تغيير المناهج التعليمية العربية.. بين الاضاليل الإسرائيلية والضغوطات
الخارجية المشبوهة
بقلم
:د.غازي حسين
كشف
الدكتور اسحق الفرحان، وزير التربية والتعليم الأردني الأسبق، والخبير في شؤون
التربية والتعليم، أنه حينما كان في منصبه في السبعينيات من القرن العشرين، تلقى
كتاباً من اليونسكو يطالب بإدخال تعديلات على بعض المناهج التعليمية التي تثير
الكراهية ضد تصرفات اليهود. وقال الفرحان في حديث الى «قدس برس» أنه شكّل فريق عمل
بعد تلقيه الكتاب استعرض عدداً من المناهج التعليمية في «إسرائيل» خصوصاً في كتب
الاجتماعيات واللغة العبرية، فوجد أنهم يدرِّسون طلابهم «أن حدود «إسرائيل» من
النيل الى الفرات، وأن نهر الأردن يفصل أرض «إسرائيل» الشرقية عن ارض «إسرائيل» الغربية
(أي أن المملكة الأردنية جزء لا يتجزأ من «إسرائيل»)، وأن من مدن «إسرائيل» عمان
وجرش»(1).
وأضاف
الدكتور الفرحان هذه المعلومات بالذات كانت تدرَّس في كتاب الاجتماعيات للصف
السادس في المدارس الإسرائيلية، وأن مؤلفه شخص يدعى يعقوب بابوريش.
وأكد
الفرحان، الذي يرأس حالياً جامعة الزرقاء الأهلية في الأردن أنه بعد الاطلاع على
برامج التعليم الإسرائيلية أجاب منظمة اليونسكو في تقرير من عشر صفحات يقول فيه «اجعلوا
«إسرائيل» تغير ما في مناهجها واكتبوا لنا بعد ذلك لعلنّا نعيد النظر»، وشدّد على
أنه رفض هذا الطلب.
واليوم
تطالب «إسرائيل» والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من بعض الدول العربية تغيير
المناهج الدراسية فيها وبشكل خاص كتب التاريخ والجغرافيا والتربية الدينية
والوطنية وكل ما يتعلق بفلسطين و«إسرائيل» واليهود والصراع العربي الإسرائيلي.
فما هي
حقيقة المناهج الدراسية التي تحدّث عنها الدكتور الفرحان؟
تستغل
الصهيونية العالمية والكيان الصهيوني الإدارة الإميركية لإجبار بعض النظم السياسية
على تغيير معتقدات وثقافات الشعوب والأمم العربية والإسلامية لخدمة المشروع الصهيوني
في الوطن العربي. ولم تكتف الإدارة الأميركية بتأييد المطلب الصهيوني، بل تؤيّد
أيضاً ثقافة الإرهاب والإبادة والعنصرية والاستيطان التي تغرسها الصهيونية في نفوس
الأطفال والشارع الإسرائيلي والجاليات اليهودية في العالم، وتغض النظر عن كراهية
العرب والعنصرية وتقديس الإرهاب في المناهج الدراسية في «إسرائيل».
واستغلت «إسرائيل»
والصهيونية أحداث(11)أيلول للمطالبة بتغيير مناهج التعليم في الدول العربية
والإسلامية وحتى تغيير كتب التربية الدينية وحذف بعض الآيات والأحاديث النبوية
منها. وتسكت الإدارة الأميركية على غرس الحقد والكراهية والازدراء للعرب والمسلمين
في حدائق الأطفال والمدارس والجامعات الإسرائيلية، وفي نتاج الأدب العبري في قصص
الأطفال والروايات وقصائد الشعر وأفلام هوليوود وفي مراكز الدراسات ومعاهد
الاستشراق في «إسرائيل» وفي الولايات المتحدة الأميركية.
تتفنن «إسرائيل»
والصهيونية في بث الإيمان بالتفوق والاستعلاء وكراهية العرب والمسلمين والتطاول
على الإسلام في نفوس الأطفال من خلال القصص والأغاني والأشعار منذ نعومة أظفارهم.
فتصف قصص
الأطفال «العربي» بالكذب والخبث والغباء والتخلف على عكس اليهودي الأذكى عقلياً
والأقوى جسدياً. وتركّز على وصف العرب بالإرهابيين وبأنهم قتلة وحيوانات مفترسة،
بينما تصف اليهودي بالشجاعة والتفوق والجرأة. وتغرس فيهم الأفكار والمفاهيم
العنصرية في قالب ديني عاطفي جذاب لرفع الأساطير والخرافات والأكاذيب والأطماع
الصهيونية الى مرتبة القداسة الدينية.
ويقوم
الأدب العبري على تثبيت الوعي عند الأطفال والكبار بأن فلسطين العربية هي وطنهم،
وانها إرث لهم من قديم الزمان، وهي أرضهم الدينية والتاريخية.
