حديث في دعوة (البشري) للعصيان

شرعنة الشخصنة تساوي فرعنة

 

 

 

بقلم :هشام الناصر

Alnasser_Hesham@yahoo.com

 

رمضان كريم – أعاده الله عز وجل علي أمة الإسلام بخير وسلام

 

كانت النية أن يكون هذا الشهر الكريم اعتكافا للتعبد والتهجد والبعد عن كل ما يكدر وينكد، ولكن صيحة أو قل صرخة أستاذنا الكريم (طارق البشري)(1)، الداعية إلي العصيان التام ضد النظام ردا علي (شخصنة) الحكام، كانت الباعث والحاث لهذا المقال.

 

والشخصنة مصطلح جديد جاء به البشري متفردا، من شخص أي فرد بمعني الفردية، ومن ثم أباح لنا وأتاح استخدام مصطلح شرعنة من الشرعية علي وزن فرعنة من الفرعونية، وليغفر لنا المجمع اللغوي مصطلحاتنا، فلا محظور ولا مباح في زمن السداح مداح.

 

هذه الدعوة صادره من شخصية ذات قيمة فكرية عالية عُرف عنها زهد المناصب أو جني المكاسب، إضافة لخبرة سابقة (بالدولاب الحكومي) ومن ثم فهو الأقدر علي سبر الأغوار وكشف الأسرار، واستقراء القادم الآتي من الواقع الآني.

 

***********************

 

قبل أن نبدأ .. فوز الجمهوريين، (بوش وزمرته) (!!)

 

أُعلنت مساء الأربعاء نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية بفوز الجمهوريين الديموقراطيين، ومن ثم يتوج (بوش) رئيسا للإمبراطورية الأمريكية لولاية ثانية مدتها أربع سنوات ليستكمل فيهم ما بدأه من فوضي بالعالم الإسلامي، بل ويمتد هذا النصر الساحق الماحق ليشمل غالبية مقاعد مجلس النواب والشيوخ - وهذا الفوز له دلالات وعلامات نذكرها بإيجاز فيما هو آت:

 

1 - تأكيد قناعة الشعب الأمريكي بنظرية (هنتنجتون)، عن صراع الحضارات، القاضية بحتمية صدام الإمبراطورية الغربية المسيحية مع تحالف كونفوشي إسلامي.

 

2 – تأكيد زيف دعوى (العلمانية) الغربية التي تُبعد الدين عن السياسة، والتي يحاول الغرب جاهدا نشرها وتعميمها بين البلدان الإسلامية، ففوز الجمهوريين هو إعلاء للتعصب المسيحي الذي تبنته الإدارة السابقة وجاهرت به في أكثر من مناسبة بما يعرف بمصطلح الحرب الصليبية (Crusade).

 

3 – ترسيخ أكذوبة أن لا دين سماوي سوي اليهودية والمسيحية، أما الإسلام فيستوي مع الهندوسية والكونفوشية وباقي الديانات الدنيوية (!!)، فتلك هي السمة الأساسية الرئيسية لمعتقدات الجمهوريين المسيحيين المحافظين (!!)، وهم لا يخفوها ولا يجملوها بل صراحة يعلنوها مع تأكيد صريح بدون تلميح بعداء (طبيعي) للشعوب العربية والإسلامية، فنحن (في نظرهم وثقافتهم) مجرد قوم همج بذيول وهم أصحاب الحضارة أرباب العقول.

 

ومن الواضح أن نجاح الجمهوريين في السيطرة علي كافة مراكز القرار بالولايات المتحدة الأمريكية (الرئاسة – الكونجرس – الشيوخ) سيعطي الإدارة الحاكمة (الكارت بلانش) لتنفيذ كافة المخططات (السابق إعدادها) والخاصة بمنطقة الشرق الأوسط.

