رفح تكتشف خارطة فلسطين والعرب من جديد

 

 

 

 بقلم :هادي سالم

 

 من استمع الى مداخلات الفلسطينيين عبر المحطات المحلية يدرك عمق الانسلاخ بينهم من جهة وبين الزعامات الفلسطينية من وزراء وتشريعي وقادة أجهزة أمنية وكذلك الزعماء العرب, ولا يمكن قراءة ما يحدث في رفح بمعزل عن الاستراتيجية الأمريكية فيما يتعلق بالمنطقة العربية وما يحدث في العراق على يد قوات الاحتلال الأمريكي, وتفاعل الأنظمة العربية مع هذه الاستراتيجية. وينطبق ذلك أيضا على قرار مجلس الأمن الدولي الذي أدان العمليات الإجرامية الإسرائيلية في رفح, وعدم استخدام واشنطن لحق النقض الفيتو, فعناقيد الغضب الجديدة, وقانا الجديدة التي ارتكبها جيش الإرهاب الصهيوني في رفح هي المحصلة الحقيقية لرغبات وموازين القوى السياسية العربية, ومصالح الدول الغربية, والمراقب للخطاب السياسي الأمريكي والعربي الرسمي (خاصة الأردني والمصري), إضافة إلى الغياب المشين لبعض القيادات الرسمية الفلسطينية التي لا تجيد الظهور إلا أمام الكاميرات أوفي مواسم الحصاد السياسي هي الأسباب الحقيقية لمجازر شارون في رفح والزيتون وغيرها.

فلسطينياً: أثار الموقف الرسمي الفلسطيني الغضب في كل الأوساط الفلسطينية الشعبية والحزبية, فالتشريعي غير موجود, والوزراء مشغولون بالزيارات خارج المناطق الفلسطينية المشتعلة, ويكتفون بالدعوة للتبرعات في العالم التي يعتقدون أنها ستحسن أوضاعهم المالية بالتأكيد, مع العلم أن ميزانية التشريعي والوزارات وملحقاتها!! تستطيع بناء رفح, وبعض الأجهزة الأمنية تقوم بسحب السلاح من عناصرها في رفح وتخزنه في أماكن آمنة. الضغط النفسي والمادي على الفلسطينيين في رفح بلغ الذروة, وتحاول تل أبيب ترحيلهم من المناطق الحدودية لمسافات قد تصل إلى عمق كيلومتر واحد من الحدود المصرية الفلسطينية, مما يعني تدمير أكثر من نصف رفح وتهجير نصف سكانها, وهذا الشيء أكده يوسي سريد عندما انتقد الخطة قائلا إنها تسعى لتدمير نصف منازل رفح. ولم يلاحظ الفلسطينيون أي خطة مضادة لدعم بقاء السكان في بيوتهم ضمن حسابات سياسية, بل والمفترض أن نملأ المنازل المهددة بالمواطنين. فتل أبيب لن تستطيع مطلقا أن تدمر المنازل على ساكنيها, حتى لو فعلت ذلك لمرة واحدة على سبيل الإرهاب فلن تكرره ثانية. هذا ما يجب أن يدركه سكان رفح, لا نريد مأساة 48 جديدة, ونعتقد أننا لو رفضنا الخروج من المنازل التي يريد العدو هدمها, وواصلنا التظاهرات الغير مسلحة لفك الطوق عن المناطق المحاصرة سنفشل مخططاته. فطريق الانتصار هو في مواصلة هذه التحديات, لأن العدو قد يلجأ الى ارتكاب جريمة بهدم منزل مزدحم كخطوة لإفشال عملية الصمود الفلسطيني وإجبارهم على الهروب, لكنه بالتأكيد لن يستطيع أن يفعلها في كل المنازل أو في كل التظاهرات, وعندها سنرى أن تقديم بضعة شهداء تحت أنقاض منزل مدمر سينقذ رفح بأكملها, بل ويقلل حجم الخسائر في الأرواح والممتلكات. وللمقارنة فقد استشهد أكثر من 60 شخصا في رفح خلال بضعة أيام, فلو أن هذا العدد قد استشهد أثناء هدم أحد المنازل أو في تظاهرة غير مسلحة فستكون له آثار مهمة لصالح الفلسطينيين محليا وعربيا ودوليا. والسؤال القديم الجديد بدأ يطرح من جديد حول ضرورة حل السلطة والتي ثبت عجزها, وتحميل الاحتلال كامل المسئولية بدلا من تركه يمارس كل أشكال الاحتلال بدون أدنى مسئولية أخلاقية أو اقتصادية أو أمنية(الاحتلال النظيف!).

