المصالحات الفلسطينية
بقلم :د. عبد
الستار قاسم
يتم تجاوز كثير من
القضايا المهمة على الساحة الفلسطينية بافتعال أحداث ثانوية تستقطب بعض الأنظار
ووسائل الإعلام. حصلت أزمة عندما كان محمود عباس رئيساً للوزراء تلخصت في أن عرفات
رفض تسليم أي من الصلاحيات التي لا تعرضه للعقاب الأمريكي. وقف حائلاً أمام تسليم
عباس الأجهزة الأمنية وأبقاه مجرد هيكل من دون جوهر. حاول الأمريكيون حل الأزمة من
دون ضغط يذكر، لكن الغلبة كانت لعرفات. وبدل أن تبقى القضية متعلقة بهيمنة عرفات
المطلقة على الساحة الفلسطينية، تحول الاهتمام نحو خلافات عرفات ومحمود عباس
وابتعاد الطرفين عن بعضهما أو اقترابهما.
هذا البعد الشخصي لم
يظهر عند تعيين وزير المالية لأن الأمريكيين أصروا في حينه على رقابة أمريكية على
المالية. وقف الأوروبيون إلى جانب الأمريكيين وهددوا بعدم تقديم أي مساعدات مالية
للسلطة الفلسطينية إن لم يقبل عرفات وزيراً للمالية تكون قراراته محترمة. انحنى
عرفات أمام الضغط وقبل الأمر كارهاً. لكنه ما زال يردد في خطاباته بأن السلطة تقوم
بدورها المالي بدقة كبيرة يشهد لها البنك الدولي.
لكن المسألة اختلفت
عندما هبت مجموعات من حركة "فتح" ضد بعض رجال السلطة وممارستها. تم
اتهام دحلان بأنه المحرك، وردد المسؤولون الفلسطينيون مقولة الخلافات بين عرفات
ودحلان وذلك لإعطاء الهبّة البعد الشخصي. الفساد هو محرك الهبّة، والشارع الغزّي
كما هو في المناطق الأخرى محتقن جداً وينتظر التغيير بتلهف، لكن مصلحة عرفات كانت
الابتعاد عن كل ما هو عام لمصلحة ما هو خاص. ففي التفسير الشخصي ما يبعده عن تحمل
مسؤولية الفساد والفاسدين. من المحتمل أنه كان لدحلان بعض التدخل، لكن لولا الفساد
لما حصل الحدث.
نتيجة لذلك، تظهر
الاتهامات المتبادلة بين عرفات وخصومه والتي تتركز إجمالاً حول التخوين والعمالة
للأمريكيين. فإذا تمرد قائد الأمن الوقائي في الضفة فإنه ينتهي في قفص الاتهام
التخويني والحصول على الأموال من الخارج والدول المعادية. لكن هذا الخائن يصبح
بطلاً بعد أشهر، عندما يتصالح مع عرفات ويرفع معه يداً بيد وبأصابع منفرجة. هكذا
كان الأمر مع محمود عباس عندما أصبح رئيساً للوزراء، تم صبّ التهم على رأسه صباً
بأنه عميل أمريكي، ولولا دعم الأمريكيين له لما شغل المنصب. لكن ماذا عن الذي أصدر
القرار الرسمي بتعيينه، وهو عرفات؟ هذا يخضع للأوامر الأمريكية، وذاك يقبلها، وفي
النهاية يقتتل الأدوات ليعودوا إلى المصالحة المضللة.
مسكين هو الشعب
الفلسطيني الذي يعيش هذه الترهات على شاشات التلفاز وصفحات الجرائد. الشعب يعاني
من قمع الاحتلال وقهره، ومن قسوة الحياة وضنك العيش، ومن الاعتقال والتشريد وهدم
البيوت، بينما يتسلى المسؤولون الفلسطينيون بسخافات تافهة تلحق الضرر العميق
بالشعب. تتراجع القضايا العامة لمصلحة بؤرة صغيرة من المتهمين بالفساد والتعاون مع
العدو الصهيوني ومع الولايات المتحدة الأمريكية. الشعب يئن من وطأة الغزاة ودعم
الأمريكيين لهم، والقيادة تتمسك بحبال من الوطنية الزائفة في الوقت الذي يتنافس
فيه أقطابها على خدمة الأعداء.
