معارك العراق : انتفاضة ؟ ام ثورة ؟

دراسة في المضامين والاثار الجيوستراتيجية لمعركة الفلوجة

 

 

بقلم صلاح المختار

 

        منذ ابتدات معركة الفلوجة تحول النقاش حول مايجري في العراق من محض تداعيات او رغبات ذاتية ( wishful thinking) ، غالبا ، الى ضرب من محاولات تزوير الوقائع ، في اطار المخطط الاميركي لتغيير موضوع التركيز ، وهو تكتيك منهجي معروف  من هنا ينبغي البحث في الاطارات العسكرية والسياسية والستراتيجية ا لتي تحكمت في معارك الفلوجة ، ولذلك سنتناول المسائل الاساسية التالية :هل ان المعارك التي اندلعت في القطر من شماله لجنوبه ، ومن شرقه لغربه ، هي مجرد عمليات دعم واسناد ؟ وماهي المضامين الستراتيجية لما جرى ومازال يجري على امتداد العراق ؟ وهل تستبطن العمليات العسكرية  اهدافا ستراتيجية متناقضة ؟ للاجابة على هذه الاسئلة وما ستنجبه في سياق البحث من اسئلة نحن مضطرون لتناول ثلاثة محاور اساسية وهي اولا تجليات المرحلة الثالثة من حرب  التحرير الوطنية ومفاجاتها, وثانيا المفهوم الجيوبوليتيكي الذي تحكم بالسياسة الاميركية تجاه العراق ، وثالثا ستراتيجية  ا لضربة الاستباقية (preemptive strike ) التي تبنتها ادارة جورج بوش الابن عقب احداث 11/9/2001 . ومن المهم هنا ان نذكر ان مناقشة هذه القضايا يخضع لجدل الواقع العراقي الحالي بغض النظر عن الانتماء السياسي والزاماته .

 

الارتباك الاميركي الفاضح

 

        في يوم 13/4/2004 وقف بوش ليتحدث عما يجري في العراق بعد صمت طويل دفع منافسه جون كيري للسخرية منه لعجزه عن الرد على الاسئلة المتعلقة بتصاعد المقاومة الوطنية العراقية بنسب هندسية مفزعة لادارة بوش ، فماذا قال ؟ ان اهم مالفت الانتباه هو اضطراره للاعترف بما كان يتمنى شرب السم قبل الاعتراف به :( ان عواقب الفشل في العراق سيكون من الصعب تخيلها ) ! وعلى الضفة الاخرى من المحيط وقف حليفه توني بلير ليكرر استعمال لغة الاقرار بالهزيمة حينما قال   ان ( التحالف ) يخوض صراعا تاريخيا في العراق ! مالذي يجري في العراق ويجعل بوش وبلير يطلقان صرخات فزع افصحت ، وبوضوح لم يسبق له مثيل منذ بدا غزو العراق ، عن حالة تيقن من ان الهزيمة الاميركية  قادمة لامحالة ؟

 

اذا كان مايجري حقا هو مجرد (ارهاب لفلول النظام  ) ، كما تعودت الة الدعاية الغربية ان تقول ، فهل يستأ هل ذلك كل هذا التوجع وا لصراخ ؟ في اطار هذا الاعتراف  سنجد اجابات واضحة تفسر ذلك الهذيان الساذج ، او المتساذج ، حول الاهداف (الحقيقية ) لغزو العراق ، والتي عبر عنها كتاب اميركيون بقول احدهم ان غزو العراق لاقيمة كبرى له بل هو معبر للوصول الى( المكافئة الكبرى ) وهي السعودية ، او بقول اخر ان المكافئة الكبرى هي مصر ! هكذا يريدون ممارسة تمويه اخر للتعتيم على الاسباب الكبرى لغزو العراق ، من جهة وابتزاز السعودية ومصر من جهة ثانية .

