فوضى السلاح ... وفوضى السلام!

 

 

 

بقلم: طارق حميدة

 

يتردد منذ مدة في وسائل الإعلام، وعلى ألسنة عدد من المسئولين الفلسطينيين، عبارات من مثل: "الفلتان الأمني، وفوضى السلاح، وعسكرة الانتفاضة"، ويؤكد هؤلاء أنه لا بد من ضبط وكبح ولجم أولئك الفوضويين، ووقف مظاهر الفوضى والانفلات والعسكرة، وضرورة إعادة الانتفاضة إلى بعدها الجماهيري والسلمي، لضمان تأييد الرأي العام الدولي، ودعم الأصدقاء.

ومثل هذه المصطلحات ـ في رأيي ـ لا تخلو من تضليل، ومحاولة استغفال، من وجوه: ذلك أن تعبير "العسكرة"، في الأصل، يشير إلى ظاهرة يتحول فيها الكثير من الثوار والمناضلين، بل وغيرهم أيضاً، من العائلات والجماعات وحتى اللصوص والمنحرفين، إلى حملة سلاح، يتجولون بأسلحتهم بين المدنيين، ويخوفون بها الآمنين، ويستخدمونها في غير مكانها الصحيح وهو مقاومة المحتل.وبهذا تتحول قطاعات شعبية متعددة إلى فتوات وأدوات للرعب والإزعاج، ومصدر خطر وقلق لأهاليهم وأبناء شعبهم.

          عشية قدوم رجالات السلطة إلى الضفة والقطاع، بل وقبيل ذلك، جرى تداول وانتشار كبير وواسع للأسلحة، ونشط تجار السلاح، وصار بإمكان الكثيرين شراء السلاح واقتناؤه وحمله واستخدامه، كل ذلك والجانب الإسرائيلي يغض الطرف عما يجري، لا بل يبدو راضياً ومسروراً وداعماً لهذه الظاهرة، حيث قام عدد من العملاء والمشبوهين بدور كبير في تجارة السلاح وترويجه على نطاق واسع، وبشكل شبه علني!

          وقد أثار ذلك مخاوف بعض المراقبين الذين توقعوا أن يكون للإسرائيليين من وراء تعميم السلاح في الساحة الفلسطينية، عدة أغراض: أحدها أن يساهم ذلك في إذكاء نار الفتنة والاقتتال الداخلي، حيث إن كثيراً من حَمَلة السلاح فارغون فكرياً، وسائبون أخلاقياً، وغير ملتزمين وطنياً ولا دينياً، عدا عن تعدد الولاءات العائلية والشللية، والحضور البارز لعملاء الاحتلال.

          ولم يستبعد المراقبون أن يكون نشر السلاح بهذا الأسلوب العلني يهدف إلى استدراج رجال المقاومة الصادقين، بغية اكتشافهم واعتقالهم، والقضاء عليهم، وقد يجري زرع هذه الأسلحة بأجهزة تنصت أو أجهزة تحدد مكان حاملها، أو يجري تفخيخها وبالتالي تصفية من يستخدمها.

          وكان من أخطر المخاوف، وهو ما تحقق فعلاً، أن يكون ذلك السلاح ذريعة للإسرائيليين للقيام بحرب لا هوادة فيها ضد الفلسطينيين بحجة أنهم يقاتلون دولة وجيشاً، وقد لوحظ في بداية انتفاضة الأقصى الجارية، أن الكثيرين من أجهزة السلطة وحزبها والمقربين منها، إضافة إلى المشبوهين، هم الذين كانوا يطلقون النار من داخل الأحياء السكنية، ومن بين المتظاهرين، فيرد الصهاينة بقذائف الدبابات، وبالقصف من الطائرات، مما ألحق خسائر كبيرة وأدى إلى ضحايا كثيرة في الجانب الفلسطيني، وفيما بعد كان الاجتياح الكبير قبل أكثر من عامين.

إن كثيراً من الفلتان وفوضى استخدام السلاح، والعسكرة كانت ولا زالت تتم من رجالات السلطة والمقربين منها، فهم الذين كانوا يطلقون الرصاص في الأفراح والمناسبات. والمشاجرات المسلحة بين بعض الأجهزة، أو بعض الشلل، أو بعض المناطق كانت غالباً من طرفهم، ويكفي أن أحداث غزة الأخيرة، وما رافقها من أعمال خطف واقتحامات وحرائق وتظاهرات مسلحة، كانت جميعها من فعلهم. والطريف أن عنوان هذه الأحداث كان محاربة الفساد، وانتهت بأن يعطي الرئيس عرفات لأحمد قريع المزيد من الصلاحيات الأمنية!

فهل المطلوب وقف الفلتان الأمني والعسكرة التي يقوم بها أزلام السلطة؟ وهل السلاح المطلوب ضبطه ووقف فوضى استخدامه هو سلاحهم؟ الظاهر أن المطلوب هو رأس المقاومة الحقيقية الصادقة بكافة أطيافها، وإن كان على رأسها المقاومة الإسلامية، فهل مارس هؤلاء العسكرة بالوصف السابق، وهل كان لهم دور في الفلتان الأمني، وهل اتسم استخدامهم للسلاح بالفوضى وعدم الانضباط؟

          لقد كان السلاح القليل الذي يملكه هؤلاء لا يستخدم إلا في الأعمال الجهادية الموجهة ضد الاحتلال، علماً بأن السلطة قد شنت عليهم حرباً شعواء، فطاردتهم واعتقلتهم ونكلت بهم وصادرت أسلحتهم، وقد قبع الكثير من المجاهدين سنوات عديدة في سجون السلطة التي لم تفرج عنهم إلا مضطرة تحت الضغط الشعبي في بدايات الانتفاضة الحالية، عدا عن التنسيق الأمني مع الصهاينة والأمريكان الذي ما زال مستمراً كما صرح رأس السلطة، الذي أكد أنهم أحبطوا عشرات العمليات الجهادية بعد استشهاد الرنتيسي والياسين.

الفلتان والفوضى والعسكرة المطلوب وقفها وضبطها من قبل السلطة والأمريكان والصهاينة وبعض العربان، هي المقاومة المسلحة المشروعة الموجهة ضد الاحتلال ورداً على جرائمه، وليس الفلتان الحقيقي الذي يمارسونه هم لا غيرهم، خصوصاً وأن هناك توجهاً لدى عدد من قيادات السلطة يضيق بالعمليات الجهادية الموجهة ضد الاحتلال، لأنها في نظرهم تشوه صورة الفلسطيني وتجعله إرهابياً! والمفضل لدى هؤلاء أن يظل الفلسطيني يتلقى الضربات ويتعرض للمجازر، ليظل في نظر العالم هو الضحية، من أجل استجداء التعاطف الدولي.

بقي أن نقول: إن هناك فوضى حقيقية، سوى فوضى السلاح، يتولى كبرها أيضاً رموز السلطة وعدد من الساسة العرب، وهي فوضى السلام؛ ذلك أن اعتماد السلام خياراً استراتيجياً، وعدم التفكير في خيارات أخرى، والاستمرار في المفاوضات لأجل المفاوضات، وعدم وجود كوابح ولا ضوابط ولا خطوط حمراء، والتضحية بكل الثوابت والمقدسات، هي الفوضى بعينها.

هذه الفوضى، هي التي تحتاج إلى أن يكبح جماحها الشارع الفلسطيني، ومن ورائه الشارع العربي، وعدم الاكتفاء بالوقوف موقف المتفرج حيال مصير الأمة في حاضرها ومستقبلها.