العلمانية تنضم إلى عداء الغرب للإسلام

وتتبنى قضايا الاستشراق " الساقط "

 

 

 

بقلم :د. يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

 

( أدان الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان كل أشكال الكراهية والتمييز وبشكل خاص ضد المسلمين، معتبرا أن ظاهرة الإسلاموفوبيا (الخوف أو العداء للإسلام) ليست جديدة، ولكنها في صعود في الوقت الراهن في الغرب؛ وهو ما يتطلب وضع حد لها.

وحذر عنان الفائز بجائزة نوبل لعام 2001 من أن العداء للإسلام والسامية يمثلان "تحديا لروح التوحد بين الشعوب"، في محاضرة تذكارية ألقاها بمقر الأمم المتحدة في نيويورك عن الشاعر الأسكتلندي "روبرت برنز" - الذي وصفه عنان كمدافع عن التغيير السياسي والاجتماعي ومناضل عالمي "من أجل أن يعيش كل الناس معا في سلام".

وأشار عنان إلى أنه منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 ضد الولايات المتحدة، فإن "الكثير من المسلمين وبشكل خاص في الغرب وجدوا أنفسهم أهدافا للاشتباه والتحرش والتمييز".

وذكر  أن أناسا كثيرين جدا بدءوا ينظرون للإسلام "كدين مناهض للغرب"، في الوقت الذي انتشرت فيه "الأفكار المشوَّهة عن الإسلام، بينما ظل الجهل بحقيقته عميقا إلى درجة الخطر" ) . نيويورك أ ف - ب   إسلام أون لا ين نت 14\1\2004

 

هذه شهادة بأصالة عداوة الغرب للإسلام في الغرب ومحاصرته له  صادرة من أعلى منبر يطل على العلاقات الإنسانية فوق الكرة الأرضية

هذه إدانة للغرب في عداوته المتجذرة للإسلام صادرة من فم رجل تسمع شهادته كما تسمع إدانته ، في إطار لا ريبة في موضوعيته وحياده وصدقه وعلمه و نقاء غرضه إذا جاءت في صف الإسلام ، كما لا ريبة في تعرضه للعقاب القريب ممن أدانهم ثمنا لتصريحه .

شهادة تاريخية قامت العلمانية وهي تتبنى  " الاستشراق الساقط" - وما أدراك ما " الاستشراق الساقط" ؟!  -  بمحاصرتها في إعلامنا فلم تسمح بتسريبها - وفقا لمتابعتنا -  إلا في جهة شبه معزولة مثل قناة الجزيرة أو إسلام أو لاين نت ؟!

لماذا ؟ لماذا يا أصحاب الضمائر العلمانية ميتة أو حية ؟

 

أما زلتم تصرون على  أن نختزل هذه العداوات التي تهطل فوق رءوسنا بسمومها من أنحاء الغرب  في  تداعيات الحادي عشر من سبتمبر المصحوبة بسوء الفهم منهم ؟ أو في سوء العرض منا ؟ كما يريدنا " الاستشراق الساقط  المدلل في أحضان العلمانية المقيمة في دورنا " أن نفعل ؟ 

أم هو الإعلام الغربي العتيد العنيد الذي يقوم بدور الحارس على ما قام به " الاستشراق الظاهر " المقيم في الغرب  في عملية سجن الإسلام داخل سور "الشرقنة" التي فضحها إدوارد سعيد في كتابه عن الاستشراق  ؟

 وإذن فإنه لمن المفارقة الصارخة أن نطالب دعاة الإسلام بأن يخترقوا هذا السور الإعلامي  المضروب حول هذا السجين  بينما أن " الإعلام " العلماني في بلادنا قد تم اختراقه بما سقط عليه من الاستشراق من هناك ؟

وهل من الممكن أن نطالب الغرب  بإخراج الإسلام في أوربا من هذا التصور الاستشراقي السجين بينما لا يزال كبار المثـقـفين العلمانيين منا أبواق الاستشراق الساقط يحرقون البخور تحت أقدام المستشرقين الذين صنعوا هذا السجن ؟

 

لقد تأكد لنا أن القوم في الغرب قد صنعوا لأنفسهم هذا السور ضد الإسلام بإرادة ووعي !! وإلا فأين مسئولية البشر داخل هذا السور ؟؟