وتُبرز
القصص أهمية تسخير الكذب والحيل والخداع والمراوغة كي يصل الصهيوني الى أهدافه. وتظهر
في الوقت نفسه أن وجه العربي مخيف، وأحدب ذو عاهة وشكله مثير للضحك وسخيف والقمل
يعشش في رأسه. فأدب الأطفال يشوّه صورة الإنسان العربي والمسلم لزرع الحقد
والكراهية تجاهه وحثهم على الاستهتار بالعرب وبحقوقهم وحياتهم وثرواتهم.
وتلعب
الكتب الدراسية في «إسرائيل» دوراً أساسياً في تعميق ثقافة الصراع مع العرب وتقديس
ممارسة الإرهاب والإبادة والاستعمار الاستيطاني والتدمير تجاههم. وتسخّر «إسرائيل»
الكتب الدراسية للتأكيد على أهمية استخدام القوة ضد كل من يقف في وجهها من الشعوب
والأمم وبشكل خاص العرب والمسلمين، لأن العرب لا يفهمون إلا لغة القوة.
وتركّز
المناهج التعليمية على سفر يشوع الذي يزخر بالقتل والإبادة للكنعانيين، والفخر
والاعتزاز بحرق يشوع مدينة أريحا بمن فيها من الأحياء حتى الحمير تماماً كما تفعل «إسرائيل»
حالياً في الضفة الغربية وقطاع غزة.
«ويعدّ سفر
يشوع مصدر الإرهاب الصهيوني وأول مدرسة للأفكار الإرهابية في التاريخ البشري،
ويشكِّل الشخصية الصهيونية المعاصرة القائمة على الإيمان بالاستعلاء والإرهاب
والعنصرية»(2).
ويؤرخ هذا
السفر لحياة يشوع والحروب التي خاضها بنو «إسرائيل» ضد خصومهم والمذابح الجماعية
التي ارتكبوها. ويزعم يشوع فيه أن «الرب» هو الذي أمره أن يقوم بتلك المذابح
وباركها.
وكان يشوع
محارباً يتلذذ بمنظر أعدائه وهم يذبحون، وبطون نسائهم تُبقر، وأطفالهم تُذبح،
ومساكنهم تدمر ومحاصيلهم تحرق.
وهكذا كوّن
ويكوّن سفر يشوع العقلية والشخصية الصهيونية المعاصرة، حيث ينشأ عليه الأطفال،
ويدرسه طلبة المدارس. ويتعلمون الافتخار والاعتزاز والإعجاب بفتوحاته. ويطالب
الحاخامات وقادة الفكر والأحزاب الصهيونية بالاقتداء به في تعاملهم مع العرب بشكل
خاص وبقية غير اليهود بشكل عام.
ويتغلغل
الإرهاب في الأدب الصهيوني ويتجلى بوضوح في الرواية الصهيونية المشهورة «اكسدوس» الخروج
لكاتبها ليون اوريس حيث يقول بطل الرواية «إن التدريب العسكري إجباري في «إسرائيل»
للذكور والإناث، إنهم يتعلمون منذ الصغر كيف يستعملون السلاح»(3). ويقول بطل
الرواية في مكان آخر: «لقد خلقنا جيلاً من الطرزانات ليدافعوا عن «إسرائيل». إننا
لا نستطيع أن نعطيكم غير حياة من الدماء». ويتحدث عن رفض الجيل الجديد للوصايا
العشر وما تتضمنه من دعوة الى السلام.
وتبين
دراسة أجراها أحد أساتذة علم الاجتماع في «إسرائيل» على طلاب المدارس الابتدائية «أن
60% من بين (1066)طالباً الذين قابلهم وتتراوح أعمارهم ما بين 914سنة أيدوا
الإفناء (الإبادة) الكلي للمواطنين العرب في «إسرائيل»، في حالة صراع مسلح مع
الدول العربية»(4). ويعود السبب في هذه النتيجة الى التربية التي يتلقاها التلاميذ
في المدارس الإسرائيلية، وبالتالي تعود الى المناهج الدراسية المغرقة بالإرهاب
والعنصرية وكراهية العرب واحتقارهم.
وتضع وزارة
التربية والتعليم الإسرائيلية البرامج التي تنمي في نفوس الطلبة الروح العسكرية
والاستعلاء وتزيد من معلوماتهم العسكرية وتضعهم في أجواء تهيئهم نفسياً لارتكاب
الإرهاب والتمييز العنصري وخوض الحروب العدوانية والتوسعية تجاه البلدان العربية.
وأكدت «جيروزاليم
بوست» الإسرائيلية دور وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية في حقن الطلبة بالروح
العسكرية والفاشية وكتبت تقول:
«إن ثلاثة
آلاف من الطلبة في المدارس الثانوية في «إسرائيل» قد انضموا الى حلقات لدراسة
تاريخ حرب 1948، تحت إشراف قسم التربية الاجتماعية في وزارة التربية والتعليم. ويلتقي
هؤلاء الطلبة في هذه الحلقات بعد ساعات الدراسة العادية، حيث ينقسمون الى مجموعات
حسب مناطق السكن. ويقوم القادة العسكريون السابقون للمناطق (في أثناء حرب 1948)،
كل حسب منطقة إقامته، بشرح تفاصيل المعارك التي دارت في المنطقة. ثم يطّلعون على
بعض الوثائق المتعلقة بالحرب، ويقومون بجولات الى أماكن المعارك»(5).
