العراق: آلاف الأطفال صاروا من جامعي القمامة.. ويواجهون خطر المتفجرات
بغداد - خدمة
قدس برس
مع كل صباح ينتشر في
الشوارع العامة والأزقة العراقية عدة آلاف من الأطفال والشباب، الذين يعملون في
مهنة تنظيف الشوارع، بعد أن توزعهم سيارات كبيرة ومتوسطة.. يحمل بعضهم مكانس من
سعف النخيل، أو أكياسا كبيرة، أو يدفعون عربات صغيرة، ويلتقطون بأيديهم ما يرونه
مناسبا من بين أكوام النفايات، وبقايا البلاستك والألمنيوم والقناني الزجاجية
السليمة، وأطباق البيض الكرتونية، وغيرها.
ومنذ الاحتلال
الأمريكي للعراق أصبحت هذه مهنة لآلاف الفتيان والأطفال في العراق، سواء بالعمل مع
مقاولين محليين، أو بالعمل مع المؤسسات البلدية، بعد أن أمرت القوات الأمريكية
بتوفير فرص عمل للعاطلين، إذ لم تكن هناك مهنة تستوعبهم، فوجهوا لجمع النفايات
وكنس الشوارع، بعد أن تم تعيين أكثر من 100 ألف من الفتيان في هذه المهنة
الاضطرارية، التي تمدهم برزق يومي، ربما لا يتجاوز ثلاثة آلاف دينار عراقي، أي ما
يعادل دولارا ونصف، بحسب سعر الصرف السائد في العراق.
وتنتظر معامل وورش
البلاستك والألمنيوم وتجار الكارتون والزجاج ما يجمعه هؤلاء الأطفال من المفيد من
النفايات، أو ما تجمعه شاحنات جمع القمامة من بين أيديهم. وليس من الغريب أن تسمع
أن نفايات محلات الصياغة، التي تحتوي على قليل من تراب الذهب، صارت هي الأخرى من
ضمن المواد، التي يبحث عنها هؤلاء، لكنها ليست مجانية، مثل بقية ما يجمع، بل يتفق
على مبلغ معين بين الطرفين، وتذهب تلك النفايات إلى مجاميع متخصصة بتصفيتها.
وتلعب الظروف
القاسية، التي خلفها الاحتلال الأمريكي، وفصل عشرات آلاف الموظفين من وظائفهم،
وانتشار البطالة، دورا في انتشار عمالة الأطفال في مناشط بسيطة. وقد تأثرت المعامل
والمصانع والورش، وبالذات التابعة للقطاع الخاص من الأوضاع المستجدة، حيث افتقدت
المواد الأولية اللازمة لاستمرار عملها، كحبيبات البلاستك والألمنيوم النقي،
فتوقفت نسبة كبيرة منها.
ولكن أذهان بعضهم
تفتقت عن فكرة استخدام المواد المستعملة، وإعادة تصنيعها، لتصبح سلعا وأدوات منزلية
ودمى وزهور ونعال وأحذية خفيفة ومنافض سجائر وكرات للعب وقدورا وملاعق وغير ذلك،
أو مجامع من القمامة تحرقها البلدية يوميا وتعوض جامعيها برواتب تدفعهم لترك
الدراسة واختيار العمل بدلا منها.
ويقول سلام أحمد (15
عاما) "بعد الحرب أصبح وضعنا المعيشي صعبا جدا، فأنا لدي خمسة أخوات، ووالدي
متوفى، وأمي مريضة، ولا بد أن أعمل لأساعد عائلتي، ولأني لا أعرف أي مهنة، التجأت
إلى المجلس البلدي في منطقة سكناي، فعرضوا علي وظيفة كناس شوارع، فوافقت، من أجل
أن أحصل على المال لتستمر عائلتي في البقاء".
أما زميله جمال فرحان
(16 عاما) فيقول "فصل والدي من الوظيفة، وأخذ يبيع البنزين في الشارع، وأنا
أساعده بالعمل في جمع النفايات، لأكسب المال.. اخترت أن أعمل مع مقاول وليس مع
البلدية، ومقدار راتبي على قدر ما أجمعه من نفايات مفيدة، تستخدم في الصناعات
الشعبية، وغالبا ما تكون من بقايا البلاستيك، الذي أعثر عليه في جولتي اليومية".
ويضيف بتأثر "لم
أكن أتصور أنه بعد سقوط النظام ومجيء الأمريكان سأعمل كناسا، ولكن هذا ما حصل.. لقد
تركت المدرسة وبدأت العمل".
إلا أن خالد حسين (17
عاما) يروي لنا قصة مؤلمة عما حدث له خلال العمل، إذ يقول "كنا نكنس الشوارع
والأرصفة، ونحن نحذر عادة من وجود عبوات ناسفة تستهدف الدوريات الأمريكية، التي
تمر في الطريق، وكثيرا ما تحدث مثل هذه الانفجارات، وقبل أيام انفجر ت عبوة ناسفة
أحرقت عربة أمريكية، فهربنا من المكان مذعورين، فما كان من الجنود الأمريكان إلا
أن قاموا برمي الرصاص في كل اتجاه، وظنوا أننا من المقاومة، وأصابت إحدى الرصاصات
صديقي كريم فقتلته".
أما بالنسبة للسلطات
الصحية ووسائل الإعلام فإنها تروج لحملات جمع النفايات، التي ملأت الأحياء السكنية
والطرقات، بعد الحرب، وأصبحت ظاهرة يقدمها المسؤولون على أنها من المنجزات، التي
يقومون بها، وإن كان ضحاياها هم الأطفال، الذين تركوا مدارسهم، وودعوا أحلامهم،
ليصبحوا كناسي شوارع وجامعي قمامة، على عكس ما كان يقول الأمريكيون، من أنهم جاؤوا
إلى العراق لصناعة مستقبل جديد.
وعلى الرغم من اعتراض
بعض الأحزاب والمنظمات الإنسانية على ما يلحق بالأطفال، نتيجة هذه المهنة، لكن
عمليا لا يمكن إيقاف تلك المجاميع الكبيرة من الصبية، التي تنتشر على امتداد مساحة
بغداد والمحافظات، عن مزاولة هذه المهنة، التي صارت مورد رزق لهم ولعوائلهم، بل
راح بعضهم يدافع عن عمله هذا بالقول إنهم يوفرون مواد أولية ضرورية، ويخدمون
مواطنيهم بشكل مباشر.