كيف يقال إنهم ضحايا هذا السور ؟؟ ألم يخترق جماهيرهم أسواراً ضربت عليهم من قبل ؟

وإلا فقولوا لنا : لماذا كانت إذن ثورة البروتستانت على وصاية الكاثوليكية ؟

ولماذا كانت الثورة الفرنسية على الكنيسة والإقطاع ؟

ولماذا كانت الثورة الروسية على الإقطاع والرأسمالية ؟

ولماذا كانت المقاومة الدامية في الحرب العالمية الثانية ضد النازية . ؟

 أليس من الظلم الخبيث أن يجري تبسيط القضية بإغفال مرتكبها العاتي هذا ليشار بعد ذلك إلى المتهم بغير دفاع : سوء العرض منا ؟

وإذا كان من الحق أن سور الإعلام الغربي الحديث ــ مع توابعه من أبواق الإعلام العلماني الشرقي ….هو ما يقطع الطريق بين الحضارتين إلى حسن الفهم أو حسن العرض ….فإن من الحق الأكثر تأكيدا أن جريمة " المؤسسة الاستشراقية " هي الباني الأساسي لهذا السور ، وهى العامل الأساسي في تشويه صورة الإسلام عمداً في الذهن الغربي منذ سمعوا عنه إلى اليوم .

 

لقد تبين لنا في هذا الإطار ثلاثة أنواع من الاستشراق :

 " الظاهر" ويقصد به إدوارد سعيد ما يتم رصده من أعمال المستشرقين رأسا .

و" الكامن " ويقصد به ما يتم رصده مما يستقر في ثقافة الغربي من أعمال المستشرقين ،

و" الساقط " وأعني به ما تحدث عنه إدوارد سعيد - وإن لم يسمه بذلك - مما ينطبع من أعمال المستشرقين في عقول ووجدانات الشرقيين أنفسهم على مستوى النخبة العلمانية أو رجل الشارع فيردده كالببغاء أو ينقله كالبوق  أو ، يسقط منه كما يسقط الماء من الصنبور حسب تشبيه جان بول سارتر

 

وفي الاستشراق الظاهر يقول د. إدوارد سعيد : ( إن كل أوربي كان ــ فيما يقوله عن الشرق - عنصرياً عرقياً امبريالياً ، وإلى درجة كلية تقريباً : عرقى التمركز … إن المجتمعات البشرية ــ أو على الأقل الثقافات الأكثر تقدماً نادراً ما منحت الفرد شيئاً عدا الامبريالية والعنصرية ، والتمركز العرقي للتعامل مع الثقافات الأخرى ... إن الاستشراق كان جوهرياً مذهباً سياسياً مورس إرادياً على الشرق ) .

إن كمية هائلة من الكتب دونها الغرب عن الشرق ( حوالي ستين ألف كتاب تتعلق بالشرق الأدنى قد كتبها الغربيون بين عام 1800 ــ 1950 )

 أفلم يكن منهم رجل رشيد ؟ ألم يعد أمامنا إلا أن نقر مع إدوارد سعيد أن ( الاستشراق من حيث هو جهاز ثقافي هو عدوانية ونشاط ومحاكمة ... ) ؟

فهل تغيرت هذه العدوانية على مر العصور ؟

هنا يسجل إدوارد سعيد تطور حركة الاستشراق فيما بين القرن التاسع عشر والعشرين فيحصره فيما يسميه الاستشراق الظاهر ، أما ما وراءه مما يسميه ( الاستشراق الكامن . ) فهو إجماعي مستقر لا يكاد يتغير ، وهو نادراً ما يشكل فرقاً في المضمون ، فقد ارتبطت الأطروحات حول التخلف والانحطاط الشرقيين ( !! ) بالأفكار السائدة ــ في القرن التاسع عشر ــ حول الأسس الحيوية للتفاوت العرقي . وما دام الشرق ينتمي إلى عرق منحط محكوم فقد كان ينبغي له أن يحكم من قبل الاستعمار الغربي ،  ويتوفر المثل التقليدي لهذه النظرة في كتاب جوستاف لوبون الصادر عام1894 ( القوانين النفسية لتطور الشعوب . ) .

 

وفي الاستشراق الكامن  : لم تكن النظرة العرقية وما تستتبعه من دونية الشرق واحتقاره ….مذهباً فكرياً معزولاً في ذهن المستشرقين ، ولكنها كانت قد اندمجت في ثـقافة الرجل العادي  في أوربا و تغلغلت إلى أعماقها ، وكمنت في تضاعيفها حتى إنها ( تكاد تكون غير متنازع عليها ) .