يتحدث الناس في فلسطين
حول الفساد ويقدمونه على الاحتلال في تفسير سوء أحوالهم، وفي سرايا رام الله
يتحدثون عن "يا جبل ما يهزك ريح"، وعن المارقين المتآمرين الذين ينسقون
مع الأمريكيين. وعبر وسائل الإعلام، استطاعت السلطة أن تصنع انطباعاً لدى العديد
من الناس خارج فلسطين بأن الأزمة لا تتعلق بأداء عرفات وإنما بأشخاص ضلوا الطريق
القويم وأغوتهم مطامعهم في القيادة والحصول على المال. ولهذا ركزت وسائل الإعلام
مؤخراً على المصالحة بين عرفات وخصميه المفترضين محمود عباس ومحمد دحلان. تم حصر
قضايا الشعب الفلسطيني الآنية والملحة في ثلاثة أشخاص لا أظن أن أحداً منهم سيفلت
من المساءلة والمحاسبة فيما إذا تغيرت الأحوال على الساحة الفلسطينية. الثلاثة
متهمون من قبل الشارع الفلسطيني، ومن السهل أن يستمع المرء إلى نوعيات التهم
الموجهة خاصة في ما يتعلق بصرف الأموال من دون وجه حق من قبل عرفات، وفي الحصول
على أموال غير مشروعة في ما يخص الآخرين.
والمشكلة الكبيرة
الواضحة للعيان أن هناك وسائل إعلام رئيسية في الوطن العربي تركز على ترهات السلطة
فتبدو كأنها شريك في نصب أفخاخ تضليلية للشعب الفلسطيني. تعمل هذه الوسائل على
تعزيز الجهود التصغيرية والتتفيهية لقضايا الشعب الفلسطيني، وتسهم في بناء صورة
غير مشرفة للشعب الفلسطيني. ويذهب عدد من الفلسطينيين إلى القول إن هناك إعلاميين
يحصلون على أموال غير مشروعة للترويج لأخبار معينة على حساب أخبار وأحداث مهمة. ويضيفون
بأن هناك قنوات موجهة نحو هذا الهدف على شاكلة ما قامت به فرنسا من توظيف إذاعة
روجت لأساطير النضال الفلسطيني التي أرادت القيادة الفلسطينية ترسيخها على مدى
ثلاثين عاماً.
تحصل أحداث كبيرة على
الساحة العربية والفلسطينية، لكن خبراً مثل المصالحة بين عرفات ودحلان يحتل أولوية
ومساحة كبيرة على الشاشة. يتم نقل خطاب عرفات مباشرة على الشاشات، وتتم لقاءات
كثيرة مع خصومه من بني حظوته، لكن المساحة تضيق جدا أمام الذين يرون أن الشعب الفلسطيني
ومعه الشعوب العربية والإسلامية يتعرضون لعملية تضليل من خلال مسخ الحدث. والهدف
كما يبدو هو مسخ الاهتمام بحيث تتحول الشعوب عن الاهتمامات الرئيسية لمصلحة مشاعر
الإحباط واليأس.
تضليل الناس عبارة عن
فن، لكنني أرى أن نسبة عالية من الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع قد أخذت تعي
الكثير من الألاعيب الصبيانية الاستعراضية. يبقى من المهم أن تعي جماهير أمتنا أن
الكثير مما يجري ليس إلا مجرد تغطية على الحقيقة. التضييق على الشعب الفلسطيني
يأخذ مسارب كثيرة ومتنوعة، ويقوم به أبطال كثر. وقد بات واضحاً أن هناك فلسطينيين
شركاء أتقنوا لعبة التدليس.