الدول العربية: بمجموعها تعتبر أن السياسة والتوجهات الأمريكية هي البوصلة الحقيقية لتوجهاتهم, ولا يمكن على الإطلاق أن يخرجوا من دائرة المسموح أمريكيا, ويؤكد ذلك قول الملك الأردني "على الفلسطينيين أن يأخذوا أنفسهم في أيديهم, وليس لهم ما يتوقعونه من مساعدة من العالم العربي" وبرأ تل أبيب من جرائمها بإلقاء مسئولية ما يحدث على الفلسطينيين بسبب قيادة عرفات بقوله "انه يجب على الرئيس الفلسطيني عرفات أن يتطلع بنظرة طويلة إلى المرآة ليقرر ما إذا كان عليه أن يخلي مكانه للحؤول دون المساس بالمصالح الفلسطينية", حتى يخيل للمستمع أنه يعمل ناطقا باسم الإدارة الأمريكية لأن هذا المطلب هو ما ينادي به كل أقطاب الإدارة الأمريكية بدءا بالرئيس بوش, وباول ورايس. والقاهرة التي تترك غزة (عمقها الاستراتيجي) نهبا للجرائم الشارونية, بل وتقوم باعتقالات في صفوف الإخوان المسلمين حتى لا يتحرك الشارع المصري, إضافة الى قرار وزير التعليم العالي بفصل كل من يتظاهر دعما للفلسطينيين, يضع اكثر من علامة استفهام حول اتجاه الدور المصري في فلسطين, ومحاولة نزعها من عقول وقلوب الشعب المصري. فالواضح أن السياسة المصرية هي إدارة الظهر تجاه الفلسطينيين ما دام الإسرائيليون غير محتاجين لتدخلهم الآن, كما حدث في قصة الجثث, حتى ينهي المجرم شارون مهمته في رفح لتذهب القصة بأكملها أدراج النسيان, وسوف تدفع مصر ثمن هذا الخطأ الاستراتيجي من هيبتها الإقليمية وأمنها القومي أيضا, و ما يشجعها على ذلك التصرف هو الغياب العملي للشارع المصري وعدم إحراج قيادة مبارك من ناحية, والخوف من عصا الإصلاحات الأمريكية ومساعداتها المالية من ناحية أخرى, وتأمل القاهرة كذلك أن تمن عليها واشنطن وتل أبيب أن تكون ذا شأن ما في إدارة الأوضاع في غزة بعد خطوة شارون للاندحار. والقمة العربية التي تتهرب من الانعقاد في هذه الأوقات الصعبة كما حدث في مارس الماضي بعد اغتيال الشيخ ياسين حتى لا تضطر إلى التعاطف ولو نظريا مع العراقيين أو الفلسطينيين, والأخطر من ذلك هو تبنيهم للمخطط الصهيو أمريكي في فلسطين والذي يعتبر القيادة الفلسطينية هي السبب, وأن تغيير القيادة هو المقبول لديهم حتى يتم إعادة الحياة لمبادرات سيئة كخارطة الطريق, بل إن أحد مسئولي السلطة المطلعين على التفاصيل قد صرح في جلسات غير رسمية أن ما تقوم به تل أبيب يتم بمباركة من أطراف عربية لم يسمها, ونعتقد أن قرار مجلس الأمن الدولي بإدانة عمليات القتل الإسرائيلي في رفح سوف يمثل ورقة التوت التي سيحتمون بها لتنكرهم للشعب الفلسطيني! خلاصة السياسة العربية هي الآن السير بموازاة السياسة الأمريكية, وعدم إعطاء أي اعتبار للمجازر والحقوق الفلسطينية, وكذلك سلخ روح وقلوب شعوبها عن فلسطين, والموقف الأوروبي أفضل بكثير من مجموع الموقف العربي. إن الواجب الديني والوطني والقومي ملقىً الآن على عاتق الشارع العربي والإسلامي, والذي أصبح صوته باهتا للأسف. وفي اللحظات التي يتم فيها إبادة شعب بأكمله لا مكان للأعذار حول بطش الحاكم وجبروته, فبطش المغتصب العبري أكبر بكثير مما سيقوم به أي نظام عربي, وهذا الجبروت الصهيوني لم يمنع الفلسطينيين من مواصلة مقاومتهم في أصعب الظروف وقلة الإمكانيات وغياب المدد.

