فلنبشر الجماهير بالديمقراطية الامريكية!
بقلم
:د. عبدالوهاب الافندي
اصابنا
الكثير من القلق من ان يفشل المشروع الامريكي لفرض الديمقراطية علي العرب عبر
السيف، وذلك لأسباب عدة، منها ما عهد عن امريكا من عدم جدية في هذا الخصوص وفشل
خططها السابقة في اماكن اخري، ومناسبة الأوضاع العربية الحالية لمخططاتها.
ولكن
زعماءنا الميامين، انعم الله عليهم بتقاعد سريع ومريح وطويل جدا، طمأنونا وازالوا
كل قلق. فقد سارع كبارهم الي عقد قمة دعوا فيها نزال ضد المخططات الاجنبية ورفضوا
الاصلاحات المفروضة من الخارج واعلنوا تصميمهم علي مقاومتها، وكان هذا في حد ذاته
طمأنة كافية علي ان المشاريع الامريكية ستنجح ويتم تنفيذها في وقت قياسي. ذلك انه
لم يوجد مخطط واحد تصدي له الزعماء العرب واعلنوا مقاومته الا وكان نجاح ذلك
المخطط مؤكداً وتاماً وسريعاً.
فقد اعلن
العرب مقاومتهم لانشاء دولة اسرائيل، ورفضوا الاعتراف بها. وها هم اليوم لا
يعترفون بها فقط، بل ويعترفون بانها أقوي من العرب مجتمعين، ويتعبدون في محراب
زعمائها صباح مساء. وقد رفض العرب الاحلاف والقواعد الامريكية، وهم يتسابقون علي
ابتناء القواعد ويتحاسدون حين تصطفي امريكا الحليف منهم وتهمل آخرين. وقد اعلنت
القمة العربية رفضها لغزو العراق، واعلن العرب وقوفهم صفاً واحداً ضد الغزو. ولكن
ها هو العراق اليوم يعج بعشرات الآلاف من الجنود الاجانب الذين هبطوا عليه بدون شك
من السماء مباشرة بعد ان رفض العرب، اسوة بجيران العراق غير العرب، السماح لقوات
الغزو الوصول اليه عبر اراضيهم!
وبنفس
القدر فان المخططات التي تداعي العرب لتفنيدها، بدءا من الوحدة وتحرير فلسطين
وتحقيق التنمية، باءت كلها بفشل ذريع. وهذا يقودنا الي استنتاج واحد، هو ان اعلان
الجهاد العربي ضد مخططات امريكا سينتهي بنجاح سريع وساحق لهذه المخططات وبهذا نزف
البشري والتهاني الي المواطنين العرب بان الديمقراطية قادمة لا محالة.
واذا لم
يكن هذا التطمين كافيا، فان ما شهدناه وسمعناه خلال اليومين السابقين من انصياع
عربي، هذه المرة في ليبيا، للتعليمات السامية من واشنطن ولندن يمثل تطمينا اضافيا
الي ان عين الابطال الذين يتصدون اليوم للمخططات الاجنبية سيكونون في صدارة
المنفذين المتحمسين لها.
امريكا لم
تقبل من ليبيا تحمل المسؤولية عن احداث لوكربي راغمة ودفع التعويضات واعلان التوبة
من كل ارهاب، بل ارادت كذلك ان يكون هذا القول والخضوع والتوبة ايمانا وقر في
القلب وصدقه اللسان والعمل. ففي عصر الهيمنة الجديد الخضوع بالفعل فقط لا يكفي، بل
لا بد من استبطان هذا الخضوع والايمان بأنه مقتضي الحق وغاية الحرية واقناع النفس
به قبل الآخرين.
وهذا يعني
ان الزعماء العرب الذين راهنوا علي الخضوع الظاهري والجزئي سيكتشفون ان هذا لن يكفي.
لن يكفي فقط ترديد شعارات امريكا في الاصلاح والديمقراطية، مع الحديث عن خصوصية
عربية. ولن يكفي اطلاق المبادرات الانصرافية عبر الجامعة العربية وهي اساسا غير
مخولة مناقشة الشؤون الداخلية للدول الاعضاء ولن يكفي التذرع بخطر تطرف اسلامي
مزعوم وارهاب ينتج عنه، لان هذه هي تحديدا المخاطر التي تأمل امريكا ان تدفعها
بالديمقراطية.
وهكذا يمكن
ان نتوقع قريبا ان نسمع نفس الزعماء الذين يحتجون علي مطالب بوش الديمقراطية (بحجة
معقولة، وهي ان تنفيذ هذه المطالب عملية انتحارية للحكام) يرتلون مقولاته في خشوع،
وينفذون المطلوب بحرفية واجتهاد وحماس استشهادي ، فكل شيء يهون في سبيل ارضاء
الزعيم المحترم المحبوب.
وهكذا فان
الديمقراطية الامريكية قادمة لا محالة كالقدر المقدور. المصيبة هي ان نفاجأ بعودة
زعمائنا الميامين بحلة ديمقراطية، كما شهدنا الشيوعيين والثوريين السابقين وهم
يتبركون بخدمة الامبريالية، والاسلاميين يعانقون الكفر، والاشتراكيين يقودون
المؤسسات الرأسمالية، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.