 

ومن الملاحظات الطريفة هو انخفاض سعر البترول تحت حاجز الخمسين دولار بعد ظهور إشارات وعلامات تقدم كيري، ثم ما لبس هذا الانخفاض أن تواري أمام إشارات جديدة بتقدم بوش ليرتفع فوق حاجز الخمسين، أي أن البورصة العالمية ذاتها تقر بأن السيد بوش سيولعها.

 

والحمد لله علي هذه النتيجة (!!)، نعم الحمد لله ،  فهزيمة الجمهوريين كانت ستؤدي إلي انغماسنا في وهم خادع وأكذوبة جديدة آملين حالمين أن (يمن ويحن) علينا الديموقراطيون بشيء لله بمناسبة رمضان شهر الكرم والإحسان ولعلهم ينسحبون من العراق وأفغانستان ويعيدون فلسطين كمان.

 

والحمد لله أن بدت الوجوه سافرة والنوايا معلنة والمخططات جاهزة محضرة وأسلحة الدمار من الأجيال الجديدة منصوبة مشهرة والقوات منتشرة في بلداننا وفي حجرات نومنا (!!) نقدم لهم خالص خدماتنا ليحسنوا فيما بعد سلخنا وذبحنا (!).

 

وألف باء الإدارة عند التعرض لمشكلة هو أن تحسن (تصنيفها) وتميزها بوضوح بلا ضبابية أو أي احتمالية ومن ثم تديرها بالمناسب لها، وأول مناسب لها هو أن تبتر (ذيولها) وتخرس (ألسنتها) وتطهر منزلك من (جحورها وأوكارها)، وان تعادي (المناصر لها) وتضعه في مصافها ونفس تصنيفها. وإن بدا لك عظيم أمرها وشدة بأسها فألتمس من الله الخيار في اتخاذ القرار، إما عزيزا أو كريما شهيدا،  أو تابعا ذليلا من أتباعها.

 

***********************

 

حديث في دعوة (البشري) للعصيان - شرعنة الشخصنة تساوي فرعنة

 

يقول طارق البشري << أن شخصنة الدولة هي آخر درجات ضيق نطاق المسيطرين على الدولة، ذلك أن الشخصنة تكون القيادة فيها قد آلت إلى أفراد معدودين، لم يعد الأمر فى يد شريحة طبقية أو طائفية أو قبلية أو غير ذلك، إنما صارت إلى أفراد، وهنا تضيق المصلحة المحمية من الدولة لأنها تكون اقتصرت على مصالح أفراد>>

 

كما يقول: <<لابد للحاكم من الشرعية، مهما كان ذا سلطات مطلقة، والشرعية بالمعنى المقصود منها هنا هي التقبل العام الذي يمكن له من أن يطاع وأن تنفذ أوامره، ونواهيه بين الناس فيصالح غالبيتهم إليها، وأن تنفذ هذه الأوامر والنواهي بين عمال الدولة وأجهزتها فيتحركون لإفضائها بين الناس>>

 

أولا : الشرعية والعصيان

 

شرع الشيء أي أعلاه وأظهره وأوضحه وحققه، كما جاء في الذكر الحكيم (شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا)، ومنها جاءت الشريعة وهي ما شرعه (أظهره وحققه) الله عز وجل لعباده من العقائد والأحكام، وكل ما ينسب إلي الشريعة هو (شرعي).

 

والشرعية في مصطلحات (الدولة) هو ما ينسب إلي الإطار القانوني والعقائدي الذي ارتضاه شعب هذه الدولة وأقر به نهجا ومنهاجا لأفعاله وممارساته وحقوقه وواجباته في حياته وحتى مماته، ويطلق عليها أهل الفرنجة مصطلحات عدة منها (Legality, Validity, Rightfulness, Lawfulness)، وكلها تدور حول الحق والصحيح والقانونية .. الخ، ومن ثم ينطبق عليها ما قاله أخونا البشري من حيث التقبل العام والرضي والقناعة وواجب الطاعة والانصياع والتنفيذ والنشر والإفضاء بين الناس.

