العراق الجديد: غزو ودمار واحتلال وموت.. ومحاكمة

 

 

 

بقلم :د. بشير موسي نافع

 

بدأ الرئيس العراقي صدام حسين خلال الدقائق القليلة التي أطل فيها من شاشات التلفاز وكأنه قلب الطاولة علي آسريه وحكامه من الأمريكيين واعوانهم العراقيين. قال صدام حسين انه ما زال الرئيس الشرعي لجمهورية العراق، وان محاكمته مسرحية يراد بها تعزيز اوراق بوش الانتخابية، وأن الرئيس الأمريكي هو المجرم الذي ينبغي أن يحاكم، وأن قوات التحالف هي قوات غزو واحتلال، وان قاضياً عراقياً ما كان له أن يترأس محاكمة رئيس جمهوريته في ظل الاحتلال الأجنبي، وأنه أمر جيشه بدخول الكويت دفاعاً عن شرف العراق واستعادة لحقوقه.

بدا الرئيس الأسير، الذي أصابة نحول الاعتقال، مهيباً، مسيطراً علي الموقف بينما بدا قاضيه غراً مرتبكاً وفاقداَ للسيطرة. أما العراقي القادم من لندن، مستشار بريمر للأمن القومي، الذي دلل حضوره علي عدالة المحاكمة، فقد ظهر بائساً. لم يختلف اثنان ممن راقبوا شريط الدقائق القليلة علي ان الجولة الاولي من المحاكمة/ الاستعراضية قد انتهت لصالح صدام حسين، ما يمكن الاختلاف عليه هو ربما لماذا كان الامر كذلك.

الذين قالوا ان صدام حسين خطط لظهوره المتلفز باتقان وأنه أعد نفسه لانتهاز أول فرصة اتيحت له لتسديد ضربة لخصومه وارسال رسالة اخري لأنصاره، أخطأوا التفسير. اطلالة صدام حسين ما كان لها أن تكون بغير ما شهدناه: غلبة له وارتباك فادح للأمريكيين وقادة النظام الذي نصبوه وجلسوا لحراسته، ذلك أن الأمور هي كذلك علي أرض الواقع، هي كذلك فعلاً. هذه محكمة وضع أركانها الغزاة، أعد ملفاتها ونصها وأوراقها محامو وزارة العدل الامريكية، يدير فصولها جلبي اخر من جلباء الخارج، شريك لأحد كبار المستوطنين اليهود في الضفة الغربية وربيب دائرة المحافظين الجدد في واشنطن، محكمة يرأسها قاض غر أحمق كانت احدي اهم انجازاته منذ سقوط بلاده تحت نير الاحتلال استجابته لرغبة بريمر في اصدار امر بالقبض علي مقتدي الصدر، محكمة يراد بها ان تكون الانجاز الاكبر لنظام احتلال لم يقدم للعراق منذ بدايته الا الدمار والاظلام والقتل اليومي.

بيد ان الاهم ان هذه المحاكمة هي في جوهرها حلقة اخري في حرب مستمرة منذ 1990 بين صدام حسين والدولة التي قادها من جهة والولايات المتحدة الامريكية وحلفائها من جهة اخري. عندما أعلن الامريكيون اسقاط النظام العراقي في التاسع من نيسان (ابريل) 2003، لم يتقدم رئيس الجمهورية العراقية لتوقيع وثيقة الاستسلام، ولا جمع وزير دفاعه بيان اقرار بالهزيمة مع جنرالات جيش الغزاة. نظام ما قبل نيسان (ابريل) 2003 فقد زمام السلطة والحكم، ذهب اركانه الي بيوتهم او الي المخابيء، ولكنه علي نحو او اخر لم يعلن الاستسلام. بل حدث ما هو اكبر من ذلك بكثير: ان العراق كله نهض لمقاومة الاحتلال. وهذه المحاكمة، التي قدر لها ان تضم الرئيس ووزير دفاعه، ليس لها ان تكون الا حلقة اخري في حرب طويلة ومريرة، حرب تتزايد ضحاياها بمرور الدقائق. في هذه المحاكمة ليس لصدام حسين، وقد فقد حكمه واسرته وحريته، ليس له وقد قدم نفسه للعراقيين والعرب طوال عقود كمدافع عن استقلال العراق وعروبته وعن وحدة العرب وقضاياهم، الا ان يستميت في توكيد مصداقية خطابه ومواقفه. هذا هو خندق صدام حسين الاخير.

