليس عائلته، أو بلده الأصلي، أو عرقه، وإنما يتزايد تعريف المسلمين لأنفسهم من خلال الإسلام.

 

ويلحظ في هذا الصدد زوال العديد من الحواجز بين المسلمين، خصوصا الشباب منهم، وتفسر الدراسة هذا الأمر بوجود قيادات مسلمة جديدة، لا ترتبط ضرورة بدولة إسلامية معينة، بل علي العكس من ذلك فهي تنمي في الشباب المسلم وعيا جديدا باعتبارهم أبناء البلدان التي يقيمون فيها وجزءاً لا يتجزأ من تركيبته المجتمعية. ولعل نشأة الشباب المسلم في الغرب جعلته أسهل وأسرع في تقبل مثل هذا الخطاب الجديد، فأصبح يتجه إلي أن يكون جزءاً من هذا النسيج، لما لا وهو الذي ولد هنا، ودرس هنا، ولا يتقن جيدا إلا هذه اللغة الأوروبية أو تلك؟ غير أن الأمر ما زال لا يبدو كذلك عند الحديث عن الاتجاه العام للمسلمين في أوروبا، حيث لا تزال الغالبية لا تشعر بأنها جزء من المجتمعات الأوروبية، ولا تجد همومها ضمن هذه المجتمعات، وحتي الأجيال الجديدة وعلي الرغم من حملها لجنسية هذه البلدان إلا أنها لا تزال ينظر إليها من الرأي العام الأوروبي علي انها اجنبية ومهاجرة.

 

وتبقي نسبة الحاملين للجنسية، أو المؤهلين للحصول عليها، علي الرغم من ذلك في تزايد، خصوصا مع تزايد أعداد المولودين في أوروبا، والتسهيلات الممنوحة في بعض بلدان أوروبا للحصول علي الجنسية، وهو ما سيسرع عملية اندماج المسلمين كأقلية في المجتمع الأوروبي. وتسجل الدراسة اعتمادا علي بعض الإحصائيات أن 5/3 من المسلمين في كل من فرنسا والمملكة المتحدة (بريطانيا) يحملون جنسية أي من هذين البلدين. وفي ألمانيا فإن نسبة الحاملين للجنسية الألمانية تتراوح بين 15 و20 بالمئة ، في حين أن 11 بالمئة تقدموا بطلبات في هذا الشأن، ويخطط 48 بالمئة من المسلمين في ألمانيا إلي التقدم بطلبات الحصول علي الجنسية، وذلك حسب مسح أجرته إحدي المؤسسات البحثية في العام 2001 (2)، وتعني هذه الإحصائيات أن 2.4 مليون سينضافون إلي عدد الألمانيين الذين يحق لهم الانتخاب. وهو الأمر نفسه الذي قد ينسحب علي إيطاليا التي لا يحمل إلا 10 بالمئة فقط من مسلميها الجنسية الإيطالية. وبصفة عامة فإن عدد المسلمين الحاملين لجنسيات دول أوروبية قد يشهد ارتفاعا ملحوظا في المدي المنظور إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تسهيلات الحصول علي الجنسية، ومرور المدة القانونية المطلوبة للحصول عليها من قبل مئات الآلاف من المسلمين.

 

 

واللافت للنظر أنه وعلي الرغم من تزايد عدد حاملي الجنسية الأوروبية، فإن الشباب المسلم في أوروبا، يبدي تمنعا ملحوظا عن الذوبان في المجتمع الأوربي بقيمه العلمانية. بل هؤلاء الشباب أظهروا تمنعا لم يبده آباؤهم وأجدادهم القادمون إلي أوروبا. وبقدر ما يبدي الشباب المسلم اليوم إيجابية في الاندماج في المجتمع الأوربي، ويحترم التصورات الوطنية والمعايير القومية، فإنه يميل في نفس الوقت للتعبير عن هويته الثقافية الإسلامية، والتزامه بالتوجيهات العامة لدينه. وينظر الكثير منهم إلي أن الاندماج الكامل، حد التماهي مع المجتمعات الأوربية من شأنه أن يسلبهم هويتهم الثقافية. بل ويعتقدون أن هذا الانسلاب هو الثمن الذي تطلبه الحكومات الأوربية للتعايش معهم. وقد كشفت دراسات حول هذا الموضوع أن الأجيال المسلمة من الجيل الثاني والثالث، أقل قابلية وأقل قبولا للاندماج في المجتمعات الأوربية، من الأباء والمهاجرين السابقين. وتشير الدراسة للضجة والإصرار الذي عبرت عنه الشابات المسلمات تمسكا بما يعرف بـ غطاء الرأس أو الحجاب.

 

ولقد ساهم التمييز في المجتمعات الأوروبية، في مجال التشغيل، والتعليم، والسكن، وحتي مجال ممارسة الشعائر الدينية، في تحصن وهروب الشباب المسلم إلي الإسلام كعلامة ومعقل الهوية الصلب. وفعلا فهناك مؤشرات علي أن نسبة العاطلين في صفوف المسلمين تساوي مرتين نسبتها بين العاطلين من غير المسلمين، وحال المسلمين المهاجرين، أسوأ من حال المهاجرين من غير المسلمين. والتحصيل الدراسي منخفض نسبيا مقارنة بغير المسلمين، ومساهمة المرأة المسلمة كقوة عاملة شبه هامشي، وحتي فرص التقدم للمسلمين ضئيلة، وهذه كلها أسباب تدفع المسلمين للعزلة، والانكفاء الذاتي.

 

لذلك وكرد علي مثل هذه المظاهر، بين مسح أجري حول مدي تعبير المسلمـين في فرنسا وتعريفهم لأنفسهم من خلال دينـهم، أنه في سنة 2001 زادت النسبة بكثير علي ما كانت عليه في العام 1989 أو العام 1994، حيث زاد عدد الذين يقدمون أنفسهـم باعتبارهم مسلمين بنسبة 25 بالمئة وذلك في الفــترة بين العام 1994 والعام 2001.

------------------------------------

(*) باحث تونسي مقيم في بريطانيا

 

هوامش:

 

1 ـ رغم أننا نتساءل هل أن المجتمعات الأوروبية تتوحد علي أساس قيم ثقافية أم أن وحدتها المأمولة، والتي مازالت محل شد وجذب قائمة علي أسس ومعايير أخري، فالكثير من الدارسين يجمعون علي أن أوروبا هي اليوم الأكثر تعددا قيميا من أي وقت مضي.

2 ـ The Konrad Adnauer Foundation