 

والعصيان هو (عدم الطاعة) لخروج عن إطار القانون المتعارف عليه، لكون الفاعل مارقا خارجا عن المنظومة القانونية أو لكونه معترضا محتجا علي انتهاك القواعد المتفق عليها، وللبيان والاستبيان نستعير من القوات المسلحة شعارها المتمثل في ( الله .. الوطن .. الأمر)، فالسقف المرجعي الأول هو الله عز وجل وعقيدته التي وقرت بالقلوب ولا تحتاج لجدلية أو إعادة مراجعة عقلانية، وثانية المرجعية، وفي المستوي الأدنى من العقيدة الإلهية، يأتي الوطن بنظامياته (الدستور والقوانين)، ثم يأتي المستوي الثالث من هذا التسلسل الهرمي الهيكلي وهو أمر السلطة، فإن حدث تصادم وتعارض فإن المستوي الأعلى يَجُب الأقل منه ويدنيه.

 

ثانيا: الفرد والشخصنة والفئة الحاكمة

 

مهما بلغت قوة الفرد فهو في النهاية مجرد فرد لا يمكنه ممارسة تجاوزاته وسطوته إلا من خلال قوه (الفئة) المحيطة التي نبتت في معيته واستمدت قوتها من (تعظيم) وتفخيم قوته ومن ثم انعكست تلك القوة لدعم مكانته (!!)، وعلي القارئ (فوق الأربعين عاما) أن يعود بذاكرته إلي أوليات حكم الجمهوريات (خاصة الثانية والثالثة) ويتذكر كيف كانوا يتصرفون في حذر (وأدب) واحترام للحضور ثم كيف تحول الحال بعد أن ترسخت الجذور (!!).

 

ومن مصلحة الفئة المنتفعة أن تقوم بإسباغ القداسة علي الحاكم كاستدعاء من الموروث الثقافي الفرعوني حيث الحاكم هو الإله أو أبن الإلة ولا حول ولا قوة إلا بالله، مع الفارق إنه عندما تم الانتقال للديانات السماوية تحول الحاكم بالتبعية إلي الفرد المُلهم المختار من قبل الأقدار التي اختارته لحكم البلاد وتوجته علي رقاب العباد.

 

والعلاقة بين الحاكم الفرد المستبد والفئة المنتفعة، بالعموم، هي علاقة اختلاط أكثر منها علاقة اندماج، إي أنهما كينونتان مستقلتان تتعايشان بدوام المصلحة، فإن تضاربت المصالح نشأ الصراع، فتزيح الفئة هذا الفرد (الصورة) أو يزيح الفرد الفئة المنتفعة ويستبدلها بفئة أخري طبقا للمتغيرات والمستجدات.

 

والخلاصة نقول أن سمة النظام الحالي ليست (شخصنة) أي أنها لا تنسب لأفراد دون سمة معلومة معروفة تجمعهم وتصنفهم، والصحيح (في رأينا) أنها (فئوية) ونعني بها فئة المنتفعين من (رجالات الأعمال) الجدد البرجماتيين علي الطراز الأمريكي والتي تلاقت مصالحهم مع المنظومة الحاكمة الخاضعة كلية للتوجهات والسياسة الأمريكية.

 

وهذا التغيير في التصنيف ليس مجرد فذلكة لغوية لكنه ضروري وأساسي لمعرفة المرجعية التي ينتمي إليها المقصود بالقول والحديث، ومن ثم يسهل التعامل مع الأصل المنهجي الذي ينتمون إليه.

