عنف الاحتلال أبعد من صواريخ القسام

 

 

 

بقلم :علي بدوان

 

الجولات الدموية الإسرائيلية الأخيرة في شمالي قطاع غزة أبعد ما تكون من رد فعل حقيقي على إطلاق قذائف الهاون وصواريخ القسام الفلسطينية على مستعمرات قطاع غزة ومناطق مستعمرة سديروت داخل مناطق 1948، وأبعد ما تكون من رد فعل إضافي على العمليات الفدائية الأخيرة التي وقعت في مناطق مختلفة من شمالي ووسط قطاع غزة، واستهدفت عدداً من أفراد قوات الاحتلال ومستوطنيه.

 

وقد تكون قذائف الهاون وصواريخ القسام الفلسطينية عامل تحفيز وتسريع على استنبات الأسباب المباشرة للعدوان الإسرائيلي، لكن كل المؤشرات والوقائع تذهب للتأكيد على أن شارون وطاقمه الأمني والعسكري يعملان لإغراق قطاع غزة بالويلات والمصائب والكوارث على أبواب تنفيذ الخطوات الأولى من مشروعه، كما أنه أصبح الآن بحاجة ماسة لتحقيق إنجازات أكثر ملموسية أمام الشارع اليميني الصهيوني داخل الدولة العبرية في محاولاته لوأد المقاومة وروح المقاومة لدى الفلسطينيين، بعد أن «طفح وزاد كيل المزاودات» داخل حزب الليكود، وبين أقطاب وصقور هذا الحزب الفاشي المتربع على سدة القيادة والرئاسة، وفي توجيه سياسات الدولة العبرية الصهيونية، خصوصاً في ظل إصرار أرييل شارون على المضي قدماً في تصدير مشروعه لـ «للفصل الأحادي والانسحاب المدروس ومن طرف واحد من قطاع غزة»، بالرغم من الهزائم التي مني بها داخل حزب الليكود عندما رفضت قاعدة الحزب بأغلبيتها المشروع الشاروني إياه، وعلى هذا الأساس فإن شارون يحاول في عدوانه الجديد تقديم نفسه مستنداً إلى تاريخه المليء بمحطات التطرف، والمكتوب بلغة القوة والغطرسة، مزاوداً على متطرفي ومجانين الليكود من أمثال بنيامين نتنياهو، وتساحي هنغبي، وعوزي لانداو،،، الذين تسللوا إلى المواقع القيادية في حزب الليكود «دون تاريخ وطني إسرائيلي يشفع لهم» على حد تعبير مصادر شارون.

 

ومما ساعد شارون على مواصلة سياسة القوة الراهنة التي يتبعها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، هذا الحجم المذهل من التواطؤ والصمت الأميركي، وإدارة واشنطن لظهرها تجاه ما يجري داخل فلسطين مع تقيح وانفلات الملف العراقي، ووقوع الرئيس جورج دبليو بوش داخل «مفرمة» الانتخابات الرئاسية القادمة في ظل تنافس شديد لم تشهده أي من الانتخابات الرئاسية الأميركية خلال نصف قرن مضى من الزمن.

 

وفوق هذا وذاك، فان الركود، بل والتراجع في الحالة العربية الرسمية والشعبية على حد سواء، أمسى أمراً واقعاً، وأضاف بعداً جديداً في تسليح شارون والدولة العبرية بـ «سلاح تكتيكي» عنوانه الغياب العربي وانقلابه إلى «الصوت العربي المتحشرج» الذي لم يخرج عن أسلوب المناشدة الأخلاقية لواشنطن، ودعوتها للتدخل من حين إلى أخر لوقف المذابح التي تعرض ويتعرض لها الفلسطينيون، خصوصاً اللاجئين منهم في مخيمات قطاع غزة والضفة الغربية.

 

إن صوت قذائف الهاون وصواريخ القسام الفلسطينية، والفعل المقاوم لعموم الأجنحة الفدائية الفلسطينية العاملة في الداخل، محاولات متواضعة، لكنها «فعل الممكن»، ومحاولات جسورة وجبارة تخرج من أنين شعب مطوق، وقيادة شرعية محاصرة أيضاً في سياق مواجهة العدوان الإسرائيلي لفرض حلول الأمر الواقع، وعليه فإن «زمجرة» الهاون والقسام من قطاع غزة ونحو مستعمرات الأمر الواقع، كافية لإيصال الصوت الفلسطيني المطوق المحاصر إلى الحالتين الرسمية والشعبية العربية، والى أحزاب ما كان يطلق عليه في الأدبيات السياسية «أحزاب الحركات الوطنية» قبل أن تتمزق وتتحول بغالبيتها إلى شظايا صغيرة بفعل عوامل التناحر الداخلي والتسلط وفقدان الديمقراطية الداخلية، وتدهور توازنها بعد التطورات الدولية التي وقعت خلال العقد ونصف العقد الماضي من الزمن.