 

        اذا كان صحيحا ان قيمة العراق متدنية الى هذا الحد فلماذا صرخات  ا لتاوه لبوش وبلير ؟ هل المطلوب هو اقناع الراي العام الاميركي بان اميركا قد قامت بواجبها وحان موعد الانسحاب ؟

 

تجليات المرحلة الثالثة من حرب الشعب

 

        دعونا نحلل الموقف المتشابك ، بل المشبوك عمدا ، ولنبدا بحقيقة معركة الفلوجة ، واول مايجب التنبيه اليه هو ان المرحلة الثالثة من حرب التحرير الوطنية في العراق قد ابتدات من الفلوجة ، ولهذا نجد ضروريا توضيح هذه الحقيقة ، فحرب التحرير تمر باربعة مراحل قبل طرد الغزاة ، المرحلة الاولى يلخصها قانون ( اضرب واهرب ) اما المرحلة الثانية فقانونها هو ( اضرب واصمد لساعات او ايام ) ، بعد ذلك تاتي المرحلة الثالثة وقانونها: هواشتبك في قتال جبهي ، اي مباشر وبالسلاح الابيض خصوصا ، لمدة اسبوع اواكثر ثم انسحب لساعات اوايام ، لتجنب ضربة مميتة ، وهاجم بعد ذلك ، وهكذا تستلم المبادرة وتجبر العدو على الوقوع في فخ استنزاف كثيف لايستطيع تحمله لفترة طويلة ، فتجبره على التفكير الجدي بالتخلي عن اهدافه الحقيقية بعد ان اصبحت الخسائر اكبر من المكاسب ، وفي المرحلة الرابعة يحرم المحتل من دخول مدن رئيسية وعندها يبدا با لبحث عن وسطاء للتفاوض حول شروط الانسحاب .

 

        من المؤكد ان هذا  ا لتقسيم نظري وعام لان وا قع المقاومة المسلحة قد يفرض تداخل مرحلتين ، ولكن الخط العام لحروب التحرير هو هذا . ماذا حصل في الفلوجة ؟ معركة الفلوجة انهت اسبوعها الثا لث   بعد صمود لم يسبق له مثيل في اي معركة تحرير ، وذلك للاختلال المطلق في موازين القوى بين بضع مئات من المقاتلين العراقيين ، المسلحين بسلاح خفيف ، واعظم واقوى واشرس جيش في العالم ! من المؤكد ان تاريخ الحروب سيسجل بفخر لاحدود له ، ماثرة البطولة الفريدة والاستثنائية لمقاتلي الفلوجة الذين اسقطوا اغلب فرضيات الحرب ببقائهم صامدين  ومحتفظين باعلى المعنويات ،وهذا هو بالضبط مايؤكد ان مخططي المعركة كانوا يريدون اعلان بدء المرحلة الثالثة باقوى واشمل المعارك المتزامنة على امتداد العراق ، فما ان بدات الفلوجة حتى وجدنا العراق كله يشارك في الثورة المسلحة ضد الاحتلال . صحيح ان الفلوجة قد اجبرت الاحتلال على الخروج  منها منذ زمن  لكن قواته كانت تدخل وتخرج ، وتضرب فكان مطلوبا ان تبدا المرحلة الثالثة منها ، وكان الهدف هو اجبار العدو على خوض( حرب انصار) طويلة ومستنزفة لقدراته البشرية والمادية  ثم اتباع ذلك بتفجير معارك متزامنة على امتداد العراق كله ، ومنعه من دخول المدينة لاطول وقت ممكن ، واذا دخل فيجب عدم السماح له بتوجيه ضربات مدمرة لكوادر وقواعد المقاومة ، واعتماد المناورة تكتيكا رئيسيا لمنعه من استثمار تفوقه المطلق بقدر الامكان .

