محرقة حرية التعبير
بقلم
:د. ابراهيم علوش
الزوبعة
التي افتعلتها السفارة الأمريكية في القاهرة حول مقالتي د. رفعت سيد أحمد عن «المحرقة»
اليهودية في صحيفة اللواء الإسلامي، الناطقة بلسان الحزب الوطني الديموقراطي
الحاكم في مصر، شكلت سابقة تدخل سياسية وإعلامية خطيرة أدت إلى:
1) إقالة
رئيس تحرير اللواء الإسلامي محمد الزرقاني من منصبه.
2) منع د. رفعت
سيد أحمد من متابعة الكتابة فيها
3) نشر
اعتذار رسمي لوزير الإعلام المصري في الجريدة نفسها أعلن فيه تمسك المصريين
وتعاطفهم، حسب زعمه، مع «المحرقة»!
وكان رئيس
مركز يافا للدراسات والبحوث، د. رفعت سيد أحمد، قد نشر هاتين المقالتين عن تهافت
أساطير «المحرقة» يومي 24/7 و1/8 في اللواء الإسلامي اعتماداً على مراجع غربية
كثيرة، منها مثلاً كتابات اليهودي الألماني جوزف غينزبرغ الذي أنكر وجود غرف غاز
لحرق اليهود أصلاً، فقتل قتلاً خلال زيارة لقبر زوجته في ميونخ، بعدما هاجر من «إسرائيل»
إلى أمريكا.
عنيفةً
كانت ردود الفعل على المقالتين... فخلال أيام من نشرهما طفقت عشرات المواقع على
الإنترنت تنشر المقالات والتعليقات التعبوية على نسخة إنكليزية واحدة لمقتطفات
مترجمة من د. رفعت سيد أحمد في حملة إعلامية منسقة لمؤسستين صهيونيتين بالتحديد
هما سيمون ويزنثال وميمري. وقد طالبت بعض تلك التعليقات بقطع الدعم الأمريكي لمصر،
وبقصف مصر والسعودية بشيء يصهر رمالهما إلى زجاج ... وترافق ذلك مع نشاط مكثف
للسفارة الأمريكية في القاهرة، على ما زعموا بإيعاز من الكونغرس للخارجية
الأمريكية، كان منه زيارة وفد إعلامي من السفارة الأمريكية وبعض الإعلاميين
المصريين و«الإسرائيليين» لعدد كبير من المسؤولين المصريين وقيادات الحزب الوطني
الديموقراطي وصحيفة اللواء الإسلامي للاحتجاج وللمطالبة بالاعتذار على الصفحة
الأولى ومعاقبة «الجناة» بالرغم من نشر «توضيح» من اللواء بأن مقالات د.رفعت سيد أحمد
لا تمثل خطها!
وقد أثمرت
تلك الضغوط، كما رأينا أعلاه. ولكن تبقى الآثار العملية للتدخل الأمريكي السافر
بعدها رسم خط إعلامي أحمر للكتاب والصحفيين العرب ستقوم السفارات الأمريكية
بحراسته وتأديب كل من يجرؤ على تجاوزه.
لجنة
الحريات في نقابة الصحافيين المصريين تضامنت مع د. رفعت سيد أحمد، ولكن د. رفعت
سيد أحمد لم ينل من باقي الكتاب والصحافيين العرب، داخل مصر وخارجها، ما يستحقه من
تضامن ودعم، خاصة من قبل الذين يجعلون قضية حرية التعبير أولوية أعلى من مواجهة
الغزو الخارجي!
على كل
حال، ستبقى هذه المعركة مفتوحة مع الطرف الأمريكي-الصهيوني ، وكان معهد سيمون
ويزنثال نفسه قد شن حملة شعواء على رابطة الكتاب الأردنيين في نهاية ربيع عام 2001
بسبب إعلانه عن ندوة حول «المحرقة» أدت لتأجيلها قسراً مرتين إلى أن سمح بعقدها في
المرة الثالثة.
ولن تتمكن
اتحادات وروابط الكتاب والصحفيين العرب من الهروب من ميدان مواجهة «المحرقة» إلا
إلى تأييدها، وهو ما يسعى الطرف الأمريكي-الصهيوني لفرضه بالقوة، كما في أوروبا،
حيث يعاقب القانون كل من يجرؤ على التعرض للمخرقة اليهودية (بالخاء). فيجب أن تعيد
الصحف العربية نشر مقالتي د. سيد أحمد، وأن ننتهك قداسة «المحرقة» صبحاً ومساءً
ولو ذوداً عن حرية تعبيرنا فحسب...
والتدخل
الأمريكي-الصهيوني الوقح في شؤون الصحافة المصرية، وهذه ليست المرة الأولى،
بالإضافة إلى كونه ينم عن:
1) تعدٍ
على حرية الرأي والتعبير في الإعلام المصري والمقروء بالعربية.
2) تدخل
سياسي سافر في شؤون دولة (حليفة؟) ذات سيادة.
3) «إصلاح»
الإعلام العربي ضمن سياق مشروع «الشرق الأوسط الكبير»، فإنه ينم قبل ذلك كله عن
أهمية أساطير «المحرقة» في أيديولوجية الهيمنة الإمبريالية-الصهيونية على العقل
العربي، وبالتالي على الأرض والشعب والثروات العربية.
والسؤال
المطروح الآن على الذين يدعون أن «المحرقة» لا شأن لنا بها هو: لماذا تلقي الحكومة
الأمريكية رسمياً بكل ثقلها ضد مقالتين في صحيفة عربية كان يمكن أن تمرا مرور
الكرام لولا خطورة الموضوع؟! لا، أيها الأخوة والأخوات، «المحرقة» ليست حدثاً
تاريخياً على الإطلاق، بل أيديولوجيا تبرر الهيمنة، فهي أداة تطويع وغسل دماغ،
لابتزاز المال والدعم السياسي والعسكري، ولرفع الحركة الصهيونية فوق أي قانون، وهي
ذريعة مصطنعة لتبرير وجود «إسرائيل»، وهي مع ذلك فوق النقد، خاصة النقد العلمي،
ولذلك تلقي السفارة الأمريكية بثقلها خلف «المحرقة».