 

ثالثا: شرعية حكام المحروسة – كيف اكتسبوها ولماذا فقدوها ؟؟

 

1 – يُصنف العصر الفرعوني بسمة ألوهية الحاكم، فهو الإله أو المنسوب إلي الإله، أي أن السلطة الحاكمة قد استعارت من الرب قدسيته وعلو مكانته فتوفرت لها الحصانة ووجب لها الخشوع والطاعة من قبل الرعايا أجمعين فهي حلقة الوصل بين الدنيا والدين. ولكن ... اكتشاف أسباب وفاة (توت عنخ آمون) مقتولا أثبتت أن مفهوم الألوهية ليست لعموم البرية بل للرعية الدنية، فالرب العتيد لا يُقتل من عبيد، ومن هنا تتأكد حقيقة حكم (الفئة) المُختارة المُنتقاة والتي تتصارع فيما بينها علي السلطة كالغوغاء، أما أمام أفراد الرعية المطية فهم الصفوة المختارة من نسل رب السماء.

 

2 – سقطت شرعية (الفراعين) بالاحتلال الأجنبي المتكرر – النوبيين والليبيين ثم الفرس وأخيرا اليونانيين (الإغريق)، وزالت الشرعية بالزوال المادي عام 332 ق م.

 

3 – تحولت شرعية الحكم إلي السند القهري المتمثل في الاحتلال ومنطق القوة، فأنتقل إلي السلطة الإغريقية فالبطالمة فالرومانية فالبيزنطية فالفرس فالبيزنطية ثانية حتى جاء الفتح العربي عام 640.

 

4 – تحولت شرعية الحكم من سند القوة إلي قوة السند، ونعني بها شرعية الدين والانتماء كولاية لخلافة بدأت بعمال الخلفاء الراشدين إلي الأمويين فالعباسيين الذي تولي أول عامل لهم حكم المحروسة عام 755م.

 

5 – بعد تدهور العباسيين تحولت الشرعية إلي مزيج بين القوة والدين علي يد الطولونية والإخشيدية ثم انتقلت إلي شرعية (الخلافة الإسلامية) علي يد الفاطميين عام 969م.

 

6 – وهكذا دواليك.. ... من الفاطمية إلي الأيوبية إلي المماليك عام 1249م.

 

7 – وعودة إلي سند القوة وقوة السند علي يد العثمانيين أو قل الخلافة العثمانية (1517م)، ثم ثلاث سنوات من احتلال فرنسي (شرعية قوة الاحتلال) إلي عام 1801، ثم الانتقال إلي أغرب شرعية لحاكم أجنبي (محمد على، قائد الكتيبة الألبانية فى الجيش التركي في مصر) الذي تقرب إلى القوة الوطنية الشعبية، فبايعته علي منصب الحاكم (الوالي) علي مصر المحروسة عام 1805م.

 

8 – اكتسبت أسرة محمد علي شرعية الحكم من قوانين (الملكية) وبرتوكولاتها، وكان التغيير من حاكم لأخر يتم خارج الإرادة الوطنية الشعبية، كالوفاة أو عدم الانصياع لقوة خارجية مسيطرة.

 

9 – وفي زمن (الملكية الدستورية) كانت هناك شرعيتان، إحداهما لملك البلاد بحكم أسانيد قوانين الملكية والثانية لزعيم وطني يتولى أحيانا رئاسة الحكومة بشرعية انتخابية. وقد سقطت أخر شرعيتين لفاروق والنحاس علي النحو الآتي:

 

أ - أولا بالنسبة لفاروق فانتهاكاته لدستور البلاد وتفريطه في سلامة العباد تحتاج لمقالات ومقالات خاصة لما حدث في (مهزلة) ثمانية وأربعين، ولا يفوق ذلك إلا مجونه وفسوقه وفساد أسرته (!!) – فأم جلالة الملك (نازلي) ارتدت عن الإسلام واعتنقت المذهب الكاثوليكي، وكذلك فعلت ابنتيها (فتحية وفائزة) – وجلالة الملك سطا علي خطيبة شاب من خيرة شباب مصر كان يعمل وقتها في مجلس الدولة وهي السيدة (ناريمان صادق) الذي تزوجها وأمضي شهر العسل الذي أمتد عشرة أسابيع (تخلله شهر رمضان) في ربوع أوربا في مظاهرة صاخبة وصفتها تقارير السفارة الأمريكية في العاصمة السويسرية بأنها (سيرك متنقل)، من صقلية إلي كابري إلي نابولي إلي الريفيرا بصحبة معيته وحاشيته ومصروفات يومية تقدر بمائه ألف إسترليني يوميا(2) (لاحظ قيمتها حاليا بسعر جنية الذهب، فمائة ألف إسترليني كانت تساوي تقريبا مائة ألف جنية ذهب (الملك جورج)، والجنية الآن يتجاوز السبعمائة جنية مصري – أي سبعون مليون جنية في اليوم بسعر اليوم !!!!!!!!!!!!).