 

        لقد نجحت المقاومة في الحاق خسائر باهضة بالعدو واعترف انه خسر في الايام الخمسة الاولى من المعركة 70 فردا، وهذا غير صحيح لان عددالتوابيت التي وصلت اميركا بلغت اكثر من300 تابوت ، ومن المؤكد ان العدد التقريبي لخسائر العدو لايقل عن الالف وثلاثمائة قتيل في ثلاثة اسابيع ، وهذا بحد ذاته يشكل ضربة مؤلمة جدا للادارة الاميركية ، كما ان ذلك مدمر لاحدود له لمعنويات الجنود ، ومن المؤكد ا ن  الشعور الاميركي بالهزيمة بلغ الوضوح الكامل  ، فنحن هنا نتعامل مع هزيمتين مترابطتين ، الهزيمة الاولى هي فشله   ا لتام في الحاق الهزيمة ببضع مئات من المقاومين ، رغم استخدامه القوة القصوى (MAXIMUM FORCE) في اعلى اشكالها واشدها دموية ، وكان اوضح تعبيرات الهزيمة هو اضطرا ر قوات الغزو للتفاوض مع من اعتبرتهم ( ارهابيين ) و ( متمردين ) ، من موقع المهزوم ، لذلك تنازلت عن مطاليبها الاصلية ، ومنها تسليم من وصفتهم ب( المجرمين ) الذين مثلوا بجثث  المرتزقةالقتلى ، وتسليم افراد الشرطة الوطنيين الذين قادوا المرتزقة الى منطقة قتل ، وتسليم الاسلحة الثقيلة للمقاومة ...الخ ، وتقزمت المطاليب واصبحت مجرد ضمان ا نسحاب قوات الغزو،  من مناطق احتلتها في اطراف الفلوجة ، دون اطلاق نار عليها !!!

 

        اما الهزيمة الثانية فهي اكتشافه انه وقع في فخ كبير نصب له بدقة واحكام حينما ادرك ان المعركة لا تنحصر في الفلوجة بل تشمل ا لقطر كله ، كيف ذلك ؟ لقد تمركزت القوات الاميركية عند مداخل الفلوجة ومقترباتها واحاطت بها ، وتلك خطوة اساسية في تامين (غزو سهل ) لمدينة صغيرة لكن مقاومتها شرسة ، وكان مفروضا ، حسب الخطة الاميركية  ان يبدا الطرق من الدبابات والمدفعية وغيرها ، ومن الجو بالمقاتلات وا لسمتيات حتى تستسلم او تنهار مقاومتها بعد يومين او ثلاثة  فتدخل قوات الغزو لتمشيط المدينة من(بقايا ) المقاومين . هل حصل ذلك ؟ بالطبع كلا وكانت تلك المفاجئة الثانية الكبرى ، فقيادة المقاومة  وكما اتضح من سير الاحداث ، وضعت خطتها ليس على اساس قواعد المرحلتين الاولى (اضرب واهرب ) والثانية (اضرب واصمد لساعات او ايام ) ، بل قررت نقل المجابهة مع الاحتلال الى المرحلة الثالثة: اجبار العدو على خوض قتال ( جبهي ) ، اي مباشر بين الجنود الاميركيين  والمقاومين يستمر لعدة ايام وربما اسابيع ، يتم خلالها استنزاف العدو على نحو لايتحمله، ويقود الى كشف عقدته الاساسية الخطيرة : (عقدة فيتنام ) ولهذا اصرت المقاومة على الاقترا ب من تمركزا ت العدو في مداخل المدينة  لكي تحقق  اولا ، التحام سريع في ذروة المعركة مع جنود العدو لتحييد القصف ا لجوي ، كما انه ، ثانيا  يتيح الاستخدام الامثل للهاونات العراقية لالحاق اكبر قدر من الدمار في تجمعات ا لعدو

 

        وفي اطار هذه الخطة وجدت القوات الاميركية ا لتي دخلت  ا لفلوجة انها لاتواجه مقاومة مدمرة فقط ، بل ادركت ايضا انها دخلت في منطقة قتل (killing zone ) ، تميزت بنيران كثيفة متعددة المصادر وكادت طرق الانسحاب تغلق لولا تدخل المقاتلات والسمتيات الاميركية  لمساعدتها على الهروب من مناطق ا لقتل .  تلك كانت صدمة للجنرالات الاميركيين الذين جاؤا الى الفلوجة لتصفية ( متمردين ) و (ارهابيين ) ربما يعرفون كيفية استخدام الاسلحة الخفيفة لكنهم لايمكن ان يخططوا لمعارك حربية معقدة وخطيرة كتلك التي واجهوها في الفلوجة ، فهي بكل تاكيد تحتاج لخبرة ضباط اركان متمرسين وليس مجرد جنود سابقين او فدائيين .

