عائشة الزبن .. الأم الفلسطينية من ينصفها ؟!!
عائشة ، بشار ، و
عمار الزبن ، أم و ولداها .. ثلاثة جمعتهم صفحة الورق الحزين ، صورة بأيدي العشرات
و على الجدران في نابلس ، أمس ، بعد أن فرّقتهم دموية المحتل .
سقط بشار كي يفكّ
قيداً يكبّل وطناً ، و رضي عمار السجن عمراً ، ثمناً حرية الأبناء ، فيما رأت الأم
الموت درباً يصون بعض إنسانية و كرامة الابن في زنزانته .
عائشة الزبن كانت
تمضي عبر إضرابها عن الطعام كي تضمّ ولدها عمار إلى صدرها ، لكنها ذهبت لأخيه بشار
الذي رحل شهيداً العام 1994 .
"دون توقّف ،
كنا نحاول ثنيها عن مواصلة الإضراب الذي باشرته مع إعلان الأسرى إضرابهم ، لكنها
كانت ترفض و تقول (كيف لي أن أتناول الطعام و عمار مضرِبٌ عنه)" ..
قالت دلال محمود
الزبن زوجة الأسير عمار الذي يقضي حكماً بالسجن 27 مؤبداً و 25 سنة . و اتحد الجوع
مع القهر ، ما جعل قلب الأم المقسوم شطران بين السجن و خيمة الاعتصام أضعف من
الصمود أمام فكرة الموت البطيء الذي بات يحاصر الابن الثاني في زنزانته . و توضِح
دلال ، التي لم تتمكّن من زيارة زوجها - عمار الزبن - غير مرتين منذ اعتقل مطلع
العام 1998 ، أن والدته - الشهيدة عائشة - أصرّت على المضي في الامتناع عن تناول
الطعام حتى استشهدت الليلة قبل الماضية ، إثر إصابتها بسكتة قلبية" . و قالت :
"إن حالة من القلق و الغضب و الحزن تراكمت في نفسها إثر إضراب الأسرى
المتواصل عن الطعام ، و قادت إلى استشهادها".
و أضافت : "لم
يرِدْنا أي اتصال من عمار منذ عشرة شهور ، عوضاً عن زيارته الممنوعة . ما فاقم قلق
والدته التي كانت تزداد توتراً و حزناً حين تتحدّث لأطفاله الذين لم يشاهدهم"
.
و منذ اليوم الأول
لإقامة خيمة التضامن مع الأسرى في نابلس ، واظبت عائشة الزبن على الحضور كلّ صباح
و المغادرة في المساء .. و أوضح معتصمون في الخيمة المقامة وسط نابلس ، أن والدة
الأسير عمار الزبن - الشهيدة عائشة - شعرت قبل أربعة أيام بألم في صدرها بينما
كانت في خيمة الاعتصام في المدينة ، ما استدعى نقلها إلى طبيب أوصى بنقلها إلى
المستشفى بعد أن أوضح لأسرتها أن ثلاثة من شرايين قلبها باتت مغلقة . و تشير أسرة
عائشة إلى أن الشهيدة و ما إن وصلت مستشفى المقاصد حيث حوّلت ، حتى توجّهت إلى
خيمة الاعتصام المقامة في القدس تضامناً مع الأسرى .
و قالت دلال الزبن :
"في القدس و بعد أن أدخلت المستشفى و حدّدت لها عملية في وقتٍ لاحق عادت من
جديد للاعتصام في الخيمة المقامة في القدس و بقيت تتردّد عليها يومياً حتى صباح
أمس الأول" . و أضافت : "خلال هذه الفترة ظلّت حالتها تتراجع ما حدا
بالأطباء إلى إجراء عملية لها صباح أمس ، تكلّلت بالنجاح ، و لكن حالتها انتكست
بعد بضع ساعاتٍ و فارقت الحياة" . و شيّعت جماهير نابلس ، أمس ، جثمان
الشهيدة عائشة الزبن (55 عاماً) ، انطلاقاً من ذات الخيمة التي كانت أحد المواظبين
على الاعتصام فيها طوال الأيام الماضية .