ومن ثم أثرت تأثيراً كبيراً على المستوى العام وأفضت إلى سياسات عامة ، وعلى سبيل المثال ، وانطلاقاً من هذه النظرة نجد كاتباً وسياسياً شهيراً قضى جانباً كبيراً من حياته بين العرب صديقاً حميماً لهم ــ لورنس ، -  نجده يقول في موضع من كتابه " أعمدة الحكمة السبعة " ( .. لم تكن جميع الأقاليم الخاضعة للإمبراطورية البريطانية لتساوى لدىَّ صبيا انكليزياً واحداً ميتا . )  هكذا .

 ونجد آخر مثل جورج أوريول يقول عن زيارته لمراكش عام 1939 ( من الصعب دائماً أن تصدق أنك تسير بين كائنات بشرية .... { يا…سلاااااااام } إن لهم وجوهاً سمراء ، ولديهم عدد كبير منها ، هل هم حقا اللحم نفسه الذي هو أنت ؟ هل لهم حتى أسماء ؟ أم أنهم مجرد مادة سمراء لا متمايزة ، أفراد بقدر ما للنحل أو حشرات المرجان أفراد ؟! إنهم ينبعون من الأرض ، يعرقون ويعانون الجوع لبضع سنوات ، ثم يغوصون عائدين إلى أكوام المقابر التي لا أسماء لها دون أن يلحظ أحد أنهم ذهبوا ، حتى القبور نفسها سرعان ما تنحل رجوعاً إلى التراب) !!! .

 

وكان من ثمرات هذه الشرقنة الكامنة  في الـعـصر الحاضر كما يدلنا على ذلك د. إدوارد سعيد :( أن العربي ظهر بعد حرب 1973 في كل مكان شيئاً أبعد تهديداً وأشد خطراً ، وبرزت بانتظام رسوم ورقية تصور شيخاً عربياً يقف وراء مضخة للبنزين ، لكن هؤلاء العرب كانوا بجلاء " ساميين " : وكانت أنوفهم المعقوفة بحدة والنظرات الشذراء الخبيثة المشربنة على وجوههم تذكيراً واضحاً ( لجمهور غير سامي في معظمه ) بأن " الساميين " كانوا يقبعون تحت كل مشكلات الغرب ومصاعبهم  بشكل رئيسي في النقص في البنزين . )

وإذن فليست القضية بيننا وبينهم قضية الحادي عشر من سبتمبر كما يلهج بذلك الإعلام { العلماني } في بلادنا

وهكذا ، فإذا كان العربي يحتل مكاناً يكفي لجذب الانتباه فإنه يحتله كقيمة سلبية ، فهو ينظر إليه كمخرب لوجود إسرائيل والغرب ، أو في نظرة أخرى كعقبة أمكن تجاوزها لخلق إسرائيل عام 1948 .

وإذا كان هذا العربي ذا تاريخ ما ، فإن تاريخه جزء من التاريخ الممنوح له ( أو المستـلب منه ، فالفرق ضئيل ) من قبل التراث الاستشراقى ، وفى مرحلة تالية ، التراث الصهيونى وفي مرحلة مصاحبة : التراث { العلماني }.

لقد عوينت فلسطين ــ من قبل لامارتين والصهاينة الأوائل على حد سواء -- باعتبارها صحراء خالية تنتظر التفجر بالازدهار ، وكان يفترض أن القلة من السكان الذين كانوا فيها رُحلُ لا وزن لهم ولا حق فعلياً في الأرض ، وأنهم ، لذلك ، دون واقع ثقافي أو قومي ....

وإلى جانب عدائه للصهيونية ، فإن العربي مزود بالنفط . وتلك خصيصة سلبية أخرى !! ، إذ أن غالبية العروض المقدمة عن النفط العربي تساوي بين المقاطعة النفطية في 1973 ــ 1974 ( التي أفادت منها رئيسياً شركات النفط الغربية ونخبة عربية حاكمة صغيرة ) وبين غياب أي مؤهلات أخلاقية عربية لامتلاك مثل هذا الاحتياطي النفطي الهائل . والسؤال الذي يطرح في الأعم الأغلب  هو : لماذا يمتلك بشر كهؤلاء العرب حق إبقاء العالم المتطور ( الحر ، الديمقراطي الأخلاقي !!! ) مهددا ؟ ومن أسئلة كهذه ينبع الاقتراح المتكرر بأن تقوم قوات الجيش البحرية < الأمريكية > بغزو حقول النفط العربية .

وهو الاقتراح الذي تم ترجمته أخيرا في غزو العراق !!