 

        في معارك الفلوجة خسرت امريكا مئات القتلى ( قدرت باكثرمن1300 قتيل) وعشرات الدبابات وا لناقلات ، اما قواتها فقد تناثرت واصابها الذعر والفوضى ، عندها اكتشف الغزاة نصف  الحقيقة المرة وهي ان قوات المقاومة العراقية قد نصبت لها فخا قاتلا في الفلوجة ، ولهذا قررت الخروج من الفخ لاعادة تنظيم صفوفها ووضع خطط  جديدة لاحتلال الفلوجة ، بعد الحصول على دعم عسكري كبير والحصول على معلومات استخبارية

 

ظهور النصف الاخر للحقيقة المرة

 

        لكن النصف الاخر للحقيقة كان ينتظر جنرالات امريكا ، فما ان طلبوا الدعم واخذت قوافل المدرعات والدبابات وناقلاتها تتقدم نحو الفلوجة من مقترباتها حتى وقعت المفاجئة الثانية ، وهي مهاجمة القوافل وتدمير القسم الاكبر منها وعدم وصول اغلب الغذاء والماء والعتاد ودروع النجدة ، الامر الذي فاقم الذعر والارتباك , وهنا سنذكر بعض الامثلة لتاكيد حقيقة بارزة اثبتتها وقائع الحرب في ا لفلوجة ، وهي ان الدفاع عن الفلوجة والتخطيط لذلك  قد قام به ضباط اركان متمرسين ، وهي حقيقة توضح وتحدد طبيعة ومسار الحرب . اول مثال هو ماحصل في ابو غريب واللطيفية والكرمة ، وهي اهم مقتربات الفلوجة ، اذ ان جيش التحرير الوطني للمقاومة قد فتح معارك رئيسية ضخمة في تلك المقتربات دمرت خلالها اغلب قطعات الاسناد الستراتيجي ، من دبابات وسمتيات ومقاتلات وطعام وماء ، بالاضفة لقتل عشرات في كل مقترب ,وبلغت شدة نيران المقاومة حد عجز قوات الغزو عن نجدة قواتها  ونقل جرحاها وسحب مادمر من عتادها الحربي ، وكان ذلك احد اهم واجبات  قوات الاحتلال لمنع المقاومة من اثبات قدرتها العالية على الحاق خسائر فادحة في صفوفها ، وبسبب هذا العجز الامريكي  تسنى للاعلام ان يصور عشرات الدروع الامريكية وهي تحترق والجنود يفرون مذعورين في مشهد لم يرى العالم مثله منذ حرب فيتنام .

 

        هنا اكتشفت قيادة الاحتلال ان  ا لفخ اكبر من جغرافية الفلوجة ، وان المعركة التي استدرجت لها في الفلوجة قد خطط لها في اطار معركة على امتداد القطرالعراقي كله ، كما لاحظت قيادة الاحتلال ان ثمة حرفية قتا لية   عا لية داخل الفلوجة وخارجها ، الامر الذي اكد لديها ان الذين قاتلوها في الفلوجة ومقترباتها هم ضباط الحرس الجمهوري وهو مااكدته القيادة العسكرية الامريكية مضطرة . وخارج نطاق مداخل ومقتربات الفلوجة اتضح وتاكد مرة اخرى وجود تخطيط مركزي وشامل ، ففي الاعظمية في بغداد سحبت قوات الاحتلال الى معركة انموذجية حينما قصف عدد قليل من المقاومين معسكرات الغزو القريبة منها فاندفعت قوات الاحتلال بدروعها نحو الاعظمية وطاردت المقاومين الى داخل الازقة ا لضيقة للحي فوقع الغزاة في الفخ المنصوب لهم ، خرجت عدة مجاميع من المقاومة يتراوح عدد كل وحدة منها بين8 و10 مقاومين وسدوا الاحياء من مداخلها ومخارجها  وفتحت نيران شديدة، عليهم  فتناثروا مذعورين ودمرت دبابات وناقلات عديدة وقتل عدد كبير من الاميركان يتراوح بين 20 و 25 جندي امريكي .