 

ب – أما عن سقوط شرعية النحاس (المتمثلة في قبول وقناعة الجماهير المصرية به) فقد سقطت بعد تعاظم دور السيدة زوجته (زينب الوكيل)(3) واستغلالها موقعها في قيام أخويها بالتربح من أعمال التجارة – ورحم الله السيدة الجليلة المصرية الأصيلة الصعيدية العظيمة، السيدة (تحية) زوجة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. أما النحاس نفسه فنكتفي بالقصة الآتية: <<بعد انتخابات يناير 1950 وفوز الوفد علي غير رغبة الملك فاروق، ومحاولته استقطاب (سراج الدين) بدلا من النحاس لرئاسة الحكومة، حاول النحاس استرضاء الملك بعد علمه بمناورته في استقطاب رجله الأول وخاصة أن الرجل كان في أخريات أيامه، فقام بطلب غريب عجيب من الملك فاروق يوم تكليفه بالوزارة قائلا أن لديه عند (مولانا) طلبا مصمم عليه ولن يحيد عنه، ولما رد عليه الملك: خيرا يا باشا تفضل، أجاب النحاس: أن يأذن لي مولانا بتقبيل يده الكريمة تأكيدا وتعزيزا لولائه(4).!!!>>.

 

10 – وجاءت الجمهورية الأولي (محمد نجيب ثم عبد الناصر) بشرعية ثورة يوليو 1952، ومهما كانت أخطاء ناصر وإيجابياته إلا أن هناك موقف يسترعي الدراسة باهتمام وإمعان وهو عدم سقوط شرعيته رغم هزيمته وانتكاسته في يونيو 1967، بل واعترافه بها بطلب التنحي بخطابه الشهير (9 يونيو 1967) وخروج الشعب مبايعا إياه في قبول جهري علني يمثل أسمي آيات الشرعية في العلاقات الإنسانية والاجتماعية والسياسية (!) – ولم يكن الشعب المصري مغيبا في عقله وإدراكه، فقد أيد شعب السودان هذا الموقف بحمله لسيارة عبد الناصر، أثناء مؤتمر القمة العربية في الخرطوم (نوفمبر 1967).

 

