أبو عمار و ساعة الصفر
بقلم نضال حمد
يتربع الرئيس
الفلسطيني ياسر عرفات المعروف بأبي عمار أو الختيار من جديد على عرش الأحداث
،فهناك من يطالبه بالاستقالة حفاظا على تاريخيته و بسبب كبر سنه، ولأنه أصبح السبب
في تعطل عملية السلام التي كان هو السبب في بدئها واستمرارها حتى نقطة التوقف التي
وصلت إليها بعد اندلاع انتفاضة الأقصى والاستقلال. وهناك من يقول ان ابا عمار
الختيار صار بالفعل ختيارا ، فقد حيويته وشبابه وطاقته، وفقد مصادر قوته وسيطرته
التي كان عمادها الأول المال والأعوان، ولم يعد يحيط به رجال من نوعية ابو جهاد
الوزير وابو اياد وابو اللطف وابو الوليد وابو شرار وابو الهول وقادة آخرين كبار..
لقد كبر ابو عمار بالسن وأصبح ختيارا بالفعل، لكن الحرب عليه تقاد من قبل شارون
وبوش، لذا فهو باقٍ والشعب الفلسطيني سيسانده ويكون له عونا. وليعلم الجميع بان
الشعب الفلسطيني مستعد لحماية ياسر عرفات طالما بقي الأخير متمسكا بالثوابت
الوطنية الفلسطينية ومنحازا للمقاومة والانتفاضة ، وطالما ظل شارون وبوش يحاربانه
ويطالبان باستقالته أو تصفيته. فأي تدخل بشؤون الشعب الفلسطيني الداخلية غير مقبول
فكيف الحال مع من يريد فرض الاستسلام على الشعب وقيادته..
الفقرة التالية من
افتتاحية جريدة الحياة اللندنية حيث كتب جهاد الخازن ما يلي : " لا أزال عند
رأيي أن يستقيل أبو عمار فيرتاح ويريح، وهو في الحكم وخارجه يبقى أبا الشعب وأمه
وخالته، ولا من ينازعه دوره التاريخي في القيادة. والفرق بين الداخل والخارج، أنه
في الخارج بطل، وأنه في الداخل يخطئ بحق نفسه وقضيته، وربما كان السبب العمر أو
انحراف الصحة، أو سوء نصح البطانة والحصار نفسه".
هذا ما كتبه الصحفي
العربي المعروف جهاد الخازن الذي يرأس جريدة الحياة اللندنية، الممولة من بلد عربي
كبير أيضا معروف، ولا نريد ان ندخل في جدل طويل مع السيد جهاد الخازن وهو صحفي
عربي له وزنه ومكانته، لكننا نقول له أن أبا عمار في قلب الحصار يدفع ثمن الهزيمة
العربية العامة والاستسلام العربي الشامل والتبعية العربية الرسمية للأمريكان
والصهاينة ، كما بنفس الوقت يدفع ثمن سياساته الخاطئة وخياراته الغير موفقة والتي
أنجبت عقداء وعمداء ووزراء وقادة مصادفة كانوا ولازالوا عاهة على الشعب الفلسطيني
، فسياستهم وأساليب قيادتهم كلفت الشعب الفلسطيني الكثير من الثوابت الوطنية
والقرارات الدولية. والدعوة لاستقالة أبو عمار يمكن أن تكون أكثر واقعية لو أنها
جاءت في توقيت آخر غير التوقيت الأمريكي والصهيوني للزمن العربي عامة والفلسطيني
خاصة. فقد قطع أبو عمار سن التقاعد منذ زمن لكن حبل الصرة الذي يربطه بفلسطين
والسلطة والمنظمة لم ينقطع و لازال موصولا...
<
نعم لقد بلغ أبو عمار
سن التقاعد وأصبح ختيارا اسما على مسمى، وحكم طويلا ، لكن إذا ما نظرنا حولنا في
العالم العربي السعيد فسنجد أن معظم رؤساء وملوك وأمراء ومشايخ وحكام الدول
العربية بلغوا منذ زمن طويل سن التقاعد والشيخوخة وأحيانا الخرف ، ووصلت حياتهم
السياسية الحافلة بالأخطاء والمصائب والعجائب والغرائب نهايتها ، ورغم هذا لازالوا
حكاما تُقبل أياديهم ويغدق عليهم بأجمل وأسمى الألقاب والأوصاف ، ولم ينتهوا ولم
يرحلوا ولم يقدموا استقالاتهم ولم يطالبهم أي صحفي على مستوى الخازن
بالاستقالة،ونراهم يرشحون أنفسهم في كل انتخابات جديدة ، فيفوز معظمهم بنسبة مائة
بالمائة أو 99% من أصوات الناخبين. ولسنا الآن بوارد أو بحاجة للتذكير بأسماء من
أصبح منهم عاجزا ومقعدا وعليلا وعلى فراش الموت والشيخوخة ولازال يحكم البلاد ؟
لسنا بحاجة لذلك، لأنهم أمام الجمهور و أمامنا بوضوح الشمس، وبالمناسبة نفسها نسأل:
لماذا لم يطالبهم السيد جهاد الخازن بتقديم استقالاتهم حفاظا على بلدانهم وقضايا
الأمة؟ هل مطالبة الضعيف تتساوى مع مطالبة الأقوى منه؟ هذا مع ان كل رؤساء بلاد
العرب ضعفاء و يقبعون في سلة أمريكا الواسعة...