 

        وفي كرادة مريم حيث يقع القصر الجمهوري المحتل قامت المقاومة بنفس الوقت مع الفلوجة والاعظمية وابو غريب واللطيفية والكرمة بقصف القصر بمئات قذائف الهاون , وشهدت الموصل وتكريت وسامراء وا لقائم وحديثة وهيت والرمادي وعانة  وكبيسات وبعقوبة وبلد والبصرة وكربلاء والنجف والعمارة والكوت وكل مدينة وقرية عراقية معارك شرسة اذهلت الاحتلال وافقدته توازنه ، وكانت كل هذه المعارك تؤكد على معنى واحد وتبعث برسالة واحدة : لقد دخلت حرب التحرير الوطنية العظمى مرحلتها الثالثة ، وان الثورة العراقية الظافرة ةتحرك وتتقدم وفقا لبرنامج وطني شامل وضعته القيادة المركزية للمقاومة والتحرير،وهذا يعني ، تحديدا ، ان معركة الفلوجة ماهي الا جزء اساسي من معارك  ماقبل المرحلة الاخيرة، هدفها الاساس هو جر العدو لمعارك كثيرة على امتداد العراق من اجل تشتيت جهده ونشر قواته واجباره على الدخول في معارك تحوله من مبادر يخطط وينفذ خططه ضد الثورة العراقية الى مدافع مرتبك يعجز ، ومهما حاول ، عن تنفيذ خططه .

 

هل فقدت امريكا المبادرة ؟

 

        ان اول مايلفت الانتباه في معركة الفلوجة، والمعارك التي تزامنت معها، هو فقدان امريكا الواضح للمبادرة في صراعها الستراتيجي مع العراق ، ويمكن التاكد من ذلك عبر تذكر ان اصل معركة الفلوجة لم يتحقق ، وهو الرد الانتقامي الشديد القسوة ضد اهل المدينة بالاضافة لتنفيذخطة تصفية المقاومة قبل ان تنتقل للمرحلة الثالثة ، وبذلك تجبرها على العودة للمرحلة الاولى : اضرب واهرب ، وتجعلها تتصرف برد فعل قاصر اهم ميزاته السلبية  انغماسها في التفاصيل ، ومنها حماية كوادر المقاومة ، بدل الاستمرار في الفعل الاصلي : التخطيط لعمليات يزداد اتساعها وحدتها وتاثيرها . ولقد اختيرت الفلوجة قبل التمثيل بجثث الجنديين لانها اهانت العسكرية الامريكية ومرغت انفها في التراب ، خصوصا الخطة المذهلة( للاحتلال طبعا ) ، والتي وضعت لاجل اسر جون ابو زيد قائد القوات الاميركية عند زيارته للعراق ، بهدف توجيه ضربة مدمرة لمعنويات الادارة الامريكية اضافة لعسكرها في العراق ، وطلب مبادلته بالرئيس صدام حسين ، وفتح مفاوضات كان مفروضا ان يتعمد العراق اطالتها ، حول المبادلة لكي تستثمر المقاومة الحادثة لتسليط الضوء على حقيقة مايجري في العراق والتعريف بالمقاومة وانجازاتها ، وهو ماعتمت عليه امريكا بالقوة والابتزاز .

