ديك الاحتلال أم بيضة المقاومة؟

 

 

 

بقلم :خيري منصور

 

يعيدنا السجال الرائج الآن بين المشككين بجدوى المقاومة والمتحمسين لها باعتبارها قدَر من يعانون من الاحتلال، إلى سفسطة قديمة متجددة تتلخص في سؤال مزمن. هو من سبق الآخر: الديك أم البيضة؟ وأحياناً تحلّ الدجاجة مكان الديك في هذه الحوارية العقيمة!

ما من مقاومة تولد بلا أسباب، وما من شعوب تلجأ إليها إلا لأن ظرفاً طارئاً واستثنائياً فرض عليها ذلك، وبالتأكيد فإن ديك الاحتلال أو دجاجته سبقا المقاومة، ومهدا لها وشكلا التحدي الذي استولد استجابتها!

وحين ينتهي الاحتلال تهدأ المقاومة، وتعود الأمور إلى نصابها، حتى لو اشتبك المستقلون مجدداً لأسباب محلية تخصهم، فهذا شأنهم، وليس من حق المحتل أن ينسب الفوضى التي تعقب انسحابه لغيابه، لأنه عندئذ يقترح استمراره ضرورة وطنية ومطلباً قومياً!! وهذا بحد ذاته دعابة ثقيلة الظل!

ولا ندري إلى أي منطق وأية عقيدة أو قانون سماوي أو وضعي يرتكز هؤلاء الذين يريدون من ضحايا الاحتلال أن يكتبوا حتى أنينهم، وأن يتأقلموا مع وضع شاذ بحيث يتحول إلى طبيعة ثانية مضادة لطبيعة البشر!

ومن حق من يصحو من النوم لتقع عيناه على دبابة غازية بالقرب من داره أو مسجده أو جامعته أن يغيّر مقولة الفيلسوف ديكارت الشهيرة "أنا أفكر.. إذن أنا موجود".. بحيث تصبح "أنا أقاوم إذن أنا حر وموجود معاً"!

لكن من يزعمون احتكار العقلانية والفلسفة والمنطق ويرون في بقية العالم خارج حدودهم برابرة، يتحولون هم أنفسهم إلى برابرة عندما يطالبون من يعاني ويلات الاحتلال بأن يصمت، لكي يقرأوا هذا الصمت على أنه امتثال وقبول بلا حدود!

فالفلسطينيون الذين يطالبون المحتل الصهيوني بالانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو/ حزيران عام 1967، يدركون أن ما وراء تلك الحدود، سواء حمل اللون الأخضر أو البنفسجي هو فلسطين أيضاً، لكن أحوال الأمة وما انتهى إليه العالم تفرض على الإنسان أحياناً أن يقبل بما لا يرضيه ولا يحقق جزءاً يسيراً من أحلامه الكبرى، فهل جربت الدولة العبرية الانسحاب، تبعاً للمعنى الدقيق لكلمة الانسحاب، كي تتأكد من أن بيضة المقاومة لا تولد من العدم، أو من نزعة عدوانية لدى شعب ما؟

والغريب في هذه المعادلة أن من يتساجلون حول جدوى المقاومة أو عدم جدواها، يتجاهلون الحقيقة الأشد فصاحة منهم ومن سجالاتهم، وهي أن الاحتلال هو بيت الداء وسبب العلة كلها، وحبذا لو يتكلم هؤلاء الواقفون في منطقة الأعراف بين نعيم الاحتلال وجحيمه بلسان كامل، بحيث يقدمون مبررات منطقية لإدامة الاحتلال، أو التعامل معه بوصفه ضرورة تاريخية! لكنهم لا يفعلون، لأنهم يضعون رجلاً في الجنة وأخرى في النار، ويريدون أخيراً أن يظفروا "بالحُسنَيَيْن" رغم أن كل القرائن تجزم بأنهم أشبه بالغراب الذي فقد المشيتين، فلم يتحول إلى حمامة.. ولم يبق غراباً كما كان!

وكم كان "فاليري" مصيباً عندما قال: "إن الناس يهربون أحياناً من البديهيات، لأن لهم شغفاً خاصاً بلعبة الشطرنج، سواء كانت رقعتها من ورق أو من أوطان، وسواء كانت بيادقها من خشب أو من لحم ودم".

والبديهية التي يتهرب الكثيرون من الإقرار بها والبدء بها، هي أن الاحتلال بكل المعايير والمرجعيات جريمة يحاول من يقترفها أن يجعلها كاملة، من خلال حذف الشهود أولاً وتدجين وإخضاع ضحاياه ثانياً!

ولو شئنا الاستطراد في عالم البديهيات هذا.. فإن أول مثال يخطر ببالنا، هو المريض الذي تجرى له جراحة في جسده، فالطبيب لا يطلب منه أن يعض على لسانه أو أصابعه ويحتمل الألم، بل يقدم له جرعات من التخدير.. فهل يمتلك الاحتلال، حتى لو كان جرّاحاً، مثل هذه الجرعات؟

بعضهم يقولون نعم، ويعبرون بذلك عن مكاسب آنية ووظائف خدمية تحققها فئة من الناس على حساب فئات أخرى.

إن الشعوب التي تحررت من الاحتلال، لم تطارد المحتل إلى عقر داره انتقاماً، بل غالباً ما انهمكت في ترميم ما دمر من كيانها، وتضميد جراحها، لأن الاحتلال يلحق من الأضرار بالأوطان والناس أكثر بأضعاف مما يقوله الحاسوب الجامد الذي لا يؤشر منسوب الأحزان، والشعور بالخذلان والانكسارات والارتكاسات النفسية التي قد تمتد إلى أكثر من جيل!

فهل أزف الوقت كي ينهي سفسطائيو الألفية الثالثة سجالاتهم العقيمة عن ديك الاحتلال أو دجاجته وبيضة المقاومة؟