11 – بدأت (الجمهورية الثانية) حكمها بالاستناد إلي (شرعية يوليو) التي حاولت أن تنسبها إلي نفسها وترجع قيامها ونجاحها إلي فضلها وجهدها، وهو الأمر الذي عارضه وكذبه العديد من شهود العيان لأحداث الثورة بل ورجالات الثورة أنفسهم(5)، ومن ثم بحثت الجمهورية الثانية عن شرعية جديدة خلقتها من أكذوبة أسمتها ثورة مايو أو ثورة التصحيح(6). وكانت ثورة مايو في ذاتها عبارة عن تجمع تكنوقراط معادي لرجالات ورموز عبد الناصر ومنهم من وجدها فرصة للعب دور في الجمهورية الثانية، ومن ثم اعتبروا أن لهم (الفضل) في إرساء دعائم الحكم للجمهورية الثانية. ثم انتقلت شرعية الحكم من مايو إلي أكتوبر بعد الحرب الذي دُفع لها السادات تحت الضغط الشعبي، ولكن أحداث الثغرة وحصار الجيش الثالث نتيجة القرار الخاطئ(7) بميقات تطوير الهجوم وسحب الاحتياطي الإستراتيجي من مواقعه ودفعة لآتون المعركة وخلق فراغ خلف القوات أحسنت إسرائيل استغلاله، ثم الهجوم الحاد علي السادات من الشاذلي(8)، واضطرار الإدارة المصرية إلي الانصياع لمعاهدة كامب ديفيد المجحفة وما صحبها من عزلة عربية ومقاومة مصرية، أدت إلي القيام بالبحث عن (شرعية) جديدة يستند عليها السلطة والحكم. وقد بدأ السادات خلق كيان شرعي له يتماشى ودعاوى الانفتاح والليبرالية فبدأ في تحجيم أصحاب الفضل في ثورة مايو وإبعاد رجالات أكتوبر (عدا مبارك)(9) وإقامة تحالف صريح مع رأس المال ورجالات الأعمال وصلت إلي حد المصاهرة.

 

12 - بعد مصرع السادات تم الانتقال (بهدوء) إلي الجمهورية الثالثة والتي وجدت نفسها مقيدة بمجموعة هائلة من المعاهدات والاتفاقيات، إضافة إلي رسوخ (ثقافة) المال والأعمال في الإيديولوجية المصرية وهو الأمر الذي أستمر كما في السابق عدا تعديلا بسيطا تمثل في تغيير الوجوه، ومن ثم اعتبرت الجمهورية الثالثة امتدادا عضويا للجمهورية الثانية مع التطوير والتعديل في الشكل والاحتفاظ بالجوهر العام، ومن الأمثلة علي قوة وسيطرة رجالات الأعمال علي الأمور في مصر نذكر الآتي:

 

أ - الاستيلاء أو قل (نهب) البنوك بدعاوى الاستثمار والذي أرتفع حجمه من 800 مليون جنية عام 1979 إلي 195 مليار جنية عام 2003، ذهب منها 2% إلي قطاع الزراعة ومن 20 – 25 % إلي قطاع الصناعة (معظمها صناعات استهلاكية غير ذي قيمة مثل البسكويت والأيس كريم واللبان)، و11 مليار إلي المدن الجديدة الاستثمارية، والباقي إلي الأنشطة التجارية (الاستيراد في المقام الأول).

 

ب - ضياع أموال البنوك التي وصلت إلي المليارات (13 – 16 مليار) والمتمثل في وقف التسديد والهروب خارج البلاد.

 

ج - تصفية القطاع العام المصري، الذي تحمل مسئولية التنمية الكاملة في الستينات، وبعائد مادي أقل مما تمت سرقته من مدخرات الشعب المصري (بالبنوك الرسمية).

 

د - تغلغل رجالات الأعمال في الحياة السياسية – بدأ من مجلس الشعب، كسلطة تشريعية، إلي أمانة السياسات بالحزب الحاكم إلي السلطة التنفيذية التي وضحت معالمها في الحكومة الجديدة.

 

رابعا:  الخلاصة

 

سواء أكان التوصيف الحالي للحكم هو (الفردية)، الشخصنة، أو (فئوية) رجالات البيزنس ببرجماتية علمانية أمريكية، فأن المخاطر آتية من محاولات إضفاء الشرعية (قصرا) علي حكم الفرد وتأكيده بالتوريث الذي يجري الإعداد له علي قدم وساق، وفي هذا ما يمكن أن نسميه (شرعنة الشخصنة) أي إضفاء الشرعية علي حكم الفرد وتحويل النظام الجمهوري ليس فقط إلي ملكية بل وفرعونية صريحة بإسباغ (القداسة) القانونية الإستهبالية علي تلك الأعمال والأفعال التي تندرج تحت مسمي (مؤامرة علي الشعب) !!!.