 

        واذا تذكرنا التقويم الذي صدرعن القيادات العسكرية  الاميركية عقب حدثين جوهريين ، هما حادث الهجوم على غرفة بول ولفووتز ، نائب وزير الدفاع الامريكي ، والمحرض الرئيسي لشن الحرب على العراق  ، في فندق الرشيد في بغداد ، والذي جعله يهرب من الفندق ببجامته ، ومحاولة اسر جون ابو زيد ، امكننا فهم ما ا رادت قيادة الاحتلال الوصول اليه اثناء معركة الفلوجة وماكان سيعقبها ، لونجحت في تحقيق هدفها فيها ، لاسامح الله ، فلقد اعترفت هذه  القيادات بان العمليتين تتسمان بعدة مميزات عسكرية مهنية خطيرة الدلالات ،فهما ، اولا ، اعتمدتا على معلومات استخبارية دقيقة جدا عن التحركات الاشد سرية لاثنين من اكبر قادة امريكا، وقد اعترفت سلطات الاحتلال بان المخابرات العراقية قد اخترقتها من اعلى المستويات واشدها تكتما ، لان هكذا اختراق لايمكن ان تقوم به عناصر فدائية عادية ، وهما تتسمان ، ثانيا ، بتخطيط عسكري محترف لايملكه الجنود او الفدائيون بل العسكريون المحترفون ، وبالتحديد ضباط الاركان ، الذين خاضوا معارك صعبة ومعقدة جدا ، وتراكمت لديهم خبرات لايملكها حتى الكثير من ضباط الاركان ، لذلك وجهت التهمة لضباط الحرس الجمهوري ، وهما تتسمان ، ثالثا ، بالتنسيق العالي والقدرة على استيعاب المفاجئات والمتغيرات اثناء معركة خطرة مع قوة تملك اقصى اشكال التفوق ، والتغلب عليها، والنجاح الباهر في تجنب الخسائر الكبيرة، ويشمل ذلك التنسيق الميداني ،اثناء المعركة ، مع وحدات قتالية احتياط تنتظر في مكان اخر لدخول المعركة ، اذا اقتضت الضرورة ذلك، ولهذا اعترفت قيادة الاحتلال بان ذلك التنسيق يؤكد وجود قيادة مركزية للمقاومة.

 

        اذن ، كانت معركة الفلوجة ، بالنسبة للاحتلال ، معركة حاسمة في مجرى ماسمي ب( اجتثاث ) المقاومة واجبارها على التقهقر وحصرها في اطار رد الفعل ، خصوصا حماية الكادر والتنظيم ، بدل تطوير الثورة الوطنية المسلحة ، والانتقال بها الى مرحلة اعلى . هل حصل ذلك ؟ بالطبع لا ، اذ ان المقاومة هي الاخرى كانت تخطط لاستدراج قوات الاحتلال الى (  منطقة قتل ) ، حسب المصطلحات العسكرية ، وذلك لاجبارها ، وبحسم وسرعة ، على التخلي عن المبادرة بصورة نهائية وحاسمة ، ورميها في فخاخ ثانيها اشد قتلا من اولها، مما يؤدي ، وبالضرورة ، الى حصر خطواتها في ردود فعل قاصرة تلهث خلف الفعل الاصلي لقيادة المقاومة المركزية، وردود الفعل هذه ، ومنها( الاستخدام المفرط ) للقوة مع المدنيين ،  تجبر الاحتلال على كشف المزيد من ادعاءاته حول ( تحرير ) العراق ....الخ ، وتضع من يتعاونون معه تحت شعار( المقاومة السلمية ) امام حرج شديد ، ناهيك عن الاجهاز النهائي على من جاء بهم من الخارج ، ومن ثم ادراك الاحتلال انه مكشوف تماما وليس ثمة غطاء ، حتى التافه ، ليستخدمه ، وهكذا يصبح الخيار الوحيد المتاح له هو استخدام لغة الدم مع شعب لايثير روح القتال لديه مثل سفح الدم ، لقد وقع الاحتلال في بحر دماء العراقيين وهو يغرق اكثر فاكثر ، وصارت خياراته كلها مدمرة له ، انظروا فقط تخبط وعصبية الاحتلال ، بعد معركة الفلوجة وسترون اي جحيم يعيش فيه ! لقد ادت معركة الفلوجة الى امساك المقاومة بقوة بزمام المبادرة في حين فقد الاحتلال ذلك ، كل هذا سمح بانخراط ملايين العراقيين في النضال الوطني ضدالاحتلال واقتنعت الاغلبية الساحقة من العراقيين بان المقاومة المسلحة هي الطريق الصحيح لتحرير العراق ، اما المقاومة السلمية فهي ضرورية جدا بشرط ان تكون جزء من حركة المقاومة المسلحة وليس العكس .

