أبو غريب ...ديكتاموقراطية  الجحيم

 

 

 

بقلم :جيهان جرار

 

من كان ليتخيل أن أبو غريب سيأتي عليه يوم يتصدر الصحف الأولى في أكثر عواصم العالم ادعاءا للديمقراطية، في صور تغتصب ذاكرة الكبير والصغير وتعصر القلب المثقل بالهموم، أبو غريب غرف وجداران إسمنتية تثقلها الذاكرة، وتدوي فيها الكثير من الصرخات الصامتة المهاجرة كأسراب الطيور من بغداد إلى جوانتانمو، وتضيع الكرامة الإنسانية التي تسيل دماءا على الجدرن، فمن تعذيب إلى لآخر ومن ديكتاتورية إلى أخرى تحترف تحريف الحروف لأغراض التسويق، وتحذف من الديكتاتورية بعض الحروف وتضيف أخرى، وتقدمها في قالب لماع، وورق لف أنيق جديد يخفي ديمقراطية نهمة، جوعى للذل والقهر والاحتلال، والنهب، والسلب، والقتل تدور كقطار الرصاصة في أحشاء العراق.

 

وكان أبو غريب محطة من أحد محطات التوقف المصورة لا أكثر، أبو غريب باسمه المتقاطع مع ما حصل فيه، لماذا سمي بهذا الاسم؟ من هو أبو غريب! طائر يحلق في الفضاء الضيق الأسود؟! أم فلاح في أحد القرى؟! شيخ جليل؟ كنية لحيوان بري؟ أم ضحية من آلاف ضحايا هذا السجن، أيا كان فقد حظي بشهرة لن يسهل على الذاكرة طمسها.

 

وقرر أبو غريب أن يهدي العالم بعضا من واقعه، وجاءتكم بعض الصور على طبق من ذهب، مباشرة من غرفة نوم جيش التحرير والتنوير، ليشاهد العالم على الملأ تفاصيل العلاقة الساخنة والحميمة التي تجمع "الوطن" العربي بجيش التحرير. ليكون من أحد محطات التوقف المصورة لا أكثر.

 

 شاهدنا جميعا عرضا مسرحيا مؤثرا، حنونا، لما تركته صور التعذيب من أثر هز جفن الابن مرسل جيش التحرير وأثار امتعاضه، فيما حركت الصور حاجب آخرين، وهزت ومطت شفتي البعض، وقلبت معدة ووسعت عينا، وفغرت فاه، وتسببت في حكة وهرش في بعض مناطق الجسم للبعض الآخر. ويبدو أن الدهشة تحتاج لعدة شهور حتى تظهر على وجوههم، علما أن هذه الصور تعود لحالات تعذيب تعرفها الإدارة الأمريكية منذ ديسمبر الماضي، وأشارت تقارير الصليب الأحمر الدولي لوجود حالات وفاة، وسوء معاملة للمحتجزين العراقيين في السجون، فعلى من؟، ولمن هذا العرض؟

 

من الغريب أن أجفان الابن لم تهتز لصورة وحالة معتقلي جوانتانمو! ولم يثير حالهم امتعاضه، فإذا كانت جوانتانمو لا تثير امتعاضه؟! فما الذي أذهله وجوقته الكبيرة في أبو غريب، هل أذهلهم ما شاهدوه بالصور؟ أم أذهلهم عرضها على الملأ.فمن الحري بهم واستنادا للمعايير والاتفاقيات الدولية التي ينادون بتطبيقها لكونهم شرطي العالم غير المنتخب، احترام إنسانية معتقلي جوانتانمو!وإذا كان الجنود الذين قاموا بالتعذيب في أبو غريب فئة قليلة، فإننا نجد أنفسنا عند الحديث عن جوانتانمو أمام أكبر سلة تفاح فاسد في العالم.

 

ملايين المتحدثين بلغة الضاد بكت عيونهم، وقرصت كرامتهم التي انتحرت أمامهم في صورة اغتصبت ذاكرتهم، ووضعتهم أمام الحقيقة التي يعرفونها ويودوا لو يدفنوها عميقا كبقايا سامة ممنوعة ليبلعها جوف الأرض.وكذب جيش بريطانيا العظمى صور التعذيب التي نشرت في صحفهم، ووصفوها بالمزيفة، واستنكرت الصور هنا وهنالك، ووصف السجانون الذين قاموا بالتعذيب بقلة من التفاح الفاسد في سلة تفاح مشهية وحرة ومناضلة يفتخر بها.