 

في الأفلام والتلفاز - وبدافع من الاستشراق الكامن يرتبط العربي إما بالفسق أو بالغدر والخديعة المتعطشة للدم . ويظهر منحلاً ، ذا طاقة جنسية مفرطة ، قديراً ، دون شك ، على المكيدة البارعة المراوغة لكنه ، جوهرياً ، سادى ، خؤون ، منحط ، تاجر رقيق ، راكب جمال ، صراف ، وغد ، متعدد الظلال : هذه بعض الأدوار التقليدية للعربي في السينما . وكثيراً ما يرى العربي القائد  للُّصوص ، والقراصنة ، والعصاة " من السكان الأصليين "  يزمجر في وجه الــبطل الغربي المأسور والفتاة الشقراء - وكلاهما مفعم بالصحة والعافية -  قائلا : " رجالي سيقتلونكما ، لكنهم ــ يحبون أن يتسلوا أولاً " ، وينظر نظرة تنقط خبثاً وشبقاً فيما يتكلم

. وفى أشرطة الأخبار ، أو أشرطة الأخبار المصورة ، يظهر العرب دائماً بأعداد ضخمة : لا فردية ، لا خصائص أو تجارب شخصية . وتمثل معظم الصور الهيجان والبؤس الجماعيين ، أو الإشارات والحركات اللاعقلانية . وخلف هذه الصور جميعاً يتربص خطر الجهاد المهدد . والعاقبة هي : الخوف من أن المسلمين ( أو العرب ) سوف يحتلون العالم .

تنشر الكتب والمقالات بانتظام عن الإسلام والعرب ، دون أن تمثل تغيراً إطلاقاً بالقياس إلى المماحكات الزعاف التي سادت القرون الوسطى وعصر النهضة .

 

ولا يصدق على أية مجموعة عرقية أو دينية - سوى العرب -  أن أي شئ يمكن أن يقال أو يكتب عنها دون تحد أو احتجاج . لقد قال دليل المساقات لعام 1975 ، الذي وضعه طلاب الإجازة في كلية كولومبيا ، عن برنامج اللغة العربية : إن كل لفظة من لفظتين في اللغة ذات علاقة ما بالعنف ، وإن العقل العربي - كما " ينعكس " في اللغة -  تبجحي دون انقطاع .

 

 وبلغت مقالة قريبة العهد كتبتها إيمييت تيرل فى مجلة هاربر درجة أعلى من القذف والتجريح والعنصرية العرقية ، إذ طرحت منظومة تقول إن العرب أساساً قتلة وأن العنف والخديعة محمولان في المورثات العربية : هكذا تبعا لدراسة إدوارد سعيد .

 

ويكشف مسح دراسي بعنوان " العرب في الكتب الدراسية الأمريكية " معلومات خاطئة إلى الحد الأقصى من الإدهاش ، أو بالأحرى : تمثيلات - على درجة قصوى من الفظاظة - لمجموعة عرقية  دينية . إذ يؤكد أحد هذه الكتب " أن القلة من أهل هذه المنطقة < العربية > يعرفون أن ثمة طريقة أفضل للحياة "

 ثم يتابع سائلاً ببراءة أخاذة : " ما الذي يربط بين شعوب الشرق الأوسط ؟ " والجواب ، المعطى دون تردد ، هو " إن الرباط النهائي هو عدائية العرب ــ وكرههم ــ لليهود وللأمة الإسرائيلية " .

 

وجنباً إلى جنب مع مثل هذه المادة ، ثمة ما يلي ، في كتاب آخر ، عن الإسلام : ( بدأ الدين الإسلامي ، المسمى الإسلام ، في القرن السابع . وقد بدأه رجل أعمال ثرى من شبه الجزيرة العربية يدعى محمد { صلى الله عليه وسلم } . وقد ادعى أنه نبي . ووجد أتباعاً بين العرب الآخرين . وأخبرهم بأنهم اختيروا لكي يحكموا العالم " .

 وتتلو هذه النتفة من المعرفة نتفة أخرى مثلها فى دقتها (!!؟ )  : ( بعد موت محمد { صلى الله عليه وسلم } بقليل ، سُجلت تعاليمه في كتاب يدعى القرآن . وصار الكتاب المقدس للإسلام ) .