و كانت عائشة فقدت
العام 94 ، ابنها الأكبر بشار ، الذي قتلته قوات الاحتلال في نابلس بعد مرور عامٍ
واحد فقط على خروجه من السجن ، حيث كان قضى خمس سنوات (ما بين 1988 و 1993) . و
أعقب استشهاد بشار اعتقال شقيقه الثاني عمار العام 1998 ، حيث صدر ضده حكمٌ قاسٍ
بالسجن 27 مؤبّداً و 25 عاماً ، لتبقى الأم مع واحد فقط من أبنائها الثلاثة . و لا
يزال عمار (و هو أبٌ لطفلتين في السادسة و السابعة ، ولدت إحداهما بعد اعتقاله) واحداً
من بين الأسرى المعزولين في زنازين انفرادية في سجن بئر السبع . و أدّى الحكم
القاسي الذي صدر آنذاك ضدّ عمار بعد أعوام قليلة على رحيل أخيه بشار ، إلى إصابة
الأب بصدمة عصبية شديدة حوّلته إلى إنسانٍ شبه عاجز عن القيام بأبسط الأعمال منذ
ذلك اليوم و حتى الآن . و بدا محمود الزبن (زوج الشهيدة عائشة و والد الشهيد بشار
و المعتقل عمار) أمس، منهاراً خلال مراسم تشييع الشهيدة ، من هول ما عانته هذه
الأسرة .
و يشير سائد ياسين ،
من الهيئة العليا لمتابعة شؤون الأسرى و المعتقلين في سجون الاحتلال ، إلى أن
نابلس تتقدّم في وجعها و كذلك إصرارها ، موضّحاً "أن عدد أسرى نابلس يتجاوز 1400
(يشكّلون نحو 13 % من إجمالي الأسرى) بينما تشكّل الأسيرات من محافظة نابلس نحو
ربع الأسيرات (23 % من إجمالي الأسيرات) ، هذا عوضاً عن أن أقدم أسيرٍ ما زال يقبع
في سجون الاحتلال سعيد العتبة الذي قضى حتى الآن 27 عاماً ، و أقدم معتقل إداري
رائد قادري قضى 38 شهراً ، هما من نابلس أيضاً" .
و ما لبث المعتصمون ،
تضامناً مع الأسرى في نابلس ، أن فرغوا من تشييع الشهيدة عائشة الزبن أمس ، حتى
سقطت أم يحيى عكوبة مغشياً عليها بسبب إضرابها المتواصل عن الطعام . و نوّهت نغم
أبو بكر من نادي الأسير الفلسطيني – و هي زوجة المعتقل ياسر أبو بكر- إلى أن ثلاثة
من أبناء عكوبة داخل سجون الاحتلال . و قالت : "وصلت أمس الخيمة و آثار التعب
بادية عليها ، و طلبنا منها تناول بعض السوائل و وقف الإضراب ، و لكنها رفضت و
أصرّت على ذلك حتى انهارت و نقلت إلى المستشفى" . و أوضحت أن ما لا يقلّ عن 15
سيدة من أمهات و زوجات و شقيقات الأسرى ، ما زلن مضرِباتٍ عن الطعام منذ فترات
متباينة . و قالت : "إن استشهاد والدة المعتقل عمار الزبن و رغم ما تركه من
حزنٍ و دموع في عيون الجميع ، إلا أنه شكّل حافزاً إضافياً لمواصلة معركة الكرامة
خلف الأسرى" .
أمام كلّ هذا ترى لو
قُدّر لصاحب "الأم" ، الروائي الروسي الشهير "مكسيم جورجي" الحياة
مرة أخرى .. كم من روائعه سيهدي لأمهات الفلسطينيين ؟ و كم حياة سيطلب كي ينصفهن
؟؟