جواسيس لا جماعات ضغط
بقلم : عريب
الرنتاوي
ليست الفضيحة الأولى
ولن تكون الأخيرة..
فإسرائيل، الدولة
الأولى بالرعاية الأمريكية، لم تعد تكتفي بالاختراق الهائل الذي حققته جماعات
الضغط المؤيدة لها داخل مؤسسات صنع القرار في الولايات المتحدة، فما كان منها إلا
أن عمدت إلى تجنيد الجواسيس والعملاء في قلب الدائرة الضيقة لسدنة الأسرار
والمعلومات وصناع القرار والسياسات.
رائحة الفضيحة
الأخيرة تزكم الأنوف... فالجاسوس هذه المرة لا يبحث عن معلومة أو سر، ولا يقتفي
أثر التكنولوجيا فائقة التطور والذكاء... بل هو عضو في فريق مهمته »بناء قضية
إيران«، وهو ذاته الرجل الذي كانت له إسهاماته في إطلاق كل هذه الدعاية المضللة عن
»علاقة القاعدة بنظام صدام حسين«، تلك الدعاية التي ثبت تهافتها ولا أخلاقيتها
شأنها في ذلك شأن الدعاية عن أسلحة الدمار الشامل العراقية.
نجح الجاسوس في مهمته
من قبل، وأسهم مع غيره من الغلاة والمتعصبين وربما الجواسيس أيضا، في بناء قضية
قوية ضد النظام العراقي المخلوع، أقله عند الرأي العام الغربي ولمدة كانت كافية
لإشعال فتيل الحرب واحتلال بغداد، ولم يعد مهما بعد ذلك، ما إذا كانت القضية مبنية
على أسس صلبة ومعلومات دقيقة أم أنها من ألفها إلى يائها تلفيق بتلفيق.
مزهوا بنجاحه الأول،
يسعى الجاسوس وصحبه من المحافظين الجديد واليمينيين المتشددين في اقتفاء إثر
البرنامج النووي الإيراني، وتعقب ملفات العلاقة بين القاعدة وطهران، فالطريق إلى
حرب جديدة ضد دولة عربية أو إسلامية جديدة، يمر حكما بهاتين البوابتين، ولا بأس أن
تضاف إليهما بوابات ومداخل أخرى من نوع حقوق الإنسان ووضع الأقليات.
وطالما أن أحدا من
أمراء الحرب الأمريكيين، من ريتشارد بيرل إلى بول ولفوفيتس مرورا بجورج تينت، لم
يدفع ثمن أكاذيبه وتخرصاته، فلماذا لا تنشأ أجيال جديدة من السياسيين العاملين
بالقطعة لصالح جماعات الضغط الصهيونية وإسرائيل، ومجمعات الصناعات الحربية
والنفطية.
وطالما أن إسرائيل
لها كل هذه المكانة في »فكر المؤسسة الأمريكية وعقلها وضميرها« إلى الحد الذي يمكن
أن يدفع الولايات المتحدة لخوض المعارك والحروب نيابة عنها هنا وهناك، فلماذا لا
تنشأ أجيال من الجواسيس في قلب مؤسسات صنع القرار ليس فقط تحت إلحاح الإغراء
المادي، بل ولدوافع »عقيدية« أيضا، تبدأ باليهودية والصهيونية ولا تنتهي بالمدارس
المسيحية الجديدة الأكثر تزمتا ويهودية من رابايات إسرائيل وحاخاماتها.
ولو أن دولة أخرى هي
التي اتهمت برعاية هذا الخرق المحرج للنسيج الداخلي للمؤسسة الأمريكية، لقامت
الدنيا ولم تقعد، ولأقدمت واشنطن على إعلان جماعات الضغط الموالية لهذه الدولة،
منظمات إرهابية تستحق أن تصادر أموالها ويعتقل نشطاؤها وتغلق مكاتبها، بيد أن »الجاني«
هذه المرة، من أهل البيت، وليس من اللائق أبدا بحق علاقات التحالف الاستراتيجية
بين تل أبيب وواشنطن، أن يضخم الأمر وتلاحق تفاصيل القضية حتى نهايتها، فمن »مصلحة
السلم العالمي والحرب على الإرهاب ومنع الانتشار النووي«، أن تظل الفضيحة في أضيق
نطاق، وأن يجري إقصاؤها تماما عن عيون الصحفيين وعدساتهم.