 

وبدافع من الاستشراق الكامن فإن العنصرية في فرنسا تجاوزت كراهية العربي لتصبح كراهية الدين .. وهذا ما كشفته كارولين فونين صحفية بمجلة 'باري ماتش' --- كما تقول  نجوى طنطاوي  - بجريدة الأسبوع بتاريخ 5\1\2004ا  --- التي ارتدت الحجاب 21 يوما في مغامرة صحفية

 ونقلت تعليقات المجتمع التي بدأت بـ 'أهلا كارولين بن لادن'   --

وفي أحد المطاعم سمعت تعليق 'هناك علاج لحشرات الرأس بدلا من المخنقة' !!

و صرخ البعض في وجهها وكأنها تحمل مدفع كلاشينكوف ..

وحكت أنها التقت بإحدى المسلمات وقالت لها إنها ارتدت الحجاب .. فقالت لها المسلمة لن تجدي عملا وستواجهين تعصبا في كل مكان ، بدءا من أماكن العمل حتى الأحزاب السياسية التي ترفض اشتراك المحجبات بها ..

وقالت كارولين في مغامرتها : إنه كان يتم تفتيشي بدقة كما لو كنت خطرا علي الأمن ، وأنها لا تسمع إلا الشتائم والمعاكسات السخيفة.

 

والتعصب الفرنسي تجاه كل ما هو إسلامي - كما رسخ في الاستشراق الكامن - كشفه أيضا فانسان جاير الباحث الفرنسي بمعهد الأبحاث والدراسات حول العالم العربي في كتاب عنوانه: 'موجة كراهية الإسلام علي الطريقة الفرنسية' وذكر فيه :

أن الإسلام هو الدين الثاني بعد الكاثوليكية ، وان كراهية الإسلام تنبع من خلاف تاريخي ، وإدراك عام بأن الإسلام دين يسعى لكي يصبح فرنسيا ..

 وان العقلية الفرنسية تصر علي اعتبار المهاجرين حتى أبناء الجيل الثاني الذين ولدوا وتربوا في فرنسا ليسوا مواطنين فرنسيين ويعتبرونهم مسلمين من أصول عربية.

ويرصد الباحث الفرنسي خمسة عشر حادث اعتداء علي المساجد ، تراوحت بين إلقاء ألوان علي جدار المسجد إلي إشعال حرائق وإلقاء مواد حارقة وإرسال طرود مفخخة

ورصد الباحث أيضا قرارات محلية في بعض المدن :

منها قرار عمدة مدينة 'اومون' في الشمال بمنع المسلمين من إقامة احتفالات الزواج يوم السبت علي أساس أن هذا يوم كريم مخصص للفرنسيين الكاثوليك المؤمنين !! .

وفي مدينة 'ايفري' عارض العمدة قرار صاحب سوبر ماركت بعدم بيع الكحوليات ولحم الخنزير.

     ويضيف الباحث أنه منذ أحداث سبتمبر زادت الإجراءات الأمنية حول المسلمين الذين يمارسون شعائرهم.

وحول المنظمات الإسلامية أصبح استدعاء المسئولين عن الاتحادات الإسلامية وأئمة المساجد أمام مراكز الاستخبارات مسألة دورية .. وهكذا أصبح الإسلام بالنسبة للمجتمع الفرنسي العدو الأول الذي يهدد الجمهورية.

ورصد جاير في كتابه عدة أفعال منها هدم صالة للصلاة .. ووصف المحجبات بالمريضات والأئمة بالأميين في بعض الكتابات.

وطرد وزير العدل الفرنسي دومنيل بيرفان عضوة في هيئة المحلفين في محكمة قرب باريس لارتدائها الحجاب وقال: إن الحجاب يتضمن جزئيا معني الانحياز .. وأنه لا يريد وجود علامة علي الالتزام الديني بالمحاكم.

وأضاف إلي ما سبق ما نشرته بعض الصحف الفرنسية ضد الإسلام والمسلمين

ووصل الأمر إلي تخصيص ملف داخل مجلة الاكسبريس بعنوان ' فلوس الإسلام في فرنسا' ، وحمل الملف دعوة لتطويق الإسلام ، بالرقابة علي مصادر تمويل المساجد ، والجمعيات الخيرية ، رغم انه بموجب القانون الفرنسي لا يتم تمويل هذه المساجد من ميزانية فرنسا ، وتعتمد في تمويلها علي الدول الأصلية للمسلمين هناك.

أما الكاتب الفرنسي ميشيل هو لبيك فقد أثار مشاعر الغضب لدي المسلمين عندما قال لمجلة 'لير' إن الإسلام دين غباء وانه يصاب بالانهيار عند سماع القرآن.

