تحولات الصدريين بعد معركة النجف
بقلم :ياسر
الزعاترة
من العبث القول إن
تسوية النجف قد شكلت تراجعاً للتيار الصدري في العراق ذلك أن أسئلة التراجع
والتقدم تبقى معلقة على سلوك ذلك التيار خلال الأسابيع والشهور القادمة. أما ما
جرى خلال الأيام الماضية بعد عودة السيستاني فلم يكن في واقع الحال هزيمة للصدر،
بقدر ما شكل تأكيداً لحضوره الكبير في المعادلة العراقية عموماً والساحة الشيعية
على وجه الخصوص. ويكفي أنه بات نداً لأكبر مراجع التقليد الشيعية في العراق وربما
في العالم بأسره، وهو الشاب الذي ما زال في المراحل المتوسطة من دراساته الحوزوية،
فضلاً عن سنه الصغير قياساً بالرجل السبعيني الذي مضى أكثر من عقد على تقلده منصب
المرجعية العظمى بعد آية الله أبو القاسم الخوئي.
لقد جاء الاتفاق الذي
وقعه السيستاني والصدر في النجف بمثابة صك اعتراف بالصدر زعيماً مهماً في العراق،
ليس من قبل السيستاني نفسه الذي كان يرفض مقابلة الزعيم الشاب فحسب، وإنما من قبل
الحكومة التابعة للاحتلال التي لم تجد مناصاً من قبول التسوية التي توصل إليها
المرجع الشيعي على رغم ما تنطوي عليه من هزيمة ظاهرة لها، وهي التي كان أركانها
يتحدثون عن خيارين لا ثالث لهما؛ قتل الصدر أو اعتقاله، كما كانوا يتحدثون عن
اقتحام الصحن الحيدري، إلى غير ذلك من التصريحات النارية التي ذهبت أدراج الرياح.
في المعادلة القائمة
يمكن القول إن السيستاني كان في حاجة إلى الاتفاق أيضاً لكي يستعيد شيئاً من
هيبته، وهو الذي تجرأ عليه الكثيرون في الساحة الشيعية العراقية بعد عدم تدخله
الواضح خلال معارك الصدريين الأولى مع قوات الاحتلال قبل أربعة شهور، ومن ثم سفره
غير المقنع للعلاج هذه المرة، والذي قرأه كثيرون بوصفه ضوءاً أخضر لشطب التيار
الصدري. والحال أن أزمة الحكومة التابعة للاحتلال كانت الأكبر بامتياز، ومعها
بالطبع الجهة التي توظفها، أعني سلطات الاحتلال. ولعل قراءة نص البرقية التي وزعت
باسم رئيس الحكومة بشأن عودة السيستاني وما انطوت عليه من عبارات توقير للمرجع
وآمال بعودته إنما تعبر عن عمق الأزمة التي كانت تعيشها الحكومة التي أدركت أن اقتحامها
للصحن الحيدري سيجعلها برسم اللعن من قبل الجماهير، فيما سيدفع مزيداً من الشبان
الشيعة إلى حضن الصدر، أو تياره في حال قتله.
في قراءة ما جرى من
زاوية الدوافع والأجواء السياسية التي صنعته يمكن القول إن إيران كانت حاضرة بقوة
هذه المرة من أول الأزمة وحتى نهايتها، ذلك أن من غير العسير القول إن قوة الدفع
الإيرانية هي التي شجعت الصدر على خوض المعركة الأخيرة، وقد حدث ذلك عندما أرادت طهران
الرد على الاستفزازات الأمريكية، أكانت تلك التي جاءت من خلال الحكومة المؤقتة عبر
الحديث عن تدخلات إيرانية سافرة في العراق، أم ما هو أهم منها ممثلاً في تصعيد
الموقف بشأن البرنامج النووي الإيراني، وبالطبع لحساب الدولة العبرية على مشارف
الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
إيران إذن كانت حاضرة
في التصعيد الأخير، لكنها كانت حاضرة في التهدئة والاتفاق أيضاً. وإذا كان من
الصعب الحديث عن تسوية إيرانية أمريكية في الملفات العالقة وعلى رأسها الملف
النووي، فإن بالإمكان القول إن ما جرى كان مقبولاً من زاوية النظر الإيرانية
الحريصة على الإبقاء على التيار الصدري كعنصر مناكفة مع الاحتلال يفيد في محطات
كثيرة، في ذات الوقت الذي لا يضع الشيعة جميعاً في مربع التعاون مع الاحتلال، على
رغم عدم وجود نية لدى إيران بتغيير منهجية بعض الشيعة في التعويل على مسار التعاون
مع الاحتلال. وإذا أضفنا إلى ذلك حرص الإيرانيين على عدم الإضرار بمرجعية
السيستاني، فقد كانت التسوية في العموم مناسبة جداً بالنسبة لهم، فيما لا تبدو
كذلك بالنسبة للأمريكان وإن بدت خروجاً من مأزق كبير على مشارف الانتخابات
الرئاسية.
ما جرى إذن كان
بمثابة إنقاذ للصدر والحكومة والسيستاني أيضاً، وإن بدا أن التيار الصدري لم يكن
لينتهي حتى لو أبيد مقاتلوه في النجف أو قتل زعيمه.
هنا سيكون من المبكر
الحديث عن مستقبل التيار، ذلك أن استمراره على ذات الخطاب، أكان بمقاومة مسلحة على
طريقة جيش المهدي أم بنظام الكمائن والكر والفر كما هو الحال في المثلث السني، أم
حتى من دون مقاومة مسلحة وبرفض واحتجاج سلمي، هذا المسار سيكون ضامناً لبقائه
رقماً مهماً في الساحة العراقية، أما تورطه بدخول اللعبة على شاكلة الآخرين في
الساحة الشيعية مثل المجلس الأعلى وحزب الدعوة فسيكون محطة باتجاه التراجع.