 

 

أما عن شرعية السلطة الحالية وقانونيتها فلا نبالغ حينما نقول أنها قد سقطت بالفعل منذ سنوات وسنوات، ونفسر ما نقصده فيما هو آت:

 

1 – إن كانت الشرعية مستمدة من حرب أكتوبر، فأبطال أكتوبر الحقيقيين براء من هذا النظام والنظام السابق الأصل والجذر. وحرب أكتوبر كما قلنا هي حرب (رمادية)، نجاح عسكري أولي (6 – 10 أكتوبر) ثم تدخل سياسي غير صحيح غير مبرر قلب دفة الحرب التي اُتخذت للتحريك وليس التحرير، ثم كانت النتيجة الحتمية المنطقية لهذا التدخل الغير عاقل وكانت النتيجة المهينة الدنية في كامب ديفيد، ثم الكذب في النتائج وعدم المصداقية في أكبر عملية (نصب واحتيال واستغفال) للشعب المصري.

 

2 – وإن كانت الشرعية مستمدة من الدستور، فالدستور في ذاته مشوه مقصور – وعلي القارئ المهتم أن يرجع لمجموعة مقالاتنا في هذا الخصوص(10).

 

3 – وإن كانت الشرعية مستمدة من (حب وتقبل) الجماهير للزعامة التي تصونهم وتطعمهم وتوفر لهم الأمن والآمان، فالحال أوضح من أي كلام، في معاناة اقتصادية وبطالة متفشية ومشاكل اجتماعية وإرهاب أمني رسمي (والحديث في ذلك يطول) وفوضي تحكم ورقابة علي المتحكمين بالقوت والمستلزمات الحياتية وانهيار تام في المنظومة التعليمية، وعدم وجود رعاية لائقة صحية، و .... ويطول الكلام (!!)

 

4 – وإن كانت الشرعية مستمدة من مكانة دولية علي حساب معاناة داخلية، فانحسار الدور المصري علي الساحة الإقليمية (العربية والإفريقية) والدولية غني عن التصريح أو التلميح، فهناك الصفر المونديالي أمام المغرب وجنوب إفريقيا، والأكثر مرارة هو ما صاحبه من خداع وأكاذيب أضاعت الملايين في سبيل قيام أقلية مفترية بالنزهة خارج البلاد والحصول علي بدل السفر،  وهناك الإنسحاب من استضافة البرلمان الإفريقي أمام نيجيريا، وهناك استحالة الحصول علي مقعد دائم بالأمم المتحدة مهما طبلوا وزمروا، وهناك غدر بأهل العراق الذي شارك في حرب أكتوبر بالسلاح والقوات بأكثر من 50% من مشاركات الدول العربية جمعاء ووفر ملايين فرص العمل لملايين الأسر المصرية، وهناك فشل تام في إدارة الصراعات – وإدارة الصراعات هي السياسة، ومن فشلت رئاسته بطلت رئاسته.

 

والحديث يطول ويطول، لذا فأنه لمن الخير للإدارة المصرية أن تبادر بإصلاح سياسي ملموس محسوس وحقيقي وليس شكلي وقتي، تكسب به شعبها ومثقفيها ومفكريها إلي جانبها وصفها ويكون لها حماية ووقاية من شبح (لغوصة) التغيير والتعديل المتوقع تحت مسمي (مشروع الشرق الأوسط الكبير)، خاصة بعد فوز (بوش) قلب الأسد، وأيضا لحفظ ماء وجهها من التقرب والتذلل لرجالات الإدارة الأمريكية الذين يكيلون لها الإهانات والاتهامات والتهديدات، وفوق هذا كله .. حماية لشرعيتها القانونية المتمثلة في قبول ورضا (الشعب المصري) وعدم تحوله إلي العدوانية، فهذا وإن حدث وهو عالي الاحتمالية، فلن يلومن إلا أنفسهم وأنفسهن (!!) يوم لا ينفع الندم.