في مواجهة صدام حسين يقف الامريكيون الذين تواطأوا معه طوال سنوات الحرب العراقية ـ الايرانية (التي اريد لها اصلا وأد موجة الثورة الاسلامية في مهدها) بكل ما نجم عن تلك الحرب من مجازر ونشر للاسلحة الكيماوية في جبهات القتال وخلف الجبهات. وليس من المستبعد ان واشنطن قد مهدت الطريق لغزو الكويت في مخطط احتواء الخطر المتعاظم من عراق ما بعد الحرب العراقية ـ الايرانية. يقف الامريكيون، الذين فرضوا الحصار علي العراق طوال ثلاثة عشر عاماً، جوعوا شعبه وافقروه ودمروا مقدراته، ثم قاموا بغزوه واحتلاله بلا مسوغ ووسط استنكار ومعارضة عالمية، يقف الامريكيون كقوة احتلال تخوض حرباً يومية ضد العراقيين جميعاً.

في مواجهة صدام حسين يقف طابور طويل من المتعاونين مع المحتل، اغلبهم فقد الاهلية قبل الاحتلال بسنين عندما تورطوا في العمالة مع القوي الاجنبية المعادية لبلادهم، وبعضهم سرعان ما اطاحت بأهليته اغراءات الحكم والسلطة في عراق الاحتلال. حكام تحرسهم وتحميهم قوات الاحتلال، يعيشون رعباً مستمراً من شعبهم في دائرة لا تتجاوز الخمسة اميال مربعة، يتحدثون باسم الشعب العراقي بينما مصائرهم، صعوداً أو هبوطاً، معلقة بقرار من احد مسؤولي الادارة الامريكية. شرعية قامت علي دبابات الغزو والاحتلال وتستمد بقاءها من بقاء دبابات الغزو والاحتلال تريد ان تعطي المصداقية لاكثر مؤسسات الدولة والحكم تأثراً بمسألة الشرعية: مؤسسة العدالة. في سياق عادي وفي بلد كبريطانيا أو امريكا أو فرنسا، سيكون من المستحيل افلات رئيس الوزراء العراقي الحالي وعدد كبير من وزرائه ومسؤولي دولته من الادانة بالخيانة العظمي، فكيف يمكن لهؤلاء ان يحاكموا رئيس دولة يري نفسه في خضم معركة الدفاع عن بلاده وسجله معاً؟

ما ارتكبه نظام صدام حسين في حربه ضد ايران كان جريمة بلا شك، وما ارتكبه خلال سنوات الصراع ضد التمرد الكردي في شمال العراق كان جريمة، وما ارتكبه في سياق الحملة لاخماد انتفاضة 1991 في الجنوب كان جريمة، وما ارتكبه في اقتحام الرمادي في منتصف التسعينات كان جريمة ايضاً. ولكن احداً عليه ان لا يخطيء طبيعة هذه الجرائم والمسؤولية عنها. لم يكن نظام صدام حسين نظاماً فريداً، لا في الشرق ولا في الغرب، والسياسة التي اتبعها لمواجهة خصومه، لاسيما من رفع السلاح منهم ضد الدولة، لم تكن قاصرة عليه، ولا حتي اساليب التعذيب في سجونه (كما نعرف الآن علي وجه اليقين) كانت اساليب استثنائية. وقف صدام حسين علي رأس دولة لم تولد فلسفتها وقواعد سلوكها في العراق أو من أدبيات البعث، بل من رحم التاريخ الغربي والرؤية الغربية للعالم. هذه هي الدولة الحديثة، دولة السيطرة الكاملة واحتكار أدوات العنف والتحكم المركزي. اعلن تمردك علي الدولة الحديثة في اي بقعة من بقاع الارض، ارفع السلاح ضدها، وستري كيف ينصب عليك غضبها وتواجهك وسائل البطش المختزنة لديها.

