كيف نواجه العدوان؟

 

 

 

بقلم :د. ابراهيم علوش

 

عندما لا تعود قادراً على التمييز بين خطاب «المعارضين» والرسميين العرب، فإن ذلك يعني على الأرجح أن «المعارضين»، وليس أنت، قد ابتلوا بداء سياسي خطير هو عمى الألوان...

 

ثمة مشكلة عندما تصبح ردود الفعل على جرائم الطرف الأمريكي-الصهيوني في فلسطين والعراق موحدة على إيقاعٍ متناغم، من السلطة الفلسطينية إلى الحكومة الأردنية، إلى باقي الجوقة الرسمية العربية، إلى تنظيمات اليسار الفلسطيني إلى من يدعون أنهم قوميون أو إسلاميون إلى الأحزاب العربية عامةً، إلا من رحم ربي.

 

وهذا النسق المنسجم داخلياً هو بالضبط كما يلي:

 

1) البدء بالتركيز على الجرائم والانتهاكات والمجازر في المقدمة أو المتن، ومن ثم، 2) دعوة المجتمع الدولي للتدخل لوقف تلك الانتهاكات، في نهاية البيان أو التصريح الصحفي.

 

وهو قاسم مشترك يمتد كخيطٍ لا ينقطع في كافة البيانات والتصريحات الرسمية والحزبية على حدٍ سواء، وكأن الجميع، كما يقال، قد درسوا على شيخ واحد: انتهاكات فظيعة نطالب المجتمع الدولي بالتدخل لوقفها! انتهاكات، لا تذكر أحياناً هوية مرتكبيها! وهو موقف طريف فعلاً! فعندما تتفق الأنظمة العربية مع المعارضة إلى هذا الحد في طريقة معالجة عقدة سياسية مركزية مثل مواجهة مجازر قوى الهيمنة الخارجية.

 

والمشكلة بمنطق: «انتهاكات تحتاج لتدخل دولي» أنه يطرح المسألة بطريقة تجعلها قضية انتهاكات فحسب، وأنه يعطي المشروعية، لا بل يطالب بتدخل دولي لم يكن يوماً لمصلحة الأمة وكان يشكل منهجياً الغطاء السياسي لتدخلات الطرف الأمريكي-الصهيوني في بلادنا، كما أنه يموه على الطبيعة الحقيقية للمواجهة التي نعيشها.

 

فإذا نظرنا للمسألة، بالمقابل، باعتبارها قضية احتلال وهيمنة، فإن الاستنتاج الضروري يصبح بديهياً مشروعية المقاومة، وبتحديد أكثر، سمو العنف المسلح في مواجهة الطرف الأمريكي-الصهيوني الذي غالباً ما يتغطى بالتدخل الدولي.

 

نحن إذن في خضم صراع تناحري لا يحل إلا بالعنف مع الطرف الأمريكي-الصهيوني، وهذه الطريقة في وضع المسألة لها تبعات واضحة بالنسبة للمهمات الملقاة على عاتقنا كأفراد وجماعات: ضرورة دعم المقاومتين العراقية والفلسطينية بكل عوامل القوة، بالمال والمقاتلين والموقف السياسي الواضح، باختراق الحدود، كالشبان المصريين الستة إذ تسللوا على عاتقهم لتنفيذ عملية في فلسطين المحتلة، بتصعيد الموقف الشعبي والحزبي من الأنظمة العربية وهي تتمرغ في أحضان الطرف الأمريكي-الصهيوني وتكبت حركة الشارع العربي المساندة للمقاومتين، باختصار، بالمقاومة إذا تعربت، بكل ما للكلمة من معنى... فدعونا لا نهرب من مهماتنا الحقيقية.

 

ومن لا يملك الاضطلاع بمهماته الحقيقية، فليقل كلمة الحق على الأقل. فمن هو بالضبط المجتمع الدولي الذي تناشدونه؟ أليس أصحاب القرار الدولي، القادرون اليوم على وقف المجازر، هم أنفسهم الذين يمارسونها؟ وهل عرفتم أبداً قوماً جاءهم الفرج من «المجتمع الدولي» دون أن يصنعوه بأيديهم، لا بل دون أن يمتلكوا نفوذا دولياً يذكر؟!

 

من السذاجة بمكان أن نبني استراتيجيتنا السياسية حول إثارة مشكلة ازدواجية المعايير «الدولية» ما بين العدو الصهيوني والعرب، لأن الذي يثير هذه القضية لا يدرك أنه ليس هناك من قرار دولي، من قرار التقسيم رقم 181 إلى قرار 242، إلا ومرره صانعوه ليحققوا هدفاً مفصلياً في مرحلة مطلوب تجاوزها استراتيجياً مقابل التلويح بفتات للعرب. مثلاً، قرار 181 كان يهدف لتأسيس دولة العدو بمشروعية دولية، وليس لإعطاء 45 بالمائة من فلسطين للعرب! وقرار 242، بمطالبته بالانسحاب من أراضٍ احتلت عام 67، كان يهدف لإضفاء المشروعية الدولية على الـ23 بالمائة الإضافية من فلسطين التي احتلها اليهود عام 48 فوق ما أخذوه بقرار التقسيم، الخ... فليست المشكلة أننا رفضنا القليل لنقبل فيما بعد ما هو أقل منه، بل كان كل قرار دولي يهدف بالأساس لتغطية هدف استراتيجي صهيوني محدد، يضع الطرف الأمريكي-الصهيوني في موقفٍ أقوى، ليجبر العرب لاحقاً على المزيد من التنازلات.

 

والمخطط الأمريكي-الصهيوني في الوطن العربي لم يكتمل بعد، وعلينا بالتالي توقع المزيد من المجازر والجرائم، وعلى من ينتظرون التدخل الدولي في لبنان من جماعة عون وغيرهم، خاصة «التقدميين» منهم، أن يتعظوا من تجربة العراق، فليس هناك من «استعمار ديموقراطي» أبداً.