علاوي وملف الأمن .. أمنُ مَنْ؟!

 

 

 

بقلم :ياسر الزعاترة

 

كان أولى بحكومة السيد إياد علاوي أن تقدم للعراقيين بعض الحيثيات حول أبنائهم في السجون أو نوايا إصلاح بنيتهم التحتية المدمرة، فضلاً عن أن تتحدث معهم حول موعد رحيل الاحتلال الذي يجثم على صدورهم ويقتل أبناءهم دون تمييز كلما أصابته رصاصة من مقاوم.

 

كان أولى برئيس الحكومة العراقية أن يعد الناس بالحرية والرفاه، ولو من باب الدعاية، لكنه لم يفعل ذلك كله، بل خرج على الملأ بإعلان إمساكه الكامل بملف الأمن بكل تفاصيله، وقراره الواضح وعزمه الذي لا يلين على مطاردة الإرهاب، أي المقاومة. بل ومعاقبة المدن التي تحتضن تلك المقاومة عبر إعلان الأحكام العرفية فيها، خلافاً للمدن التي لا تقاتل المحتلين، والتي سيكون بوسعها التمتع بالحرية والأمن!!

 

«الحملة ضد الإرهاب هي المسؤولية الأساسية لحكومتي». هذا ما قاله السيد إياد علاوي في مؤتمره الصحفي الأخير، ما يعني أن الاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة قد قررت اتباع نموذج أوسلو القائم على حكومة وطنية تتكفل بمطاردة المقاومة الفلسطينية وإسكاتها. هل ثمة حاجة للتذكير هنا بما جرى حين طالبت السلطة الفلسطينية بثمن التعاون، وكيف جاءها الثمن الهزيل في كامب ديفيد؛ مجرد دولة «كانتونات» لا سيادة لها ولا قدس ولا أقصى، ولا وعد بإعادة اللاجئين إلى أرضهم التي شردوا منها.

 

الحكومة العراقية الانتقالية ستتكفل بمطاردة المقاومة التي لن تعود مقاومة مشروعة بعد أيام، أي في الثلاثين من حزيران، لأن حكومة العراق قد قررت التعاقد مع قوات الاحتلال تحت يافطة جديدة شرّعها مجلس الأمن تقول إنها قوات دولية بقيادة أمريكية تتواجد بأمر الحكومة العراقية الشرعية!!

 

وحده الأمن، أي مطاردة المقاومة، هو الملف الذي سيكون على الحكومة الجديدة أن تثبت فيه قدراتها المميزة، وبالطبع تحت وصاية القوات الأمريكية. أما الملفات الأخرى فسيكون الوزير العراقي فيها مجرد مساعد لمستشار أو عدة مستشارين أمريكان بعد أن قررت قوات الاحتلال نشر (150) منهم في الوزارات العراقية لتقديم النصح للوزراء العراقيين. مجرد النصح!!

 

حكومة السيد إياد علاوي إذن، ستتحمل الوجه القذر للاحتلال، ممثلاً في مطاردة المقاومة، وهي حين تفعل ذلك لا بد ستقتل وتعتقل على الهامش الكثير من العراقيين، تماماً كما تفعل القوات الأمريكية كل يوم في سياق مطاردتها للمقاومة. أما الأعمال البلدية، أي الشؤون اليومية للعراقيين فستتكفل بتسييرها على نحو لا يخالف المصالح الأمريكية التي سيكون مندوبوها حاضرون في صدر كل وزارة، وأهمها بالطبع وزارة النفط!!

 

من المؤكد أن حكومة أوسلو العراقية ستكرر ما فعلته نظيرتها الفلسطينية، أي عمل المستحيل من أجل دفع الاستحقاق الأمني كي تكون جديرة بثقة الطرف الممسك بخيوط اللعبة. لكن وضعها سيكون أسوأ لأن ثقة المحتلين الأمريكان برئيس الحكومة ستكون رهناً بإنجازاته على هذا الصعيد، وإلا فستبحث لها عن «وكيل وطني» آخر يقوم بالمهمة. وقد لا يكون من النوع الذي يحمل على ظهره أوزاراً سابقة تتمثل في صلات قديمة مع الأجهزة الأمنية الأمريكية، كما هو حال رئيس الحكومة الحالي.

 

مشكلة أكثر هؤلاء القوم تتمثل في اعتقادهم بأن التاريخ قد بدأ بهم، وأن الأمريكان هم أول المحتلين، فيما هم أول «الوكلاء الوطنيين» الذين ينوبون عن المحتل في حكم الناس. لكن التاريخ يقول إنها مجرد تجربة عابرة من تجارب أولئك الوكلاء. وفيما ستبقى المقاومة هي نبض الشعب، سيحظى المتعاونون مع المحتل بمكانهم المعروف في كتب التاريخ، وأدلة ذلك قادمة خلال زمن لن يطول.