هل ثمة فرق بين تعامل الدولة العراقية مع قوي التمرد والتهديد في بلد قلق تحيطه الاطماع والمخاطر وتعامل الدولة البريطانية مع التمرد في شمال ايرلندا، وهي المنطقة التي ظل الجيش البريطاني يحتلها ويدير شؤون امنها طوال عقود ؟ الم تنتشر قوات الجيش الاردني وسلاحا المدفعية والطيران علي مدي اكثر من ثماني شهور في عاصمة البلاد وكبريات مدنها وفي قراها ومخيماتها لسحق الفدائيين الفلسطينيين والقوي الشعبية والاهالي المناصرين لهم في 1970 ـ1971 ؟ الم يواجه المسلحون الاسلاميون في حماة بحملة عسكرية هائلة أسفرت عن تدمير أغلب المدينة في 1982 ؟ ألم يقم الجيش التركي في حملاته العسكرية المتواصلة منذ عقود بتدمير قري بأكملها في جنوب شرق الاناضول في مواجهته للتمرد العسكري الكردي؟ وحتي قبل ذلك بكثير، ألم تخض الدولة الأمريكية الفيدرالية حرباً طاحنة أحرقت الاخضر واليابس ضد الولايات الجنوبية التي اعلنت العصيان والتمرد علي واشنطن في ستينات القرن التاسع عشر؟ وهل ثمة فرق بين رد فعل صدام حسين علي تمرد الشمال وانتفاضة الجنوب وقنابل الخمسمئة والتسعمئة رطل التي تلقيها الطائرات الأمريكية بشكل روتيني علي أحياء الفلوجة وسامراء ؟

ان كان لابد من محاكمة فليحاكم نظام الدولة الحديثة نفسه الذي بات يسيطر علي البشر بقدر من العنف والتحكم غير المسبوق في تاريخ البشرية كله. أما ان كان لا بد من محاكمة صدام حسين، فإن التهمة الوحيدة الجادة التي يمكن أن توجه له،إن كان لدي حكام المنطقة الخضراء بعض من جدية، فهــــي تقصيره في إعداد العراق، جيشاً وشعباً ومقدرات، لمواجهة الحرب التي شنت عليه في اذار (مــارس) 2003.

شكل صدام حسين خلال السنوات التي أمسك فيها بزمام الحكم مأزقاً ثقيلاً ومعقداً للعراق وشعبه. تحدث صدام بإسم العراق وعبر عن طموحاته وميراثه التاريخي كما لم يتحدث او يعبر زعيم عراقي اخر منذ ولد العراق الحديث. والان، وقد فقد كل شيء تقريباً وبات اسيراً في يد الد خصومه عداوة، فإن حذاءه ما زال اوسع بكثير من اقدام كل من يحاولون خلافته مجتمعين. ولكن صدام لم يفشل ابداً في جر العراق من كارثة الي اخري ومن مأساة الي التي تليها. واليوم يتحول صدام، وقد انقسم حوله وعليه العراقيون كما لم ينقسموا من قبل، الي مأزق اكبر لسجانيه وخصومه. إن قتلوه فسيثيرون غضب ملايين العراقيين، ويجعلون منه اول شهداء القرن الحادي والعشرين الكبار. وان اطلقوا سراحه فسيطلقون العنان لقوة ثأر لن تنطفيء، ويستثيرون غضب ملايين اخرين من العراقيين. اما ان قرروا سجنه، فسيعيشون في ظل شبحه وتحديه واستخفافه بهم ما امتدت به الحياة، هذا ان قدر لهم، وهو الامر الذي يحيط به شك ثقيل، الاستمرار في الحكم.