 

يا أصحاب مزارع التفاح، لماذا تلقون بتفاحكم الفاسد في سلتنا؟!، وغذائكم الفاسد في أمعائنا؟!، وسلاحكم الفاسد في أرضنا؟!، ولغتكم في أفواهنا؟!، لماذا أرسلتم ديمقراطيتكم ترقص كغانية غضة على موائدنا؟! لتغزو أحلامنا الليلية، وتدسم خيالنا في أحلام اليقظة.

 

إن كل هذا ينقلني لتقرير قرأته قبل فترة، تصف فيه والدة المجندة الأمريكية ابنتها ليندي انغلاند، التي ظهرت في بعض صور تعذيب المعتقلين العراقيين وهم عراة في أبو غريب، بالساذجة!، واسمحوا لي بالاقتباس عن والدتها هنا" إنها التحقت بالجيش الأمريكي كي ترى العالم، وتوفر المال للدراسة، إن ما فعلته لا يبرر معاقبتها لاسيما أن العراقيين ليسوا أكثر رأفة!، وأن ما فعلته غبي وطفولي!، وتتسائل والدتها هل ما يفعله العراقيين لرجالنا ونسائنا يتسم بالإنصاف؟ وهل تنطبق قواعد اتفاقية جنيف لحماية الأسرى على الجميع، أم أنها تنطبق علينا وحدنا"؟. يذكر أن ليندي الشقية، عرفت في قريتها بهوايتها وشغفها بقتل الوقت، بصيد طيور الرومي، والمشاغبة على سائقي السيارات العابرة، وعلمت من بعض الأصدقاء الذين قرأوا جزءا من  تلخيصات نصوص التحقيق مع الجنود المتهمين بالتعذيب، ومن ضمنهم ليندي، أن الشقية نقلت من العراق بعد حملها لتخدم في أحد القواعد الأمريكية المنتشرة هنا وهناك.

 

أذهلني تعليقات والدتها، وكنت كلما قرأت المزيد، تزداد عيناي اتسعا أكثر فأكثر، وغرقت تحت وابل من الأسئلة انهمرت علي بسرعة الصوت، وترددت، ودارت ودارت في رأسي" هل ما يفعله العراقيون لرجالنا ونسائنا يتسم بالإنصاف؟!، وهل تنطبق قواعد اتفاقية جنيف لحماية الأسرى على الجميع؟ أم أنها تنطبق علينا وحدنا"؟واستفز لسان حالي وثار وانتفض، تتطور المهارات لدى الجنود الراغبين بالسياحة ورؤية العالم، فمن صيد طيور الرومي في قريتها لصيد الرجال، ومن المشاغبة على سائقي السيارات العابرة، للتعذيب، وكل هذا لقتل الوقت، لتقتل معه الأدب والحياء، والكرامة الإنسانية.

 

ما يفعله العراقيون ليس أكثر رأفة!، يبدو أنه وللفوارق الثقافية نختلف على مصطلح "الرأفة" فهل موت أكثر من 1.000000 طفل عراقي في الحصار ضد العراق من الرأفة في شئ!، وهل استهداف المدنيين العراقيين من الرأفة في شئ؟، سيعترض ملجأ العامرية بشدة على رأفتكم التي ذاب فيها وتفحم.وسينضم العديد من الضحايا من هروشيما وناكازاكي، وفيتنام، وأفغانستان، إنتهاءا بالعراق، كلهم سيخرج في مظاهرة الرأفة فاتركوا الرأفة في سباتها وقبرها، ولا توقظوها، فملايين الأرواح زهقت، ودعست تحت أقدام رأفتكم.

 

ماذا يفعل رجالكم هناك؟ إذا كنتم لا تحبون ما يفعله العراقيون لكم، فاخرجوا من هناك، ويبدو أن الأمريكيين واصلوا عرض شريط هوليدي لطائرات أف16، و17 و18 و19 و20 ولهوليكبترات، ومركبات لم تنزل للسوق الاستعماري بعد، يركبها العراقي "العربي" وينتهي بها في المدارس، والعمارات والأماكن المأهولة في السكان في أمريكا.

 

فاتنا هذا الفلم الأمريكي الطويل، فهو حصريا، وحصريا فقط، يعرض في أمريكا، ويركب لكل سائح مسلح ذاهب للعراق، جهاز صغير يواصل عرض هذا الفلم أمام بؤبؤ عينه بالأبعاد الثلاثية، وسرب الأمريكيون نسخا من هذا الفلم للبريطانيين، والإسبان، وقوات التحالف والتكاثف والتغالب والـتآمر، وبخلوا علينا حتى بنسخة واحدة، بالرغم من كل الأنهار والآبار السوداء تحت أقدامنا.