 

        ومن بين اهم القصص التي لم تروى عن معركة الفلوجة قصتين تنطويان على معان مهمة ، اولها قصة اسر ضباط وجنود امريكيين ، وثانيها قصة القناصة الامريكيين ، فلقد تقدمت مجموعات من المارينز بسهولة داخل الفلوجة وظنت انها حققت اختراقا رئيسيا ، لكنها فوجئت بانها وقعت في فخ الفلوجيين ، وعندها تحولوا فجاة من ابطال الى مخلوقات لا تتقن سوى البكاء والتوسل ، واسر هؤلاء كان من بين اهم عوامل الترجع الامريكي المهين ، لان قيادة الاحتلال عرفت ان المقاومة ستعلن اسر عدد كبير من العسكريين الامريكيين في مؤتمر صحفي ، فاصيبت ادارة بوش بالذعر لان ذلك سيؤثر بشدة على حملة بوش الانتخابية  اما القصة الثانية فكانت ماحصل لعددكبير من القناصين الذين تمركزوا فوق احد المساجد ودور ومحلات وشرعوا بقنص كل شيى يتحرك ، وقتلوا عشرات النساء والاطفال ورجال الاسعاف ، فقامت وحدات خاصة بمشاغلتهم فيما  تقدمت وحدات اخرى وطوقت الاماكن التي تمركزوا فيها ، ثم صعد افراد منها اليهم وقطعوا رؤسهم واحدا بعد الاخر ثم رموا الرؤس على خنادق الجنود الامريكيين ، الذين شوهدوا وهم يخرجون مذعورين وصراخهم يصك الاذان !

 

        هاتان القصتان لعبتا دورا مهما في التعجيل بتراجع امريكا عن غزو الفلوجة واضطرارها لقبول ماطالب به اهل الفلوجة وهو تسليم المدينة لضباط الجيش العراقي الباسل  وهؤلاء ، بدورهم اصروا على تاكيد انهم لايتعاونون مع الاحتلال وانما يريدون حماية المدينة ولذلك ، وللتعبير عن رفضهم للاحتلال اصروا على لبس بدلات الجيش العراقي الاصلي والشرعي ، وحمل علم العراق الاصلي والشرعي المتوج باسم الجلالة ورفض العلم الذي وضعه من جاء بهم الاحتلال، فوافق الاحتلال . ان هذه النهاية لمعركة الفلوجة الحالية اكدت تماما ان زمام المبادرة قد سقط من يد الاحتلال والتقطته المقاومة بيد فولاذية .

 

انتفاضة الجنوب

 

        اما في جنوب العراق فقد حصل امران: الاول هواصطدام ( جيش المهدي ) مع قوات الاحتلال ، والثاني هو تصعيد المقاومة لعملياتها في جنوب العراق ، بالنسبة للامر الاول قامت قوات الاحتلال بغلق صحيفة ( الحوزة الناطقة ) واعقبت ذلك باعتقال احد معاوني السيد مقتدى الصدر ، واصدار مذكرة توقيف بحق الاخير واتهامه بقتل عبدالمجيد الخوئي واخذ ( الخمس ) ، اموال من الناس باسم الدين ، الامر الذي ادى الى حصول مصادمات مع قوات الاحتلال فساعد ذلك على انتشار المقاومة الى الجنوب وتحول قسم مهم من الزعامات الدينية هناك من المقاومة السلمية الى المقاومة المسلحة ن وبطبيعة الحال يعد ذلك تطورا ايجابيا في مجرى نضال الشعب العراقي من اجل الاستقلال والتحرر من الاستعمار الامريكي .