< وعلى هامش الحرب
على البيت الفلسطيني والرئيس عرفات بالذات كتبت باعيل ملماد في صحيفة معاريف
الصهيونية اليسارية مقالة حامية دعت فيها الى تصفية الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات،
إذ اعتبرته العقبة بوجه أي حل في الوضع السياسي الحالي : " لن يكون حل ولا
انفراج في الساحة السياسية بين اسرائيل والفلسطينيين طالما بقي عرفات ، ويجب
إزاحته ولو اقتضى الأمر قتله". لقد استعملت ملماد تعابير همجية وأوصاف
عنصرية، ودعت بصراحة لقتل عرفات وتصفيته كحل لمشاكل الاحتلال الصهيوني في فلسطين..
وكتبت ملماد أيضا ما يلي " عرفات رجل شيخ متلعثم،شعيرات تغطي وجهه وكوفية على
رأسه، فاسد الى درجة تدخله بسهولة في كتاب جينيس ... هو الشخص الذي يثقل تأثيره
السيئ على حياة الملايين، له تسعة أرواح ومسئول عن موت الآلاف، على الصهاينة أن لا
ينتظروا حتى يموت وإنما التحرك للتخلص منه..". ليس غريبا على مجتمع أنجب عتاة
العنصريين والقتلة ان تخرج من بين صفوفه اصوات مثل ملماد وليبرمان ولينداو وغيرهم..
وبموازاة المقالة
العنصرية لملماد التي نادت بإرهاب واغتيال عرفات، نجد نتنياهو ومن معه من متطرفي
اعضاء الليكود يطالبون ويشترطون التخلص من ياسر عرفات مقابل توفير الدعم لشارون في
الاستفتاء على الانسحاب من غزة. وفي موازاة هذه الأصوات الصهيونية العالية نجد
اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات المصرية يتحرك بشكل مكوكي بين رام الله وتل ابيب
والقدس وغزة والقاهرة، ولا نجد في تحركه ما يخدم قضية فلسطين، لأن خدمة القضية لا
تكون بالضغط والتضييق على رجل الكوفية المحاصر والمسجون في رام الله منذ سنوات. هذا
وكان الوزير المصري في آخر لقاء له مع الرئيس الفلسطيني قد أبلغه رسالة واضحة
مفادها هو التالي :
اولا : توحيد الأجهزة
الأمنية الفلسطينية في ثلاثة أجهزة هي الأمن العام (الشرطة) والأمن الخاص (الوقائي
والمباحث العامة، والأمن الخارجي (المخابرات).
ثانيا : إعطاء
صلاحيات سياسية وأمنية واسعة لأحمد قريع أبو علاء رئيس الوزراء بما فيها السيطرة
الكاملة على الأجهزة الأمنية والمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي.
ثالثا : يتحول الرئيس
عرفات إلى رئيس شرفي ، وعدم عرقلة المفاوضات أو عقد تحالفات مع الجماعات الإسلامية
المتطرفة ..
هذه الشروط تعتبر
شروطا للاستسلام وهي ان حصلت ستكون بمثابة خيمة صفوان جديدة حيث استسلم العراق بعد
هزيمته في عاصفة الصحراء وحرب تحرير الكويت، كما أنها ستكون أسوأ بكثير من
اتفاقيات اوسلو السرية وما تلاها من مآسي على الشعب الفلسطيني وتقزيم وتفريط
بالقضية الوطنية الفلسطينية. وأخطر ما فيها هو الدور العربي المرتهن لمشاريع
الأعداء وكذلك دور بعض الفلسطينيين المرتهنين لاسرائيل وامريكا والاردن ومصر حيث
مصالحهم ومنافعهم.
أما الرئيس عرفات
الذي سمع من الوزير المصري ما لا يمكن قبوله،سمع تهديدا واضحا بتصفيته جسديا ان لم
يقبل بمشروع شارون المسمى مبادرة مصرية حتى 15 يونيو الجاري، وسوف ترفع عنه
الحماية الأمريكية والمصرية مما يعني ان اغتياله سيصبح مسألة وقت ليس أكثر. الأسوأ
في المبادرة المصرية أنها نفس المبادرة الشارونية ولا تختلف عنها بشيء يذكر. وفيها
من التدخل بالشأن الفلسطيني وممارسة الضغوطات عليه وعلى قيادته ما يجعل الإنسان
بحاجة للصراخ بأعلى صوته : كفاكم يا عرب ، كفاكي يا حكومة مصر فمن الحب ما قتل