 

 

___________________________________________________________

 

(1) طارق البشري – أدعوكم إلي العصيان – جريدة العربي الناصرية – 10 أكتوبر 2004.

 

(2) محمد حسنين هيكل – ثورة يوليو ... خمسون عاما

 

(3) المصدر السابق – وكتاب مصطفي أمين (هكذا كانت تحكم مصر – يناير 1952).

 

(4)محمد حسنين هيكل – المصدر السابق.

 

(5) تعددت شهادات رجالات الثورة في هذا الخصوص ولعل أوضحها كانت في شهادة السيد حسين الشافعي والسيد خالد محيي الدين والذين صرحا بأنهما اعترضا علي ضم السادات لكن عبد الناصر اقنعهما بأن ضمه للتنظيم يجعل لهم عينا بالحرس الحديدي (الذي كان ينضم إليه) ولدرء شره في الوقت ذاته – كما أوردا تهرب السادات يومي 21 ن 22 يوليو حيث كان مكلفا بتعطيل الاتصالات عن المنطقة المركزية ولكنه لم يفعل – وحكاية دخوله السينما مع السيدة قرينته وافتعاله مشكلة لتسجيل محضر بقسم البوليس في ذلك اليوم لدليل علي شخصيته وبيان علي انتماءه الصوري النفعي للثورة (بالمقارنة بالرجال الذين تحملوا المخاطرة ووضعوا أرواحهم علي أكتافهم) – هذا بالإضافة إلي شهادة السيد سامي شرف في كتابه (سنوات مع عبد الناصر) والذي بين فيه رأي عبد الناصر في شخصية السادات. أما حكاية تعينه (نائبا) لرئيس الجمهورية في أخريات أيام عبد الناصر وهو ما مهد له رئاسة الجمهورية فتلك رواية أخري أكبر من أن يحويها هذا المقال.

 

(6)   جاءت ثورة التصحيح محاكاة صريحة لمذبحة محمد علي، ومن العجيب الغريب أن توجد مجموعة متآمرين، ومن بينهم (محمد فوزي) وزير الحربية في ذلك الوقت، يحاولون التآمر وهم خارج السلطة بعيدون عن القوة التي تمكنهم من محاول تغيير الحكم !.

 

(7) في العاشر من أكتوبر 1973 قامت القوات الجوية الإسرائيلية بتدمير اللواء الأول مشاة (من الفرقة 19 مشاة – قيادة الجيش الثالث) أثناء محاولته التحرك ليلا لاحتلال منطقة سدر – وقد كان في هذا تحذيرا وإنذارا للقيادة المصرية بان العدو الإسرائيلي قد أفاق من مفاجأة الهجوم وأنه أحس تعبئة قواته، ورغم هذا صدر القرار السياسي بتطوير الهجوم ليلة 13 أكتوبر رغم معارضة رئيس الأركان (الشاذلي) وقادة الجيوش – بل أن الأمر قد وصل إلي تخطي رئيس الأركان وإبلاغ أمر القتال بالتطوير مباشرة إلي قادة الجيوش (الثاني والثالث) عن طريق مبعوثي المشير أحمد أسماعيل (اللواء غنيم واللواء طه المجدوب) – من مذكرات الفريق الشاذلي

 

(8) نشر الشاذلي مذكراته (حرب أكتوبر) وهو في منفاه الاختياري بالجزائر.

 

(9) أشتهر اللواء حسني مبارك بالالتزام الشديد في عمله وتنفيذه للأوامر ومن ثم بدا للقيادة السياسية ولاءه التام ومن ثم الاطمئنان إلي تعينه نائبا لرئاسة الجمهورية.

 

(10) هشام الناصر، (في المحروسة وبنص الدستور، شعب قاصر وبرلمان مقصور)، (عبثوا بالدستور دواما في فترة ثمانين عاما) – جريدة الشعب الإلكترونية، الجمعة 29/8/2003 – والجمعة 12/9/2003.