المأزق العراقي

 

 

 

بقلم :محمد كريشان

 

رغم كل المظاهر الاحتفائية التي صاحبت تنصيب حكومة عراقية جديدة وتعيين رئيس جديد للبلاد فإن لا شيء للأسف يدل علي أن ما يجري الآن من ترتيبات سياسية قادر علي نقل العراق، ولو مؤقتا، إلي وضع أفضل علي طريق إنهاء الاحتلال واستعادة السيادة.. بل العكس هو الصحيح للأسف.

عندما عادت الأمم المتحدة إلي معادلـــة العراق ـ حتي ولو جاءت في صيغة شاذة من خلال المساهمة في محاولة إيجاد مخرج ما لقوات إحتلال بعد حرب ظالمة جرت أصلا خارج الشرعية الدوليةـ روج كثيرون أو ربما ذهب في ظنهم أن مبعوث الأمين العام إلي العراق الأخضر الابراهيمي هو من ستكون له اليد الطولي في اختيار الرئيس المؤقت للبلاد وتشكيل الحكومة الانتقالية التي ستدير البلاد إلي غاية إجراء انتخابات عامة مطلع العام المقبل ، بالطبع بعد استمزاج واسع للأوساط العراقية المختلفة وبالتنسيق مع القوات الأمريكية، ولكن ما يحصل الآن أن الاحتلال يعيد علي مزاجه صياغة هذا المشهد الجديد ـ القديم بإعادة إنتاج نفس الاخطاء ليس غباء ولكن عن عمد في الغالب لإبقاء الوضع في البلاد معلقا باستمرار في عنق الزجاجة مما يوفر المبررات المختلفة لتطويل أمد الاحتلال عوض وضع حد له.

الحقيقة أن الابراهيمي نفسه هو أول من خلق هذا الانطباع عبر الترديد في مقابلات صحافية عديدة أن الحكومة الجديدة يجب أن تتكون من أصحاب كفاءات، وليس تكنوقراط، بعيدا عن أية محاصصة طائفية أو عرقية وإن لم ينف أنها ستكون لا محالة سياسية ووزراؤها ذوو صلة بشكل او بآخر بالقوي السياسية الفاعلة، كما أن الابراهيمي نفسه، وليس أحد غيره، هو من قال كذلك إن الحكومة الجديدة يجب ألا تتشكل من أعضاء مجلس الحكم الذين عليهم أن ينصرفوا لتهيئة أنفسهم لخوض غمار الانتخابات المقبلة إن شاؤوا مواصلة حياتهم السياسية... مما أثار وقتها حملة انتقادات واسعة في صفوفهم للابراهيمي ودوره ونواياه لم تخل من تجريح شخصي. وبالتوازي مع كل هذا الكلام كررت أكثر من جهة أن لا مجال للتمديد لمجلس الحكم الانتقالي أو توسيعه... فما الذي حصل في نهاية المطاف؟

الذي حصل أن مجلس الحكم المعين من قبل بول بريمر هو نفسه من فرض كلمته بالتنسيق الواسع مع الأمريكيين وبصمت مريب من الابراهيمي أو تجاوز لدوره أو تواطؤ منه.. لا أحد بمقدوره أن يجزم من الآن. والذي حصل أن حكومة يراد لها أن تنظم انتخابات ديمقراطية وشفافة مطلع العام المقبل تخرج هي نفسها من رحم مجلس معين ظل يكابد ليفرض نفسه فما أفلح بل ولم يفلح حتي في فرض علم جديد للبلاد لف به جثمان رئيسه السابق عزالدين سليم عندما اغتيل الشهر الماضي!! والذي حصل أن رئيس مجلس لم يستطع أن يظفر بشرعية ولو محدودة في أوساط أوسع فئات الشعب العراقي هو نفسه من ينصب رئيسا علي العراقيين.

و في الوقت الذي روجت فيه واشنطن أن العراق مقدم علي عصر من الديمقراطية وحكم المؤسسات لم يحصل عمليا سوي توغل المرجعيات الدينية وانتعاش القبائل والعشائر. وإذا كان هناك من " نجاح" للأمريكيين فهو بلا شك قدرتهم علي إعادة صياغة الأزمة بل العمل علي تعقيدها أكثر إذ كلما استمرت معضلة الشرعية للحكومة الجديدة واستمر معها الوضع الأمني المنفجر فذلك يعني ببساطة مزيد تعفن الجرح العراقي حتي يصبح آخر الدواء الكي فيهرع الجميع راجين من الاحتلال البقاء علي أساس أنه هو صمام الأمان لمنع الاقتتال الداخلي ويصبح شعار الجميع وداوني بالتي كانت هي الداء ... فإذا كان هذا هو هدف واشنطن من وراء تشكيل الحكومة العراقية الجديدة برئيسها ورئيس وزراءها فقد نجحت فعلا، أما إذا كان الهدف استعادة الاستقرار وسيادة البلاد فمثل هذا الهدف ازداد بعدا وضبابية.