أزمة ثقة

 

 

 

بقلم :رنده حيدر

 

لماذا تحتاج دولة مثل "إسرائيل" تربطها شبكة علاقات وطيدة وعميقة واستثنائية بالولايات المتحدة للجوء إلى التجسس لمعرفة ما يدور من نقاشات داخل الاجتماعات المغلقة لوزارة الدفاع الأميركية؟ وهل هناك أسرار لا يمكن "إسرائيل" الاطلاع عليها في وقت معظم المسؤولين الكبار في البنتاغون من أقرب المقربين للمسؤولين الإسرائيليين؟ وهل من الممكن أن تكون "إسرائيل" قد نسيت فضيحة الجاسوس (جوناثان بولارد) الذي يقضي عقوبة بالسجن في أميركا منذ 19 سنة لكي تتورط في فضيحة جديدة؟

أسئلة كثيرة تطرح اليوم مع الكشف عن قضية التجسس المتهم بها (لاري فرانكلين) المسؤول عن مكتب (دوغ فيث) نائب وزير الدفاع الأميركي.

بالنسبة إلى "إسرائيل" تأتي هذه القضية لتعكر علاقاتها مع الدولة الوحيدة التي تعتبر أنها صديقتها وحليفتها في السراء والضراء، أي الولايات المتحدة الأميركية. والمعلوم أنه منذ تولى أرييل شارون رئاسة الحكومة الإسرائيلية تشهد علاقات "إسرائيل" الخارجية، لا سيما مع دول الاتحاد الأوروبي أزمة حقيقية، خاصة بعد الموقف الذي اتخذته هذه الدول بدعم الإدانة الصادرة عن محكمة العدل الدولية في لاهاي لسياسة "إسرائيل" في المناطق الفلسطينية، وبنائها الجدار العازل.

 

كما تأتي هذه الحادثة بعد الأزمة التي نشبت بين "إسرائيل" ونيوزيلندا في أعقاب الكشف عن تورط عملاء لـ"الموساد" بعملية تجسسية هناك، كادت تؤدي إلى أزمة بين البلدين بعدما استدعت نيوزيلندا سفيرها في "إسرائيل" احتجاجاً على ذلك.

 

واليوم سواء ثبتت إدانة فرانكلين بتسريب مواد سرية إلى موظفين في السفارة الإسرائيلية في واشنطن، وأنه نقل معلومات أخرى إلى لجنة الشؤون الأميركية -الإسرائيلية "ايباك"، أم لم تثبت، فالأكيد أن ضرراً لا يستهان به قد لحق بـ"إسرائيل" وبـ"ايباك".

 

ومن المعروف تاريخياً أن الدور الأساسي للوبي اليهودي الأميركي هو فهم توجهات السياسة الأميركية إزاء المنطقة، والعمل على التأثير على متخذي القرارات هناك بما يحفظ مصلحة "إسرائيل"، ويحقق أهدافها.

 

وللمنظمة نحو 65 ألف مندوب موزعين في مختلف أرجاء الولايات مهمتهم تقديم العون إلى المرشحين السياسيين الموالين لإسرائيل من أجل تحقيق فوزهم في الانتخابات. ويعتبر المؤتمر السنوي للمنظمة الذي يجري عادة في واشنطن نوعاً من تظاهرة سنوية لعرض القوة يحضره نحو نصف أعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ وهو أمر قلما تشهده الحياة السياسية في واشنطن.

 

من هنا فالضرر الذي سيلحق المنظمة من جراء التجسس الأخيرة لن يكون عابراً، ومن المحتمل أن يضعف نفوذها وقوتها السياسية، وأن ينعكس على تأييد السياسيين لها، وسوف يطرح من جديد قضية "الازدواجية" في الولاء ليهود الولايات المتحدة.

 

ويذهب بعض المعلقين الإسرائيليين إلى اعتبار الضرر الذي سيلحق بـ"ايباك" أسوأ ضربة قد تتعرض لها الجالية اليهودية في أميركا منذ سنين، ولو كان المتهم الأساسي في القضية (لاري فرانكلين) غير يهودي.

 

تحاول "إسرائيل" الدفاع عن نفسها وتبرئة ساحتها بالادعاء أنها كبش محرقة للخصومات الدائرة بين التيارات المتخاصمة داخل إدارة بوش، وأنها ضحية مكتب التحقيق الفيديرالي الذي يسعى إلى استغلال القضية لتغطية اخفاقاته في موضوع الهجمات الانتحارية للحادي عشر من أيلول. وأنها أيضاً تتعرض لحملة انتقامية من جانب المعارضين للحرب الأميركية في العراق. لكن كل هذه الادعاءات لن تنجح في انقاذ ماء الوجه الإسرائيلي من الاحراج الكبير لكونها تتجسس على أصدقائها، كما تتجسس على أعدائها.

 

معلقون إسرائيليون كثر اعتبروا أن آخر ما تحتاج إليه "إسرائيل" الآن أزمة ثقة بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية، لا سيما في هذا الوقت بالذات، حيث تقتضي المصلحة الإسرائيلية المباشرة إعادة انتخاب جورج بوش لولاية ثانية، واستمرار النهج المفرط في تأييده لإسرائيل من جانب المحافظين الجدد الذين يرسمون اليوم السياسة الأميركية في الشرق الاوسط.

 

هذه هي "سرائيل" التي تظهر بمظاهر خادعة أمام أوروبا وأميركا على أنها الدولة المتحضرة وصاحبة مدنية وحضارة قلما تتوفر مثلها في أي بلد آخر لكن الوقائع توضح عكس ما تذهب إليه الدعاية الصهيونية.وتثبت الحقائق أن "إسرائيل" ذات نزعة عدوانية وتتزايد فيها عمليات القتل والاغتصاب والتمييز العنصري.