 

        اما المقاومة فانها واجهت اقسى الظروف في الجنوب وذلك لقيام عصابات مسلحة بتنفيذ عمليات تصفية جسدية للمقاومين وكل وطني اراد حمل السلاح ضد الاحتلال ، وكانت هذه العمليات اشد خطرا من قمع الاحتلال ، لذلك اتخذت المقاومة قرارا بنشر المقاومة في الجنوب بمستوى انتشارها في الوسط والشمال ، وهو قرار تزامن مع اندلاع اشتباكات الاحتلال مع جماعة السيد الصدر ، وفي كل الاحوال ، وبغض النظر عن كل الامور ، فان مايحصل في الجنوب يبشر بالخير خصوصا اذا استجاب السيد الصدر لنداء المقاومة له لاقامة تعاون وثيق وجدي يضمن حشد طاقات كل العراق من اجل التحرير، وتجاوز كل ما من شانه تعطيل اي طاقة عراقية . ان الجبهة التي انشات في ايلول /سبتمبر الماضي وضمت فصائل المقاومة ، تنتظر انضمام السيد الصدر اليها .

 

        ان انتفاضة الجنوب قد اطلقت عقال جماهير العراقيين هناك ودفعتهم الى قلب المقاومة ولذلك يمكننا القول ، وبثقة تامة ان مناضلي الجنوب قد خرجوا من ( قمقمهم ) ومن المستحيل اعادتهم اليه ، لقد فتحت الانتفاضة في الجنوب طريق الثورة المسلحة .

 

        في اطار هذه الملاحظات الاساسية يطرح السؤال التالي بقوة : هل ان الذي يجري منذ مطلع نيسان هو تحول ستراتيجي اساسي في مجرى الثورة العراقية ؟من المؤكد ان مانراه في العراق هو تحول ستراتيجي لصالح المقاومة اجبر الادارة الامريكية على تغيير سياستها تجاه العراق ، خصوصا التراجع عن رفض تدخل الامم المتحدة واوربا والجامعة العربية ،ودعوة هؤلاء جميعا للعمل سوية لايجاد مخرج يحفظ ماء وجه امريكا ، فلقد ادركت انها وقعت في اخطر فخ نصب لها في تاريخها ، وهي لن تستطيع البقاء فيه لزمن طويل ،خصوصا بعد ان شرع الاعلام الامريكي بتصعيد انتقاداته لتزايد عدد القتلى الامريكيين ، وتفجر فضائح التعذيب والاغتصاب في سجون الاحتلال ، وهذا التحول هو الذي اجبر السناتورين كنيدي وبيرد ، وغيرهما ، على تشبيه ما يجري في العراق بما جرى في فيتنام . بل ان احد الجنرالات الامريكيين اعترف وهو منهار بان القتال الذي شهده في الفلوجة شرس الى درجة لم يشهد الجيش الامريكي له مثيلا لا في فيتنام ولا غيرها . بوش عرف ذلك كله ، وبلير ايضا عرفه ، وادركا ان المعركة  التي تدور في العراق هي من طراز المعارك الستراتيجية الحاسمة وان نتيجتها الحتمية  هي الانسحاب عاجلا ام اجلا ، لان البقاء في العراق سيؤدي الى اغراق جيوش اميركا وبريطانيا في كوارث لاحدود لها ، وهذا هو جزء مما عناه بوش حينما قال ان عواقب الفشل في العراق لايمكن تخيلها، وهو ذاته الذي اجبر بلير على وصف المعركة ب( التاريخية ) .