هذه كلها أمثلة تضاف إلى ما ذكره إدوارد سعيد عن أثر ما سماه " الاستشراق الكامن "

 

ولكن رغم هذا الحصار والهجوم علي الإسلام إلا أن هناك إقبالا من الفرنسيين علي اعتناق الإسلام .. قدرتهم مجلة ' لوفيجارو' بخمسين ألف فرنسي .. وإقبالا شديدا علي شراء نسخ من المصحف الشريف ، والكتب الدينية التي تتناول الإسلام )

ويبدو أن هذا الإقبال كان وما يزال من دواعي إذكاء نيران العداوة التي إن خمدت زمنا فإنها سرعان ما تفور لمثل هذه الأسباب

 

وتمتد قناة جيدة التوصيل في رحم الاستشراق :  بين الظاهر عليه والكامن فيه والساقط منه

والاستشراق الساقط هو ما كان يعني به إدوارد سعيد : سقوطه بثوابته ومسلماته  من مصدره الغربي على عقل الشرقي ووجداناته - في مستوى النخبة { العلمانية } أولا ثم في مستوى المثقف العادي إلى أن تتغلغل في رجل الشارع -  فيطبع ثقافته بما سقط عليها من فكر المستشرقين ونظرياتهم ، ثم يرددها في كل مناسبة كالببغاء أو كالبوق          

وفي أثر الاستشراق على النخبة { العلمانية } الثقافية العربية المعاصرة : 

يقول د. إدوارد سعيد ( إن الاستشراق ، رغم إخفاقاته ، ومصطلحه الذي يثير الشفقة ، وعرقيته التي لا تكاد تحجب ، وجهازه الفكري الرقيق رقة الورق ، يزدهر اليوم بالأشكال التي حاولت أن أصفها . وبالفعل ، فإن ثمة ما يدعو إلى القلق في كون تأثيره قد انتشر إلى " الشرق " نفسه : فصفحات الكتب والمجلات باللغة العربية ( وباليابانية ، واللهجات الهندية المختلفة ، واللغات الشرقية الأخرى ، دون شك  تمتلئ بتحليلات من الدرجة الثانية لــ " العقل العربي " ، والإسلام ، وأساطير أخرى ، يقوم بها < كتاب>عرب …. )  { علمانيون } .

 

 ويقول د. إدوارد سعيد : ( في الجزء الوحيد من الشرق الذي أستطيع أن أتحدث عنه بشيء من المعرفة المباشرة يمكن اعتبار التلاؤم المتبادل بين الطبقة المفكرة { العلمانية } والامبريالية الجديدة أحد الانتصارات الخاصة للاستشراق . فالعالم العربي اليوم كوكب تابع ، فكرياً ، وسياسياً ، وثقافياً للولايات المتحدة .

 

خذ بعين الاعتبار أولاً :  أن الجامعات في العالم العربي تدار بشكل عام تبعاً لنسق ما موروث عن ، أو مفروض مباشرة من قبل  قوة مستعمرة سابقة .

وتجعل الظروف الجديدة واقعيات المنهج الدراسي قبيحة حتى الرعب تقريباً : صفوف يحتشد فيها مئات الطلبة ، جهاز تدريس مدرب تدريباً سيئاً ، ومرهق بالعمل ، ويتلقى رواتب سيئة ، تعيينات سياسية ، الغياب شبه المطلق للأبحاث المتقدمة ولوسائل البحث العلمي .

 وفيما كانت بريطانيا وفرنسا قد سيطرتا على الآفاق الفكرية في الشرق بفضل أهميتهما وثرائهما ، فإن الولايات المتحدة هي التي تحتل تلك المكانة الآن ، بصورة تؤدى إلى النتيجة التالية : وهى أن القلة من الطلاب الذين يبشرون بخير والذين ينجحون في الارتقاء عبر النظام < التعليمي > يتلقون التشجيع للحضور إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراساتهم العليا .

 وفيما يظل صحيحاً أن بعض طلاب العالم العربي ما يزالون يذهبون إلى أوروبا للدراسة ، فإن الغالبية العظمى يأتون إلى الولايات المتحدة ، ويصدق هذا على طلاب ما يسمى الدول الجذرية بقدر ما يصدق على الدول المحافظة كالمملكة العربية السعودية والكويت .

وإلى جانب ذلك ، فإن نظام الرعاية في عالم الدراسة ، والأعمال ، والبحث العلمي يضع الولايات المتحدة في موضع الآمرة ذات السلطة الكلية على الأمور . . .