 

تتحدثون عن اتفاقية جنيف الرابعة، وهل تنطبق قواعدها على الجميع أم عليكم وحدكم؟!، ألم تقرأوا يا أعزائي نعيها وتشموا عفونتها، من جراء حفظها وتعتيقها في أدارج الأمم المتحدة بتهوية سيئة، ألم تسمعوا نعيها في خطابات كوفي عنان؟ ،وخافير سولانا، والإتحاد الأوروبي، واتحاد المعاقين والمزارعين والإتحادات الطلابية، واتحادات العمال، وخطابات بوش الأب والابن، ومن سبقهم ومن سيليهم، ألم تقرأوا النعي في بيانات اللجان الرابعية، والثنائية، والخماسية، والأحادية..كيف لجان وأحادية؟ لا تجبروني على تفصيل هذه النقطة فقد أتهم بمعاداة السامية، تلك اللجان الخاصة بالقضية الفلسطينية، أكثر القضايا لطما للخدود يوميا منادية بها وبغيرها.

وإن كانت لا بد وستبعث من جديد، فنحن وكل البلدان المحتلة في القرن 21أولى بها، مما يترك فلسطين، وفلسطين، وفلسطين والعراق على رأس القائمة، فاتركوا لنا بعض الفتات، اتركونا نستمتع أننا على رأس قائمة ما، وإن كانت قائمة انتظار!.

 

 لماذا يرسل الجيش الأمريكي أطفاله السذج والسائحين إلينا؟!، هل هذا جيش التحرير الذي تنتظرون؟!آلاف من الجنود نزلوا في عواصمكم التحقوا بقواعد عسكرية تنهبكم، كي يروا العالم، ويوفروا بعض المال.

 

معلومة جديدة أضيفوها لقاموسكم وافرحوا، وارقصوا، فمع انضمام 10 دول جديدة للإتحاد الأوروبي، ننضم نحن عراة بأكياس على الرؤوس لإتحاد بلدان السياحة "الحارة".فرجاءا كونوا لطفاء وابتسموا حين يلتقطون معكم الصور التذكارية، فهم يعلمون أنهم في رحلة حول العالم، أما أنتم فغاب عن بالكم أنكم في بلدان تتعرى لتجتذب المزيد، وبما أنكم الآن تعلمون، أظهروا الوجه الحضاري إذن، ابتسموا، ونظفوا أسنانكم، والبسوا أفضل ما لديكم.. أو لا تلبسوا شيئا فآلاف السياح يتلهفون لالتقاط صورة العمر التذكارية معكم.

 

إن أهل قرية فورت شبلي في ولاية وست فرجينيا، لا يزالون يعتبرون ليندي مدعاة فخرهم، فصورة المجندة السائحة لا زالت ملصقة على لوحة الشرف أمام مقر مقاطعة فورت شبلي، سوية مع صور أبناء القرية الملتحقين بالجيش، تحت راية كتب عليها"نحن أبناء مقاطعة تشعر بالفخر"! فما رأيكم دام فضلكم؟! فورت شبلي تشعر بالفخر وأنتم بماذا تشعرون؟ سيصرخ الصمت بالكثير من الكلمات التي لن تتسع لها السطور.وما بين فخر قرية فورت شبلي، والمرارة في الحلق العربي الكثير من العراقيين القتلى، والجوعى، واليتامى، والأذلاء، والمقهورين، والغاضبين والمقتولين، والشهداء، والمعذبين، فقد نزل صيادوا الرومي بالآلاف في عواصمكم، رأيتم وسترون المزيد، مادمتم لا زلتم على استعداد للتفرج، وما دامت أرجلكم مخدرة ملقاة على الأرض أمام التلفاز، وما دامت أصابعكم مجمدة عن الكتابة، ومادامت ألسنتكم تعقدها الدهشة.

 

 يبرر الكثيرون ممن شاهدوا صور التعذيب في بلدان الحضارة والديمقراطية، سلوك الجنود في الصور ويدافعون عن أبنائهم المغاوير، ويرون عدم توجب تقديمهم للمحاكمة وتأنيبهم، يقولون أن المسلمون لا يراعون حقوق الإنسان، فلماذا نعاملهم بقواعد لا يطبقونها في حياتهم ولا يعرفونها؟!.يقولون أنهم إرهابيون، يضربون نسائهم، ويقسون عليهن، فيا نساء العرب افرحن وابتهجن فقد جاء الفرسان والفارسات البيض لتعذيب رجالكن عقابا لهم على ضربكن.