أمريكيا يعتقد الفلسطينيون أنه لا يوجد ما يكسبونه من السماح لرئيس الوزراء الفلسطيني أبو علاء بلقاء مع مستشارة الأمن القومي الأمريكي بل العكس لأنه استخدم لتحسين صورة أمريكا المتهاوية بعد الفضائح ورسالة الضمانات أو من قرار مجلس الأمن الدولي واعتبار ذلك تغييرا في السياسة الأمريكية ويرى المراقبون أنه يجب قراءة الأحداث جملة واحدة ليدرك الفلسطينيون أن كل جرائم شارون هي في الحقيقة جرائم أمريكية ولا يمكن أن نقف كثيرا أمام قرار مجلس الأمن الدولي بإدانة جرائم تل أبيب بامتناع واشنطن عن استخدام الفيتو فقد ترافقت جرائم تل أبيب في رفح مع مؤتمر المنظمات الصهيونية في أمريكا "ايباك" ومع جرائم وفضائح واشنطن في العراق والتي كان آخرها قتل أكثر من 50 شخصا في احتفال للزفاف في مدينة القائم فقد أكد بوش في خطابه في هذا المؤتمر أنه إسرائيليا أكثر من الإسرائيليين وصهيونيا أكثر من الصهاينة فقد قال " الدولتين الأمريكية و”الإسرائيلية” حديثتان نسبيا وخلقتا بالنضال وأسسهما مهاجرون جعلت “اسرائيل” والولايات المتحدة دولتين حليفتين بشكل طبيعي حسب قوله مضيفا ان تلك الصلات “لن تنكسر”و قال أيضا " ان تعزيز امن اسرائيل يقوي اميركا وأن الولايات المتحدة آمنة اكثر بوجود حليف مخلص مثل اسرائيل وان كون اسرائيل آمنة يعتبر مصلحة قومية اميركية وانكم في دفاعكم عن حرية وازدهار وسلامة اسرائيل، انما تخدمون اميركا"أما وزير الخارجية الأمريكي والمحسوب على المعتدلين فيبدي ضيقه تجاه الفلسطينيين بقوله: " يجب عليهم سحب السيطرة على الأجهزة الأمنية من عرفات, يجب على القادة الفلسطينيين والعرب أن يقولوا لعرفات إن سياسته فشلت في التقدم نحو الأهداف".بل ورفض باول اقتراحا لمسئول الخارجية في السلطة الفلسطينية لوقف اطلاق النار بقوله "هيا بنا نبادر إلى وقف إطلاق النار. لقد عهدنا مثل هذه الاتفاقات لوقف إطلاق النار، إن هذه الاتفاقات تصمد عدة أسابيع ولأنه لا يوجد في الجانب الفلسطيني جهاز أمني يفرض وقف إطلاق النار" وقد أتضح ذلك جليا بصورة أكبر خلال لقاء قريع مع رايس والذي طالبت فيه رايس الجانب الفلسطيني بالموافقة على شروط استسلامية وقد حذرت إدارة بوش ابو قريع من أن فشل تطبيق خطة شارون بسبب رفض تعاون الفلسطينيين مع الإسرائيليين أمنيًا سيؤدي إلى تجميد أي تحرك أمريكي - دولي لتنفيذ "خريطة الطريق"، إذ سيثبت المسئولون الفلسطينيون حينذاك أنهم "غير جاهزين وغير مهيأين" للعيش في "سلام" مع الدولة اليهودية, حسب التصور الأمريكي, وحتى لا نخدع فان عدم استخدام واشنطن حق النقض الفيتو كالعادة فلم يكن تغييرا في السياسة بل فرضتها أوضاع أمريكية صعبة أولها هو ما بات واضحا أن أمريكا فقدت أدنى مبررات وساطتها ولم يعد الحكام العرب والقيادة الفلسطينية قادرين على تسويق رعاية واشنطن للتسوية والأمر الثاني هو صورة أمريكا المجللة بالعار في العراق فأرادت بذلك رشوة العرب بتمرير هذه الادانة لتل أبيب وثالثا قناعة الأطراف الداخلية الأمريكية في ظل الحملة الانتخابية بفشل سياستها الخارجية وأيضا تدرك واشنطن أن هذا القرار لن يترتب عليه أي شيء عملي ضد إسرائيل.

ان ما تقوم به تل أبيب في رفح هو جزء من مشروع صهيوني تمارسه خطوة خطوة حتى تحشر الفلسطينيين في بقعة جغرافية صغيرة جدا لا يستطيعون الحياة فيها وكذلك لاعادة هيبة الجيش الاسرائلي المفقودة وكمحاولة أخرى لاحداث ما يسمى "لسعة في الوعي الفلسطيني" حسب نظرية رئيس الأركان موشى يعلون وقد ركز الصهاينة في رفح على العامل النفسي كثيرا ابتداء بحجم الدمار الهائل وحجم الخسائر البشرية الكبيرة وضرب المتظاهرين بالصواريخ واستهداف مئات المنازل للهدم في حيي البرازيل ويبنا وهذا يفرض على الفلسطينيين مواجهة ذلك عبر خطة علمية وعملية لإجهاض المخطط الصهيوني عن طريق تشكيل دروع بشرية في المنازل المستهدفة لمنعه من مواصلة الهدم وربما يرتكب جريمة واحدة في منزل لإجبار الفلسطينيين على الفرار لكنه لن يستطيع تكرار ذلك إذا أصر الفلسطينيون على البقاء وجعل عملية هدم كل منزل معركة كبيرة تؤدى إلى فضائح دولية لإسرائيل خاصة أن العالم يرفض سياسة هدم المنازل وكذلك ان يضع الفلسطينيون الخطط لاختراق كل عملية حصار للمدن والقرى الفلسطينية عبر المظاهرات الضخمة التي يسير في مقدمتها مصابي الانتفاضة ومن المفيد أن تبدأ هذه الخطوة باتجاه الحواجز التي تقسم القطاع وتتدحرج هذه الخطوات مستقبلا باتجاه بعض المستوطنات وباعتقادنا أن التخطيط لمثل هذه العمليات سوف يسحب المبادرة من الصهاينة ويجبرهم على طلب المساعدة من بعض العرب والسلطة .