وبقدر ما يسع المرء أن يصدر تعميماً كاسحاً  فإن الميول المحسوسة للثقافة المعاصرة في الشرق الأدنى تسير على هدى النماذج الأوربية والأمريكية ، وحين قال طه حسين عام1936 عن الثقافة العربية إنها أوربية ، لا شرقية ، فقد كان يسجل هوية النخبة الثقافية المصرية { العلمانية } التي كان هو أحد أعضائها المتميزين تميزاً كبيراً . ويصدق الشيء ذاته على النخبة الثقافية العربية { العلمانية } اليوم . ) .

 

يقول إدوارد سعيد :( والنتيجة المتوقعة لهذا كله هي أن الطلاب الشرقيين ( والأساتذة الشرقيين ) ما يزالون يريدون الحضور < إلى الولايات المتحدة > والجلوس عند أقدام المستشرقين الأمريكيين ، ثم العودة  فيما بعد لتكرار الشعارات اللغوية  - التي ما فتئت أصفها بأنها مذهبيات جامدة استشراقية  - على مسامع جمهورهم المحلي .

 

ونظام إعادة إنتاج كهذا يجعل من الحتمي أن يستخدم الباحث الشرقي تدريبه الأمريكي ليشعر بالفوقية على أبناء وطنه لأنه قادر على " تدبُر " النظام الاستشراقي < وفهمه واستخدامه > ؛ أما في علاقته بمن هم أسمى منه مكانة : المستشرقين الأوربيين والأمريكيين ، فإنه سيبقى " المخبر الذي ينتمي إلى السكان الأصليين " .

 وهذا هو بحق دوره في الغرب ، إذا كان من حسن الحظ بحيث يتاح له البقاء فيه بعد إنهاء تدريبه المتقدم .

 

غير أن هذا كله ضئيل بالمقارنة مع  حقيقة < طغيان > النزعة الاستهلاكية في الشرق . فالعالم العربي أو الإسلامي عامة عالق في صنارة نظام السوق الغربي . .. وبهذا صارت العلاقة علاقة وحيدة الاتجاه ، تمثل فيها الولايات المتحدة زبوناً مختاراً لعدد ضئيل جداً من المنتجات ( النفط ، واليد العاملة الرخيصة ، رئيسياً ) ويمثل العرب مستهلكين شديدي التنوع لعدد هائل من منتجات الولايات المتحدة ، المادية والعقائدية .

 

وقد كان لهذا عواقب كثيرة : في عملية تسويق هائلة للذوق في المنطقة ، متجسدة لا فى الترانزستورات ، والجينز الزرقاء ، والكوكا كولا وحسب ، بل كذلك في الصور الثقافية للشرق التي توفرها وسائل الإعلام الأمريكية، وتستهلكها دون تفكير جماهير التلفاز الضخمة . حيث اصبح العربي إنما يعتبر نفسه " عربياً " وفقا للنمط الذي تنتجه وتسوقه هوليوود.

 

وهناك نتيجة أخرى هي : أن اقتصاد السوق الغربي وتوجهه الاستهلاكي خلقا ( ويخلقان بنسبة متسارعة ) طبقة من المتعلمين يوجًّه تشكلهم الفكري نحو إرضاء حاجات السوق . فثمة تأكيد كبير على الهندسة ، والأعمال ، والاقتصاد ، مما هو واضح ؛ لكن < طبقة > رجال الفكر <الانتلجنسيا > هي ذاتها تقوم بدور مساعد فيما تعتبره الاتجاهات الرئيسية في الغرب .

وقد رسم دور هذه < الطبقة > وصيغ لها بوصفها طبقة " مُحدثنه " ،{ علمانية }  أى أنها تمنح الشرعية والسلطة المرجعية لأفكار حول التحديث والتقدم والثقافة ، تتلقاها من الولايات المتحدة بصورة رئيسية . ويقوم الدليل الباهر على هذا الاستشراق { الساقط }  في العلوم الاجتماعية .

 

{ وهنا فمن حقنا أن نتذكر النموذج  لهذا النوع من الاستشراق : في عالم الاجتماع الشهير الأستاذ الدكتور سعد الدين إبراهيم }

 

وكما يقول الدكتور إدوارد سعيد ( فإن الشرق الحديث ــ بإيجاز ــ يشارك فى شرقنة نفسه ) .