لقد عاش
ويعيش الجيل الجديد في «إسرائيل» حياته في أجواء تعطي الحرب والقيم العسكرية
والإرهاب والاستعمار الاستيطاني المكان الأول. ويكون العربي هو العدو اللدود
والخصم الذي يجب الانتصار عليه وسحقه وتدمير منجزاته وإقامة المستعمرات اليهودية
على أراضيه. ويصوّر إي بيرنز الجيل الجديد بقوله:
«يحاول أن
يربط نفسه بالماضي البدائي السحيق ماداً يديه ليصل الى العبرانيين المحاربين في
بيتار وماسادة والقدس، الى رجال القبائل الذين أخضعوا وأهلكوا السكان الأصليين في
أرض كنعان. إن الشباب اليهودي يريد أن يكون أكثر شجاعة وأشد قسوة وعنفاً».
وتنتهج «إسرائيل»
والحركة الصهيونية خطاً استراتيجياً ثابتاً في علاقاتها مع الدول العربية يستند
الى استخدام القوة والإرهاب والحروب والاعتداءات المستمرة لكسر الإرادات العربية
وفرض المخططات الصهيونية.
وتعمل
المدارس الإسرائيلية على إبعاد التلاميذ عما تسميه «إسرائيل» بثقافة السلام، وذلك
بتنشئتهم على الروح العسكرية وإعدادهم ليصبحوا مقاتلين للإحساس بالتفوق ولقتل
العرب.
ويستغل
الحاخامات وقادة الأحزاب الإسرائيلية الأعياد لغرس الكراهية والعداء تجاه العرب،
وينظمون الرحلات لأطفالهم الى مواقع المعارك ولمشاهدة تمارين عسكرية في المعسكرات.
وتخصص المدارس الدينية 272 ساعة سنوياً للتدريب العسكري.
وتسيطر
وزارة الأديان على شبكة من المدارس تمثل ثلث الطلبة الإسرائيليين. ويتمتع
الحاخامات بصلاحيات واسعة في مجال التعليم لحقن الطلبة بالتعاليم التي رسّخها كتبة
التوراة والتلمود، وبالروح العسكرية و«إسرائيل» من النيل الى الفرات.
وترفع بعض
المدارس الدينية شعار: الكتاب والسيف أنزلا من السماء، ما دفع أحد الكتّاب
الصهاينة الى القول: «إن ما يحدث في هذه المدارس هو عملية غسيل دماغ دينية»(6).
ويصف أحد
الحاخامات تلاميذ المدارس الدينية العسكرية بأنهم «جنود نظاميون لا يميزهم سوى
أنهم يضعون على رؤوسهم طاقية ويرتدون الملابس الدينية، وأن كل تلميذ، جندي جيد»(7).
ويدير ضباط
من المخابرات الإسرائيلية مراكز الدراسات وأبحاث الاستشراق، حيث يتولى ضابط كبير
من المخابرات توجيه دراسات المستشرقين، كما يعمل عدد كبير من ضباط الجيش فيها بعد
تقاعدهم.وبالتالي فإن «إسرائيل» ثكنة عسكرية كبيرة من المهد الى اللحد لإقامة «إسرائيل
العظمى» من النيل الى الفرات.
وتقوم «إسرائيل»
بدعم وتأييد كاملين من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بإجبار السلطة
الفلسطينية والعديد من النظم العربية على تغيير المناهج الدراسية بما يتلاءم مع
مصالح «إسرائيل» في المنطقة.
وهنا أطرح
السؤال التالي: من الذي يجب عليه أن يغيّر مناهجه الدراسية لتتماشى مع ثقافة
السلام ومع مبادئ الحق والعدل والإنصاف والقيم الإنسانية والحضارية، ومع الثقافة
التي عززتها العهود والمواثيق الدولية؟
إنها «إسرائيل»
والصهيونية التي تزرع في عقول الأطفال وجميع الأوساط الإسرائيلية ثقافة الصراع
والحروب والاستعلاء والإرهاب والإبادة والعنصرية والاستعمار الاستيطاني.
وتسمم
الثقافة الصهيونية عقول ونفوس وأفكار اليهود الذين يعتنقونها، ما يعرض الأمن
والازدهار والاستقرار والسلام الإقليمي والعالمي لأفدح الأخطار.
-----------------
المصادر:
1 المجد الأردنية 28/1/2004.
2 المصدر السابق نفسه.
3 العماد مصطفى طلاس، آفاق
الاستراتيجية الصهيونية، دار طلاس دمشق، طبعة ثانية 1987، ص106.
4 المصدر السابق ص109.
5 جيروزاليم بوست الإسرائيلية في 29/12/1966.
6 مجلة آخر ساعة المصرية في 28/2/2003.
7 المصدر السابق نفسه.
نقلا عن تشرين