 

يتحدثون عن إرهاب إسلامي، إرهابيون مسلمون، تطرف، وتشدد، تبعثر وتلملم، إرهاب وقتل، ذبح وأصولية، يا ليت لغتي تسعفني بالمزيد من الكلمات المشدودة، والمتطرفة، والمثنية، والمضغوطة والمكبوتة، والسوداء والحمراء، أصبح كلكم خبيرا في الإسلام، والإسلام المتعصب والمتطرف، ومشيتم فرحين معكم من الجمل "أذنه" تحللون، تربطون، وتشرعون، ولم تكلفوا أنفسكم النظر في وجه الجمل، لمعرفة إذا كنتم حقا قضمتم أذن الجمل أم قضمتم أذنا أخرى.

 

يا من يصر على رؤيتنا من ثقب الباب، هل يمكن لنا تسمية ما شاهدناه في أبو غريب أن نسميه إرهاب صليبي؟! أم أمريكي؟ أم فركة أذن من غيورين على نساء العرب؟ سيل من المبررات المعلنة، وأنهار من المبررات المخفية، بالرغم من كون بعضهم لا يخجل بالإفصاح عن بعض الدوافع الحقيقية لاستخدام التعرية، عملا بنصيحة بعض الخبراء بالثقافة العربية، والذين يقولون أن التعرية تكسر "العربي"، وأغمضوا أعينهم عن حقيقة كونها إذلال لا يعرف لغة.. لونا عرقا أو جنسا، وأنها امتهان لكرامة الإنسان وانتهاك لحرمة جسده!، وعري "العربي" لدفعه على الاعتراف، وقد حصلوا على أعلى معدلات الاعتراف باستخدام هذه الطريقة.

 

 لكن المدافعين وفي الجزء غير المعلن من منافع التعرية بالإضافة لكونها تكسر العربي، لم يشيروا إلى كونها تشكل فرصة ذهبية للترفيه، وإمتاع الجنود، ورسم بسمة النصر على وجوه الأجيال الأمريكية الشابة التي تتوق أن ترجع للوطن مكللة بنياشين البطولة، وبنصر تفخر به العائلة والأصدقاء، وصندوق مليء بالصور التذكارية التي توثق هذا الانتصار للأمريكي الذكي أينما كان.فأجيالهم تتوارث الانتصار جيلا بعد جيل، ويحلم الشباب بانتصار منافس "لانتصارات" آبائهم وأجدادهم في فيتنام، وأفغانستان، وغيرها.

 

يتذرعون بعدم تدريب جنودهم على اتفاقية جنيف الرابعة!، لن يجدوا النص الذي يتحدث عن السادية، التعرية والاغتصاب، واستمتاع الجنود بأوضاع مشينة يوضع فيها السجناء، وإرسال الصور للأصدقاء، هل يحتاج احترام الكرامة الإنسانية إلى تدريب؟ وإن كانت التعرية تكسر العربي، فإنها أيضا في أبو غريب وغيره تكسر المعتاد على التسفع على شواطئ العراة.

 

إن جرأتكم وساديتكم، واستهتاركم تثيران الامتعاض، وخيالكم وتمتعكم بالإذلال يدوخانني، ولا يدهشانني بل يضعانني وجه لوجه، بدون قناع، بدون ورود، بدون ورقة توت، أمام ثقافتكم المتوارثة من فيتنام حتى العراق فأنتم تفخرون بها جيلا بعد جيل، ونحن نعرفها ونرفضها ونمقتها جيلا بعد جيل.

 

واستعد الشبان لحفلة الصيد، حضروا الكاميرات، عروا "العربي" ضحكوا وضحكوا وضحكوا، وانتشوا، استمتعوا، تخيلوا، أبدعوا، ففسقوا، تفننوا، صمموا الأوضاع، استحضروا كل ما حلموا به، شحذوا خيالهم، استشاروا بعضهم، تبادلوا الخبرات والتجارب، وأفاقوا مارد "فانتازياتهم" في التعرية والأوضاع المشينة، اصطفوا، ابتسموا، تصوروا!.

وسقط "العربي"، عري، ووضع الكيس في رأسه، جمع مع عرب آخرين، خفق القلب، تسارعت ضرباته، ارتجف الجسد المحافظ خجلا، ألف مليون فكرة دارت في رأسه في تلك اللحظات، فهذا الأب وهذا الأخ والصديق، والجار، وزميل الزنزانة، خلعت كرامته مع ملابسه، ووقف عار أمام خجله، سمع أصواتهم يضحكون، تراكم الغضب، حبس الذل أنفاسهم، وخانهم قدرهم، ودوت صرخة الكرامة المهدورة لتحتضن معتقلي أفغانستان وجوانتانمو، وغرقوا جميعا في صلوات لقرب الخلاص.