 

هكذا يتأكد لدينا نتيجة لهذه الدراسة الفذة للدكتور إدوارد سعيد ما كان يتردد من قبل في صدور  البعض  - على استحياء - حول دور الاستشراق في تشويه صورة الإسلام ، ويصبح لدينا اليوم يقين ــ نتيجة لتلك الدراسة بأن الاستـشـراق ما هو إلا مؤسسة تقوم بدور تاريخي كجهاز مناعة تعضى ــ أو قل إن شئت " تعضون " ــ في بنية الحضارة الأوربية الأمريكية ، وتغلغل في أعصابها وشرايينها  وعظامها ليرد عنها أي اقتراب إسلامي ، مغلقاً منافذ تلك البنية دون أي شعاع حقيقي من الإسلام .

حتى ما يود البعض منا أن يعتبره تحسناً أو إنصافاً في أداء بعض المستشرقين ، فإنه حسب دراسة إدوارد سعيد ( استراتيجيات لإعادة التصرف بــ " المادة " ضمن " الحقل " وتوزيعها . ) إنه يؤدى إلى تغيرات ضمن الحقل ثم يعين على خلق وضع جديد ، مثلما يؤدى إدخال بوصلة جديدة على سطح توجد عليه عشرون بوصلة إلى اهتزاز البوصلات جميعاً . ثم إلى استقرارها فى تشكيل جديد قادر على الاستيعاب .

أما خروج مستشرق ما على الحقل ليعلن إسلامه فإنه يصبح طبقاً لجهاز المناعة ذاك سبباً كافياً لإخراجه ــ حسب مواصفات المؤسسة الاستشراقية ــ من زمرة البحث العلمي المعترف به في المؤسسة ليصير أي شئ غير كونه مستشرقـاً " رصيناً " .

وليس صحيحا إذن ما يعتذر به عن الرجل الغربي من أنه عدو للإسلام بسبب الجهل ، أو بسبب سوء العرض ، إذ هو مثقف حتى النخاع  بثقافة قومه التي سهر الاستشراق على زرعها في أعماقه ولا يزال ، وهي ثقافة أصبحت تصل إليه اليوم ضمن تيارات إعلامية شديدة الانغلاق على ما تصنعه في الرأي العام من عقول ، خلافا لما يظن المقهورون

 

وهكذا تقوم المؤسسة الاستشراقية بالدور الفعال ــ لا في فهم الإسلام وتـقديمه للغرب المسيحي " موضوعياً " كما كان يفترض ــ ولكن في زرع الألـغام في الحـقل الذي يفصل ما بين الحضارة الإسلامية ، والحضارة الغربية ليس ذلك فحسب ولكن في تكوين عقلية الرجل العلماني الشرقي الحديث الذي ينضم تلقائيا إلى جهود سادته في حربهم على الإسلام .

 

والخلاصة فيما نذهب إليه  : أنه إذا كان الاستشراق هو بحث الغرب في شئون الشرق - والشرق الإسلامي بخاصة - في كل ما يتصل به : من النواحي الحضارية والثقافية والدينية واللغوية والفنية والسياسية والسكانية والسياسية الخ  فإننا يجب أن نفهم أن المستشرق ليس هو الغربي الباحث في تلك الشئون فحسب ، ولكنه الذي بالإضافة لذلك يضم ذاته إلى بحثه ، أو جزءا من ذاته ،  تلك التي ينتمي بها إلى  ثقافة الغرب بمكوناتها الأساسية ، وهو بالإضافة إلى ذلك كله : الشرقي الذي تم صنعه بآلة الغرب في صورتها العلمانية الحديثة .

 

 ومن هذه المكونات :  جهاز المناعة الصفيق الذي تحصنت به الحضارة الغربية التي ينتمي إليها الغربي الأصيل طوال قرون ، و" العلماني الشرقي " المستنسخ الحديث ، والتي إن سمحت لأحدهما  بشيء من الموضوعية - في مستوى المنهج العلمي   -فإن هذه الموضوعية  سرعان ما تذوب ، عندما يستيقظ قرن الاستشعار عند كليهما  ليشعر - في مستوى ذاتيته الحضارية الأصلية أو المستنسخة - خطرا  يهدد ثقافته ، إزاء ضغط بعض حقائق الشرق التي تنكشف له .

ومن هنا كان في حكم البديهي ما كشف عنه إدوارد سعيد في دراسته الثمينة للاستشراق من أن الشرق في يد المستشرقين : أصبح هو الشرق الذي يصنعونه أو ينشئونه إنشاء ، لأغراض في المعرفة والسلطة ، وبالتالي :  غرض الدفاع عن الذات ، أمام شرق أصيل لا ولن يهدأ حتى يستوعب الآخر  ، بحكم عالمية الرسالة الإسلامية الكامنة فيه .